البرهانُ يُشعلُ الفتيلَ.. خطابٌ واحدٌ هزَّ عروشَ الرباعيّةِ وأربكَ حساباتِ واشنطن وأبوظبي

حين تكلّم القائدُ العامّ في عيدِ الجيش.. سقطت أوراقُ الوساطاتِ الخارجيّة، وانكشفَ الانقسامُ داخلَ المعسكرِ الدوليّ، وبدأ السودانُ يكتبُ شروطَه بيدِه

5

 

 

حين تكلّم القائدُ العامّ في عيدِ الجيش.. سقطت أوراقُ الوساطاتِ الخارجيّة، وانكشفَ الانقسامُ داخلَ المعسكرِ الدوليّ، وبدأ السودانُ يكتبُ شروطَه بيدِه

بقلم: د. خالد حسين محمد

لحظةٌ استثنائيّة تصنع خطابًا استثنائيًّا

جاء خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في الذكرى الثانية والسبعين لعيد الجيش السوداني في توقيتٍ بالغ الحساسيّة، تتقاطع فيه ثلاثة ضغوط دفعةً واحدة:

– على الأرض: الجيش يتقدّم في أكثر من محور، ما أعطى القيادة هامشًا للمناورة السياسيّة لم يكن متاحًا من قبل.
– في الخارج: ضغوط متصاعدة من اللجنة الرباعيّة والمجتمع الدولي لإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض، بذريعة الكارثة الإنسانيّة التي تسبّبت فيها ممارسات الدعم السريع.
– في الداخل: سباق محموم بين القوى السياسيّة لحجز مقاعدها في مرحلة ما بعد الحرب.

في هذا المناخ المشحون، خرج البرهان بخطابٍ يبدو للوهلة الأولى متناقضًا، لكنّه في حقيقته محسوبٌ بدقّة.

رسالتان في خطابٍ واحد.. السيفُ في يدٍ والغصنُ في الأخرى

بنى البرهان خطابه على معادلةٍ ذكيّة: الحسم بيدٍ، والانفتاح باليد الأخرى.

فمن جهة، تحدّث بلغةٍ حازمة عن مواصلة الحرب حتى تطهير البلاد من التمرّد، ورفض أي سلامٍ يُعيد “المجرمين والقتلة” إلى السلطة. ومن جهةٍ أخرى، طرح حزمةً غير مسبوقة من الضمانات لحوارٍ سودانيّ – سودانيّ:

– حوار داخليّ لا ترعاه الدولة ولا تفرض أجندته أو مخرجاته.
– ضمانات قانونيّة وسياسيّة وأمنيّة ولوجستيّة للمشاركين.
– حصانة إجرائيّة مؤقّتة توقف البلاغات الجنائيّة ضدّهم.
– حصانة دائمة لكلّ ما يُقال داخل قاعات الحوار.

هذه الثنائيّة ليست ارتباكًا، بل تقسيم عمل مقصود: لغة الحسم موجّهة إلى الجيش والمقاومة الشعبيّة والشارع الصامد، أمّا لغة الانفتاح فمُوجّهة إلى القوى السياسيّة المتردّدة والمجتمع الدولي. خطابٌ واحد يخاطب جمهورين مختلفين في وقتٍ واحد، وهذا في حدّ ذاته دليلٌ على نضجٍ مؤسّسيّ صنعته ثلاث سنوات من الحرب.

ما قاله البرهان صراحةً.. أربعُ رسائلَ إلى أربعِ جهات

يمكن تلخيص الرسائل المباشرة في الخطاب على النحو التالي:

للجيش والشعب: الحرب مستمرّة حتى النصر، فلا مجال لقراءة الحوار على أنّه استسلام.

للمعارضة والمحايدين: الباب مفتوح، والدولة تتنازل طوعًا عن دورَي “الراعي” و”الخصم”، لصالح آليّةٍ وطنيّة مستقلّة.

