نحو إنسان متوازن: تزكية النفس وتنمية الذات بين الرؤية الإسلامية والنموذج الغربي (4)

المدرسة النبوية في بناء الإنسان: أعظم نموذج في تزكية النفس وتنمية الذات (4-5)

8

 

د خالد لورد مستشار سابق للامم المتحدة فى شؤون الهجرة والتنمية 

المدرسة النبوية في بناء الإنسان: أعظم نموذج في تزكية النفس وتنمية الذات (4-5)

في عصرنا الحاضر يتجه الملايين إلى مدربي التنمية البشرية وخبراء تطوير الذات بحثا عن أسرار النجاح والتغيير وتحقيق الأهداف. وتنفق المؤسسات والأفراد مليارات الدولارات سنويا على برامج التدريب والتطوير الشخصي. غير أن المسلم حين يبحث عن النموذج الأكمل في بناء الإنسان لا يحتاج إلى الذهاب بعيدا، فقبل أكثر من أربعة عشر قرنا قدم النبي محمد صل الله عليه وسلم أعظم مشروع عرفه التاريخ لتغيير الإنسان وصناعة الشخصية وبناء المجتمع. فقد جاء رسول الله (ص) ليبني الإنسان من داخله قبل أن يبني حضارته في الخارج، وليزكي النفس قبل أن ينمي المهارات، وليغرس الإيمان قبل أن يصنع الإنجاز.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).  تمثل هذه الآية دستور التغيير والتطوير الذاتي في الإسلام. ولكن من الذي علم البشرية هذا المبدأ وطبقه على أرض الواقع؟ إنه النبي محمد (ص) الذي أرسله الله معلما ومربيا ومزكيا للنفوس، ينقل الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن رذائل الأخلاق إلى محاسنها، ومن الفرقة والشتات إلى الوحدة والتماسك.

 

التزكية قبل التنمية

من أهم ما يميز المنهج النبوي للتغيير عن كثير من المناهج الحديثة في التنمية الذاتية أن النبي (ص) بدأ بإصلاح الإنسان من الداخل قبل التركيز على الإنجاز الخارجي. فمعظم برامج التطوير الذاتي تبدأ بسؤال كيف تحقق أهدافك؟ وكيف تزيد إنتاجيتك؟ وكيف تنجح في حياتك؟ أما النبي (ص) فبدأ بسؤال أعمق كيف تصلح قلبك؟ وكيف تزكو نفسك؟ وكيف تستقيم علاقتك بربك؟ ولهذا وصف القرآن مهمة الرسول (ص) بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2). ومن اللافت أن التزكية جاءت قبل التعليم، لأن إصلاح القلب هو الأساس الذي تبنى عليه المعرفة والسلوك والإنجاز والفلاح.

منهج النبي صل الله عليه وسلم في التغيير

قبل البعثة النبوية كانت الجزيرة العربية تعيش أوضاعا مضطربة اتسمت بانتشار الوثنية والعصبية القبلية والظلم الاجتماعي ووأد البنات واستباحة حقوق الضعفاء، إضافة إلى غياب المرجعية الأخلاقية الجامعة. وخلال ثلاثة وعشرين عاما فقط استطاع النبي (ص)، بإذن ربه، أن ينقل هذه البيئة من التفرق إلى الوحدة، ومن الجاهلية إلى الهداية، ومن الفوضى القيمية إلى بناء أمة حملت رسالة حضارية إلى العالم. كيف حدث ذلك؟ وكيف تحولت مجموعة من القبائل المتناحرة إلى أمة قادت العالم علما وحضارة؟ لقد كان السر في المنهج النبوي الفريد الذي جمع بين التزكية والتعليم والتربية والتدرج في بناء الإنسان.

كان كثير من الناس يظنون أن الطباع لا تتغير وأن الإنسان يولد بصفاته ويبقى عليها. فجاء النبي (ص) ليؤكد أن الإنسان قادر على تغيير نفسه واكتساب الصفات والعادات الحسنة وتنمية قدراته. حيث ورد عنه عليه السلام أنه قال (ص): (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه). هذا الحديث يمثل قاعدة أساسية في مشروع التنمية الذاتية الإسلامي، فهو يؤكد أن الصفات ليست جامدة، بل يمكن اكتسابها بالمجاهدة والتدريب والممارسة. وهنا تتجلى إحدى الركائز الأساسية في مشروع التزكية والتنمية في الإسلام؛ فالنبي (ص) لم يتعامل مع الإنسان باعتباره أسير طباعه أو سجين ظروفه، بل باعتباره كائنا قادرا على النمو والتغيير والترقي المستمر. ولذلك فإن اليأس من إصلاح النفس أو الاستسلام للواقع يتعارض مع جوهر الرسالة النبوية التي قامت على صناعة الأمل وإحياء الإرادة الإنسانية.

