الحوار السوداني – السوداني.. نحو استعادة القرار الوطني الخالص وتحرير مسار الانتقال من الوصاية الخارجية
الحوار السوداني – السوداني.. نحو استعادة القرار الوطني الخالص وتحرير مسار الانتقال من الوصاية الخارجية
حديث الدكتور خالد حسين
مقدمة تحليلية في مسارات المشهد السياسي السوداني
منذ سقوط النظام السابق، واجه المشهد السوداني مخاضاً عسيراً تمثل في تراجع القرار الوطني واستسلام النخبة السياسية للقوى الإقليمية والدولية. لقد تحولت الحاضنة السياسية للثورة لتبني مواقف تخدم القوى الخارجية والضغط على الجيش عبر تشكيلات متعددة أبرزها “الرباعية” (الولايات المتحدة، بريطانيا، الإمارات، السعودية) و”الثلاثية” (برئاسة فولكر، الاتحاد الأفريقي، والإيجاد). ومع فشل الرهان على “الدعم السريع” بقيادة حميدتي إثر اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تصاعدت الضغوط الدولية لفرض اتفاقات جديدة تعيد قوى الحرية والتغيير إلى السلطة عبر ما عرف باتفاق جدة ومسار مباحثات منبر جدة.
جذور الأزمة: كيف سقط القرار الوطني في فخ الوصاية؟
يرى الطرح التحليلي للدكتور خالد حسين، مدير مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية، أن الأزمة السودانية الجوهرية ترتكز على ثلاث ركائز أساسية أسهمت في تغييب القرار الوطني المستقل:
إدارة الشأن السوداني بالوكالة: تكريس فرضية أحقية القوى الإقليمية والدولية في إدارة الشأن السوداني بدعوى إسهامها في إسقاط نظام البشير، وصولاً إلى محاولات إدماج قوات الدعم السريع كجناح سياسي لها.
أزمة الدعم السريع وعقده العسكرية: الاعتماد على الدعم السريع كأداة عسكرية لفرض الترتيبات السياسية، والتي باءت بالفشل الذريع أمام تماسك القوات المسلحة السودانية وإرادة الشعب.
أزمة النخب السياسية: انسياق النخبة السياسية وراء رغبات الخارج بلا تخطيط استراتيجي، مما أدى إلى غياب المشروع الوطني الخالص وتحويل القوى السياسية إلى مجرد صدى لردود أفعال المانحين والوسطاء الدوليين.
جولات الحوارات الإقليمية والدولية: مأزق التوافق المفقود
شهدت الفترة من يوليو 2023 وحتى أواخر 2025 محاولات عديدة لإيجاد تسوية سياسية، اصطدمت جميعها بتناقضات الأجندة الخارجية ومواقف الأطراف السودانية:
مؤتمر دول الجوار (القاهرة 2023): دعت مصر لاجتماع ضم الكتل السياسية المختلفة، لكن الكتل حضرت بصورة منفصلة وعجزت عن تقديم موقف موحد.
مؤتمرات الإيقاد والاتحاد الأفريقي (أديس أبابا 2024 – 2026): شهدت مقاطعات واسعة من لجان المقاومة والقوى الثورية، وتصاعد الخلافات بين مكونات الجبهة المدنية والعسكرية.
مشاورات جيبوتي (ديسمبر 2025): نظمتها المنظمات الإقليمية والدولية بهدف تشكيل لجنة تحضيرية، واصطدمت باشتراطات مقاطعة المكون العسكري وحزب البعث، مما أدى لتعثر مجدداً.
المخرج الاستراتيجي: نحو حاضنة وطنية مستقلة
يؤكد التقرير أن الحل الحقيقي يكمن في إحداث قطيعة جذرية مع أساليب الوصاية الخارجية، من خلال تبني خارطة طريق وطنية ترتكز على:
هزيمة الدعم السريع عسكرياً: باعتبارها الركيزة الأساسية لإنهاء التمرد وحماية السيادة الوطنية.
إنشاء حاضنة سياسية مستقلة: تتكون من داعمي الكرامة والوطنيين المخلصين، لتتولى وضع الخطط الاقتصادية والسياسية بمعزل عن التدخلات الخارجية.
الاعتماد على الكفاءات الوطنية: إسناد التخطيط الاقتصادي، والعلاقات الخارجية، والقانون الدستوري لخبراء وعلماء السودان الحقيقيين لإدارة الدولة وفق رؤية نابعة من مصلحة الشعب السوداني وحده.
خلاصة القول: إن استعادة القرار الوطني السوداني لا تتأتى عبر منبر جده أو إملاءات الرباعية والثلاثية، بل بانطلاق إرادة وطنية صلبة تقضي بهزيمة التمرد عسرياً، وبناء حاضنة سياسية واعية تضع مصلحة السودان وشعبه فوق كل اعتبار.