للدعم السريع وحاضنته: لا عودة إلى السلطة، لكن باب العفو مفتوح أمام المقاتلين الذين لم تتلطّخ أيديهم بالجرائم؛ رسالةٌ تعزل القيادة وتستميل القاعدة.

للمجتمع الدولي: الخرطوم لا ترفض السلام، لكنّها تقدّم مبادرتها الخاصّة بملكيّةٍ وطنيّة كاملة؛ أي نقل الملفّ من ملاعب الوساطات الخارجيّة إلى الملعب الداخلي.

ما لم يقله البرهان.. وهو الأهمّ

الصمت الذكيّ عن الاستثناءات

قبل أسابيع من الخطاب، تسرّبت أنباء عن حوارٍ داخليّ يستثني حزب المؤتمر الوطني وتحالف “تأسيس”. لكن البرهان لم يتطرّق إلى هذا الاستثناء بحرفٍ واحد؛ لا تأكيدًا ولا نفيًا.

هذا الصمت ليس عفويًّا، بل هو غموضٌ مقصود يخدم أربعة أهداف:

1. نقل قرار الإقصاء من رأس الدولة إلى طاولة الحوار، ليتحوّل من شرطٍ مسبق إلى ورقةٍ تفاوضيّة.
2. تجنّب إحراج التحالف الميدانيّ مع التيّار الإسلاميّ الذي يقاتل آلافٌ من أبنائه إلى جانب الجيش.
3. إبقاء الاستثناء ورقةً قابلة للتفعيل أو السحب حسب مجريات التفاوض.
4. نزع ذريعة الإقصاء التي تستخدمها بعض العواصم لتبرير التدخّل الخارجي.

فخّ الحصانة القانونيّة

التمييز الذي وضعه الخطاب بين “العفو” و”وقف الإجراءات الجنائيّة” صحيحٌ في الشكل، لكنّه يُثير في الجوهر ثلاثة أسئلة معلّقة:

– من يقرّر الوقف؟ وبأيّ معيار؟
– حقّ الضحايا لا يملكه رئيس الدولة، ما لم توجد آليّة واضحة لجبر الضرر ورضا الأسر.
– جرائم الحرب والإبادة لا تسقط بالعفو بحكم القانون الدوليّ، وأيّ حصانة محلّيّة بشأنها هي وهمٌ قانونيّ لا أكثر.

سكوت الخطاب عن هذه النقاط كان مقصودًا، حتى لا تنهار قيمة الضمانات المطروحة.

إعادة رسم صورة القائد

بإعلانه أنّ الدولة لن تُنظّم الحوار ولا تحدّد أجندته، نقل البرهان نفسه من موقع “طرفٍ في النزاع” إلى موقع “الضامن للعمليّة”. تراجع خطوةً إلى الوراء ليظهر بمظهر رجل الدولة الذي يمسك بزمام السلم كما يمسك بزمام الحرب.

أصداء الخطاب.. تشتّتٌ محسوب

استقبلت القوى السياسيّة الخطاب بتباينٍ لافت:

– الكتلة الديمقراطيّة رحّبت به بوصفه خطوةً نحو مسارٍ وطنيّ.
– قوى “صمود” والحزب الشيوعي والحركة الشعبية – التيار الثوري رفضته.
– المؤتمر الشعبي وصفه بأنّه “بلا لونٍ ولا طعمٍ سياسيّ”.

هذا التشتّت لم يكن خللًا في التلقّي، بل هدفًا في التصميم؛ فالخطاب لم يسعَ إلى إقناع الجميع، وإنّما إلى تفتيت جبهة الرفض إلى ثلاث شرائح: رافضين مبدئيّين يعزلون أنفسهم، ومشروطين قابلين للانخراط، ومتحمّسين يمنحون المبادرة زخم الانطلاقة.

ثلاثة ألغام تحت السطح

رغم أنّ الخطاب يُعدّ أنضج وثيقةٍ سياسيّة صدرت عن القيادة منذ اندلاع الحرب، إلا أنّه يحمل في طيّاته ثلاثة مخاطر جوهريّة:

الخطر الأوّل: تجميد حقّ الضحايا والصمت عن سقف الجرائم الدوليّة قد يُحوّل الحوار إلى شرعنةٍ للإفلات من العقاب.