النبي صل الله عليه وسلم قدوة في تطبيق ما يعلم

أهم صفات المربي الناجح أنه يعيش ما يعلمه، ويكون قدوة لأتباعه. وقد جسد النبي (ص) هذا المعنى بأكمل صورة. فعندما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه قالت:(كان خلقه القرآن) (رواه مسلم). أي كان يتخلق بأخلاق القرآن، ويعيش تعاليمه، ويكون مثالا حيا لكل ما يدعو إليه .

وقال الله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، (الأحزاب: ٢١) . الأسوة الحسنة هنا تعني أن النبي (ص) ليس مجرد مبلغ للرسالة، بل هو نموذج عملي للاقتداء به. لذلك لم يكن تأثيره نابعا من قوة الخطاب فقط، بل من صدق التطبيق. فقد رأى الصحابة الإسلام حيا ومطبقا يمشي على الأرض في شخص النبي (ص).

قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: (لم يكن النبي صل الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) (الترمذي). وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: (خدمت النبي صل الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته)،(متفق عليه).

كما كان النبي (ص) معلما يستخدم أساليب تربوية وتعليمية متنوعة تسبق كثيرا من النظريات التربوية الحديثة، ومنها التعليم بالتدريج، والتكرار، والحوار والاستفهام، والتعليم بالتمثيل والتصوير، ومراعاة الفروق الفردية.

نماذج من صناعة الإنسان في المدرسة النبوية

من أعظم الأدلة على نجاح المنهج النبوي حجم التحول الذي أحدثه في شخصيات أصحابه. فقد كان عمر قبل الإسلام من أشد الناس عداوة للمسلمين. لكن النبي صل الله عليه وسلم صبر عليه، ودعا له، وعامله بالحسنى، حتى كان منه ما كان. بعد إسلامه، أصبح عمر فاروق هذه الأمة، وأحد أعظم خلفائها. هذا تحول جذري في الشخصية، من أقصى درجات العداوة إلى أقصى درجات الإيمان والمحبة والتفاني.

هناك أيضا قصة الصحابي الجليل معاذ بن جبل. الذي قال النبي (ص) له: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)، (أبو داود). بهذه  الكلمات، غرس النبي (ص) في معاذ حب العبادة والاستمرارية عليها. وكان أبو هريرة رضي الله عنه حريصا على العلم، ملازماً للنبي (ص). علمه النبي (ص) أدب طلب العلم، وشجعه على السؤال، وكان يجيبه بصبر وحلم، حتى أصبح أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث.

مبادئ التزكية وتنمية الذات في تعاليم النبي (ص)

الفرق بين المنهج النبوي وكثير من مناهج التنمية المعاصرة أن الرسول (ص) لم يكن يسعى إلى صناعة إنسان ناجح فقط، بل إلى صناعة إنسان صالح ونافع ومفلح. فغاية التربية النبوية لم تكن مجرد زيادة الإنتاجية أو تحقيق المكاسب الدنيوية، وإنما بناء الإنسان الذي يعرف ربه، ويصلح نفسه، ويعمر الأرض وفق منهج الله تعالى. ولهذا جمعت التربية النبوية بين التزكية والتنمية، وبين بناء القلب وبناء المهارة، وبين النجاح في الدنيا والفوز في الآخرة.  ومن بين المبادئ التي رسخها النبي (ص):

