حين تصبح الفبركة ديناً جديداً

دفاعاً عن الشيخ الزين محمد أحمد وتحذيراً من طعن العلماء

10

 

 

 

دفاعاً عن الشيخ الزين محمد أحمد وتحذيراً من طعن العلماء

كوداويات
✍️ محمد بلال كوداوي

لم يعد أخطر ما يهدد مجتمعنا السوداني هو اختلاف الآراء، ولا حتى شدة الخصومات السياسية والفكرية، وإنما ذلك الانحدار المخيف الذي جعل البعض يستسهل الكذب والفبركة والطعن في الناس، ثم نشر ذلك على الملأ وكأنه حقيقة لا تحتاج إلى دليل.

وما يتعرض له الشيخ الزين محمد أحمد من تسجيلات صوتية وصور ومواد متداولة منسوبة إليه، إن صحت إفادته بأنها مفبركة أو مجتزأة أو أُخرجت من سياقها، ليس أمراً ينبغي أن يمر علينا باعتباره مجرد معركة عابرة على وسائل التواصل.

فالقضية أكبر من الشيخ الزين.
إنها قضية أخلاق مجتمع، وحرمة إنسان، وميزان عدل، ومسؤولية كلمة.

فالإنسان قد يختلف مع الشيخ الزين، وقد يوافقه أو يخالفه، وقد ينتقد رأيه أو موقفه، وهذا حق مشروع لا خلاف عليه.

لكن أن يتحول الاختلاف إلى فبركة تسجيلات، وتركيب صور، واختلاق روايات، ثم توزيعها بين الناس بقصد التشويه، فهذه ليست حرية رأي.

هذه جريمة أخلاقية قبل أن تكون خصومة فكرية.

والله سبحانه وتعالى لم يترك لنا مسألة الأخبار والشائعات بلا ميزان، بل قال بوضوح:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

فإذا كان القرآن يأمرنا بالتثبت من الخبر، فكيف أصبح الهاتف في أيدي بعض الناس أقوى من القرآن في ضمائرهم؟

كيف يصل تسجيل مجهول المصدر إلى مجموعة واتساب، فيصدقه عشرات الأشخاص خلال دقائق، بينما لا يكلف أحد نفسه عناء السؤال: من سجله؟ متى سُجل؟ هل التسجيل كامل؟ هل الصوت صحيح؟ ومن أين جاءت الصورة؟

وكأننا منحنا تطبيقات التواصل الاجتماعي سلطة إصدار الأحكام، وأعفينا عقولنا من العمل.

لا تجعلوا “الترند” بديلاً عن الضمير

من المؤسف أن بعض السودانيين أصبحوا يتعاملون مع التشهير باعتباره مادة للتسلية.

صورة تُنشر.

تسجيل يُرمى في مجموعة.

عبارة تُقتطع من سياقها.

ثم تبدأ حفلة التعليقات والشتائم والسخرية.

وبعد ساعات يكون آلاف الناس قد تداولوا شيئاً لا يعرفون أصله ولا صحته.

ثم إذا ظهرت الحقيقة، لا يعتذر أحد.
وهذه كارثة أخرى.
فالناس في زماننا صاروا أسرع في نشر التهمة من سرعتهم في نشر الاعتذار.

والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾

تأملوا هذه الآية جيداً.

تحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم.

كلمة صغيرة بالنسبة لك، لكنها قد تهدم سمعة إنسان.

صورة ترسلها في مجموعة، وقد تظل تطارد صاحبها سنوات.

تسجيل تنشره وأنت لا تعرف حقيقته، وقد تساهم في تشويه عالم أو داعية أو إنسان بريء.

ثم تقول: “أنا فقط أرسلتها.”

لا.

أنت لم تكن مجرد متفرج.

كنت حلقة في سلسلة نشرها.

والطعن في العلماء ليس بطولة

يمكن لأي إنسان أن يختلف مع عالم أو داعية.

لكن هناك فرقاً هائلاً بين النقد وبين الطعن والتشويه والكذب.

العالم ليس معصوماً.

والداعية ليس فوق النقد.

لكن أخطاء العلماء لا تجعل أعراضهم مباحة، واختلافنا معهم لا يمنحنا رخصة للكذب عليهم.

قال النبي ﷺ:
«مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»

وقال ﷺ:

«بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»

وقال ﷺ في التحذير من الكذب:
«كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع»

وهذا الحديث وحده كافٍ لو فهمناه.
ليس كل ما تسمعه يجوز أن تنقله.
وليس كل ما يصل إلى هاتفك يصبح حقيقة لمجرد أنه وصل إليك.

الشيخ الزين ليس أول من تعرض لهذا النوع من الاستهداف

وقد أشار الشيخ الزين إلى أن مثل هذه الحملات ليست جديدة عليه، وأنه تعرض لها منذ سنوات، كما استشهد بعدد من العلماء والدعاة الذين تعرضوا هم أيضاً لحملات تشويه واستهداف.

وهنا ينبغي أن نتوقف.

فقد يختلف الناس مع الشيخ عبد الحي يوسف، أو الدكتور محمد الأمين إسماعيل، أو البروفيسور عصام البشير، أو غيرهم.

لكن السؤال الأخلاقي يبقى قائماً:

هل الاختلاف معهم يبيح الكذب عليهم؟

الإجابة التي يجب أن يتفق عليها المسلم، مهما كان موقفه السياسي أو الفكري، هي: لا.

نحن لا ندافع عن الأشخاص باعتبارهم فوق الخطأ.

نحن ندافع عن مبدأ.

مبدأ أن الإنسان لا يُدان بتسجيل مجهول.