الخطر الثاني – وهو الأخطر: أن ينعقد الحوار بينما الحرب مشتعلة في جزءٍ من البلاد، فيتحوّل الأمر إلى تقسيمٍ جغرافيّ لمناطق النفوذ بدلًا من تسويةٍ وطنيّة شاملة. وهذا خطرٌ ربّما لم يُنتبه إليه بعد.

الخطر الثالث: أنّ التنازلات التي قدّمها القائد، لو تراجع عنها تحت ضغط الشارع، ستُفقده أثمن ما يملك: الثقة. والتاريخ السوداني لا يرحم من يقول شيئًا على المنصّة ويفعل نقيضه في الغرف المغلقة.

معايير الحكم.. تسويةٌ تاريخيّة أم “وثبةٌ” جديدة؟

لنعرف هل نحن أمام تسويةٍ تاريخيّة حقيقيّة، أم أمام نسخةٍ مصقولة من “حوار الوثبة” الذي أعلنه البشير في يناير 2014، علينا مراقبة ثلاثة مؤشّرات:

1. في الميدان: هل يستمرّ زخم الجيش أم يتعطّل؟
2. في الإجراءات: هل تتحوّل الضمانات إلى مراسيم؟ وهل تُؤمَّن حماية العائدين من “صمود” من غضب الشارع؟
3. في الآليّة: هل تخرج فعلًا عن وصاية من صنعها؟

الرباعيّة.. جبهتان لا جبهة واحدة

لا يمكن قراءة مآلات الخطاب بمعزلٍ عن التوازنات الإقليميّة والدوليّة. فداخل اللجنة الرباعيّة نفسها، ثمّة انقسامٌ واضح:

– واشنطن وأبوظبي في جبهة، ولن تقبلا بحوارٍ لا يُعيد “صمود” إلى السلطة.
– الرياض والقاهرة في جبهةٍ أخرى، على تنسيقٍ مع البرهان لإجراء الحوار، والتزمتا بالضغط على بعض قادة “صمود” للمشاركة.

السؤال المطروح: هل يبقى للحوار قيمةٌ إن رفضته واشنطن وأبوظبي؟

الثابت أنّ لدى الطرفين أدوات ضغط حقيقيّة على “صمود”: التمويل، والاعتراف الدولي، والمنصّات الإعلاميّة، وأدوات أخرى غير نظيفة. وقد ترجما ذلك في تصريحات الخارجيّة الأمريكيّة وإعلان “صمود” رفض المشاركة. وسابقة عدم الاعتراف بحكومة “الأمل” برئاسة كامل إدريس تُنذر بمصيرٍ مماثل.

قيمة الحوار.. حتى في مواجهة الرفض

حتى مع رفضٍ أمريكيّ – إماراتيّ وغياب “صمود”، يبقى للحوار مكاسب لا يُستهان بها:

أوّلًا: يمنح السلطة شرعيّةً إجرائيّةً محلّيّة لملء الفراغ الدستوريّ وتشكيل حكومة كفاءات ذات قاعدة أوسع، تُقطع بها الطريق على الحكومة الموازية التي تروّج لها أبوظبي وواشنطن.

ثانيًا: يُشكّل ورقة ضغطٍ على الرباعيّة، ويُثبت أنّ البديل السوداني – السوداني قائم، ممّا يُضعف حجّة الفراغ التي تُبرّر التدخّل الخارجي.

ثالثًا: انضمام بعض قيادات “صمود” – ولو الوسيطة منها – يُضعف التحالف، ويُجبر واشنطن وأبوظبي على مراجعة حساباتهما.

في المقابل.. الكلفة حاضرة

– غياب “صمود” يجعل المخرجات موضع شكٍّ دوليّ.
– تمتلك واشنطن وأبوظبي أدوات تخريبٍ فعّالة.
– ربّما تضغط أمريكا على السعوديّة ومصر للتشكيك في الحوار أو تعطيل تمويله.