  • تحديد الأهداف: علمنا النبي (ص) أن نحدد أهدافنا، وأن نعمل لتحقيقها. قال (ص): (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ)، (مسلم). هذا الحديث يجمع بين التخطيط (الحرص على ما ينفع)، والتنفيذ (استعن بالله)، وعدم الاستسلام (ولا تعجز).
  • بناء العادات: علمنا النبي (ًص) أن العادات تبني بالتدريج. قال (ص): (أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)، (متفق عليه). القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. هذا هو مبدأ بناء العادات الصغيرة التي تتراكم لتصنع تغييرا كبيرا.
  • التفكير الإيجابي: علمنا النبي (ص) أن نحسن الظن بالله، وأن ننظر إلى الجانب المشرق من الحياة. قال (ص): (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)، (مسلم).
  • الصبر والمثابرة: علمنا النبي (ص) أن الصبر مفتاح النجاح. قال (ص): (وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)،(أحمد).
  • التعلم المستمر: حث النبي (ص) على طلب العلم من المهد إلى اللحد. قال (ص): (طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)، (ابن ماجه). وقال (ص): (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)، (مسلم).
  • الصحبة الصالحة: حذر النبي (ص) من صحبة السوء، وحث على صحبة الأخيار. قال (ص): (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)، [أبو داود والترمذي]. وضرب مثلاً لذلك فقال (ص): (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ)، (متفق عليه).

 

لماذا النبي صل الله عليه وسلم هو أول معلم في مجال التنمية والتطوير الذاتي؟

لأن الرسول (ص) بدأ بتغيير الفرد قبل المجتمع.  لم يبدأ النبي (ص) بتغيير المجتمع أو النظام السياسي، بل بدأ بتغيير الأفراد. آمن به فرد فرد: خديجة، علي، أبو بكر، زيد. كل واحد منهم كان مشروع تغيير فردي، ثم اجتمع هؤلاء الأفراد ليشكلوا معا المجتمع الجديد. كذلك ركز المصطفى (ص) على القناعات  قبل السلوك. فكان قبل أن يعلم الناس الأحكام، علمهم العقيدة، فصحح قناعاتهم عن الله، وعن أنفسهم، وعن الحياة. وكانت “لا إله إلا الله” هي قناعة التوحيد التي غيرت كل شيء.

كذلك علمهم النبي (ص) كيف يغيروا أنفسهم. فلم يتركهم يخبطون خبط عشواء، بل علمهم الطريقة الأمثل “إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم”، وهكذا يكون التعليم الحقيقي. كان عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يمثل لهم القدوة الحية. فلم يأمرهم بشيء إلا كان أول فاعل له، ولم ينههم عن شيء إلا كان أول تارك له. وهذا هو التأثير الحقيقي، أن تكون أنت التغيير الذي تريد أن تراه في الآخرين. استطاع النبي (ص) بإذن الله وفضله أن يحقق نتائج مبهرة خلال ثلاث وعشرين سنة فقط، حيث استطاع تحويل أمة جاهلية إلى أمة تملأ الدنيا علما وعدلا وحضارة.

إذا كانت مدارس التنمية الحديثة قد قدمت أدوات نافعة في مجالات التخطيط والتحفيز وبناء العادات وتحقيق الأهداف، فإن المنهج النبوي يظل النموذج الأكمل والأشمل، لأنه لا يكتفي بتعليم الإنسان كيف ينجح، بل يعلمه كيف ينجح دون أن يفقد روحه، وكيف يحقق أهدافه دون أن يضيع قيمه، وكيف يبني دنياه دون أن ينسى آخرته. لقد كان النبي (ص) أعظم معلم للتزكية، وأعظم مرب للنفوس، وأعظم صانع للإنسان في تاريخ البشرية. من أراد أن يجمع بين تنمية الذات وتزكية النفس، وبين النجاح والفلاح، وبين القوة والاستقامة، فلن يجد مدرسة أكمل من المدرسة النبوية التي صنعت جيل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ذلك الجيل الذي غير مجرى التاريخ لأنه بدأ أولا بتغيير ما في نفسه. وفي ضوء ما سبق يتضح أن المدرسة النبوية لم تكن مجرد مشروع تربوي أو منظومة أخلاقية، بل كانت مشروعا متكاملا لصناعة الإنسان من الداخل والخارج معا، حيث تتكامل التزكية مع التعليم، والإيمان مع العمل، والروح مع السلوك، والنجاح مع الاستقامة.

في المقال الخامس والأخير من هذه السلسلة سننتقل، إن شاء الله، إلى تقديم رؤية أكثر تكاملا، نحاول من خلالها بناء نموذج يجمع بين “تزكية النفس” و”تنمية الذات”، مع التركيز على مفهومي التغيير والأخذ بالأسباب بوصفهما الجسر الذي يربط بين البناء الداخلي والسعي الخارجي، وكيف يمكن للمسلم المعاصر أن يوازن بين إصلاح قلبه وتطوير مهاراته في إطار رؤية إسلامية متوازنة للإنسان والحياة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.