ولا تُهدم سمعته بصورة مشبوهة.

ولا تُصنع عليه قصة من مقطع مبتور.

ولا يتحول الخلاف معه إلى حملة اغتيال معنوي.

أخطر ما في الفبركة أنها قد تصيب البريء وتصنع منه متهماً

الفبركة الحديثة ليست مجرد كذبة عادية.

فاليوم يمكن تركيب صوت، واجتزاء حديث، وتغيير سياق، ومعالجة صورة، وإعادة نشر مادة قديمة باعتبارها جديدة.

وهنا تصبح مسؤولية المتلقي أكبر.

لذلك فإن من أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يقول:

“أنا لا أعرف إن كان صحيحاً، لكن سأرسله.”

هذه العبارة وحدها تحتاج إلى وقفة طويلة.

إذا كنت لا تعرف أنه صحيح، فلماذا تنشره؟

وإذا كنت تشك فيه، فلماذا تساهم في نشره؟

وإذا كنت تعرف أن صاحبه مستهدف، فلماذا تكون أنت الأداة التي يستخدمها أصحاب الحملة؟

يا أهل السودان اتقوا الله في ألسنتكم

السودانيون الذين عرفهم العالم بالشهامة والمروءة والنجدة، لا ينبغي أن تتحول مجموعاتهم ومنصاتهم إلى ساحات لتصفية الحسابات.

ليس كل من اختلفنا معه عدواً.

وليس كل من خالفنا في السياسة خائناً.

وليس كل داعية لا يعجبنا أسلوبه مستحقاً للشتيمة.

وليس كل عالم نختلف معه عديم الدين.

ومن أعظم الظلم أن تستخدم الدين نفسه لتبرير ظلم إنسان آخر.

قال تعالى
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾

هذه الآية ينبغي أن تُكتب أمام كل هاتف سوداني.

أمام كل مجموعة واتساب.

أمام كل صفحة فيسبوك.

وأمام كل شخص يكتب تعليقاً غاضباً.

اختلف، ولكن اعدل.

انتقد، ولكن لا تكذب.

عارض، ولكن لا تفجر.

والغيبة والنميمة ليستا محتوى

قال الله تعالى
﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾

يا لها من صورة قرآنية مخيفة.

نحن نضغط زر “إرسال” في أقل من ثانية، ولا نشعر أحياناً أن وراء الرسالة عرض إنسان وكرامته وسمعته وأسرته.

لكن الحساب عند الله لا يعرف زر الحذف.

قد تحذف المنشور، ولكن ربما يكون مئات الأشخاص قد حفظوه.

وقد تعتذر، ولكن ربما يكون الأذى قد وصل إلى صاحبه.

وقد تنسى أنت، لكن المظلوم قد يحمل أثر الكلمة سنوات.

دفاعنا عن الشيخ الزين ليس دفاعاً عن العصمة

ولكي نكون واضحين
الدفاع عن الشيخ الزين لا يعني أنه معصوم من الخطأ.
ولا يعني أن كل كلامه يجب أن يقبل دون نقاش
ولا يعني أن العلماء فوق النقد.

لكننا نقول شيئاً بسيطاً جداً:
من لديه نقد موثق فليطرحه بالدليل.
ومن لديه اعتراض فليناقش الفكرة.
ومن لديه مخالفة فليأتِ بالمعلومة الصحيحة.

أما التسجيلات المفبركة والصور المشبوهة والقصص مجهولة المصدر، فهذه ليست حجة.

هذه أسلحة الضعفاء عندما يعجزون عن مواجهة الفكرة بالحجة.

يا شيخ الزين
لا تجعل كثرة الافتراءات تحزنك.
فقد سبقك إلى طريق الدعوة رجال تعرضوا للأذى، وسُبوا، وشُوهوا، وقيل فيهم ما لم يقولوه.

والتاريخ لا يحتفظ بكل الشتائم التي قيلت ضد العلماء، لكنه يحتفظ بما تركوه من علم وأثر.

والباطل مهما رفع صوته يبقى باطلاً.

أما الحق فلا يحتاج إلى مكبر صوت.

وقد قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

نسأل الله أن يحفظك من الظلم والافتراء، وأن يرد عنك كيد من أراد بك سوءاً، وأن يجعل ما أصابك رفعة لك لا كسراً، وأن يرزقك الصبر والحكمة، وأن يجعل لسانك دائماً داعياً إلى الحق والرحمة والإصلاح.

أيها السودانيون
لا تكونوا وقوداً لحروب لا تعرفون أصحابها.

لا تجعلوا هواتفكم أدوات لهدم الناس.

لا تنشروا كل ما يصلكم.

لا تصدقوا كل تسجيل.

لا تحكموا على أحد بصورة.

لا تشاركوا في اغتيال سمعة إنسان ثم تقولوا: “الله أعلم بالحقيقة.”

فالله بالفعل أعلم بالحقيقة، ولذلك بالضبط يجب أن نخاف.

غداً قد يكون المستهدف شيخاً أو داعية.

وبعد غد قد يكون جاراً.

ثم صديقاً.

ثم واحداً من أهل بيتك.

والقاعدة التي يجب أن تحفظها جيداً:

من السهل أن تطعن في إنسان، لكن من الصعب أن تعيد إليه سمعته بعد أن تشارك في تشويهها.

فلنتقِ الله في العلماء، وفي الدعاة، وفي عامة الناس.

ولنختلف كما نشاء، ولكن بالدليل والأدب والعدل.

أما الكذب والفبركة والتشهير، فليست شجاعة.

إنها ظلم… والظلم ظلمات يوم القيامة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.