ويُرجَّح نجاح الرياض والقاهرة في استقطاب قياداتٍ وسيطة من “صمود”، خاصّةً من الأحزاب الاتّحاديّة والبعثيّة غير المرتبطة عضويًّا بالمشروع الإماراتيّ، ما قد يُحدث انشقاقاتٍ داخل التحالف.

أمّا حمدوك وخالد سلك ومن في مسارهم، فيبقون خارج نطاق الاختراق؛ فارتباطهم بالمشروع الإماراتيّ – الأمريكيّ عضويّ، ومغادرته تعني نهاية مشروعهم السياسي، حتى لو أرادوا ذلك.

الرعاية السعوديّة – المصريّة.. رسالةٌ إلى واشنطن

قيمة الحوار برعاية الرياض والقاهرة تتجاوز حدود السودان؛ فهي:

– تمنع الفراغ الدستوريّ وتقدّم بديلًا محلّيًّا للمشاريع الخارجيّة.
– تُشير إلى خروجٍ سعوديّ – ومصريّ نسبيًّا – عن الطوع الأمريكي.
– تمنح البرهان دعمًا قويًّا في مواجهة الضغوط.

وإذا كان “قانون سلام السودان” الأمريكي قد شكّل صكّ شرفٍ للبرهان لعدم انحنائه، فإنّ إعلان الحوار السوداني – السوداني برعاية سعوديّة – مصريّة هو إعلانٌ صريح لفشل المشروع الإماراتيّ – الأمريكيّ في السودان، مشروعٍ سيُتوّج بهزيمة الجنجويد وطردهم من البلاد.

خاتمة.. لحظةُ الحقيقةِ السودانيّة

في السياسة، ثمّة خطاباتٌ تُقال فتُنسى مع انطفاء أضواء المنصّة، وثمّة خطاباتٌ تُقال فتُعيدُ رسمَ الخرائطِ وتُغيّرُ موازينَ القوى. وخطابُ البرهان في عيد الجيش الثاني والسبعين ينتمي – بكلّ المقاييس – إلى الصنف الثاني.

لقد نجح القائدُ العامّ في تحويلِ ما بدا في ظاهره تنازلًا إلى مناورةٍ استراتيجيّةٍ بعيدةِ المدى؛ فبيدٍ يمسك سلاحَ الحسمِ العسكريّ، وبأخرى يمدُّ غصنَ الحوارِ الوطنيّ، وبعينٍ ثالثةٍ يراقبُ حساباتِ العواصمِ الأربعِ التي تتنازعُ على مصيرِ البلاد.

الرسالةُ التي حملها الخطاب أبعدُ من نصّه: السودانُ لم يعد ساحةً مفتوحةً لتصفيةِ الحساباتِ الإقليميّة، بل صار طرفًا يُملي شروطَه، لا طرفًا تُملى عليه الشروط.

يبقى السؤالُ المُعلَّق: هل يصمدُ هذا الخطابُ أمامَ اختباراتِ الميدانِ والغرفِ المغلقةِ وضغوطِ الخارج؟ أم يذوبُ – كما ذابت خطاباتٌ سبقته – في زحمةِ التسوياتِ المؤجّلة؟

الجوابُ لن تصنعَه بلاغةُ المنصّاتِ ولا حساباتُ العواصم، بل ستصنعه إرادةُ السودانيّينَ أنفسِهم؛ فإمّا أن يُدوَّنَ هذا اليومُ في سِفرِ التأسيسِ لدولةٍ جديدة، وإمّا أن يُطوى في أرشيفِ الفرصِ الضائعة.

وبين هذا وذاك، يبقى البرهانُ قد قال كلمتَه بوضوحٍ لا يقبلُ التأويل: قرارُ السودانِ يُصنعُ في الخرطوم.. لا في واشنطن ولا في أبوظبي

Leave A Reply

Your email address will not be published.