من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب …… تحالف استراتيجي من أجل الغد: حين تلتقي الخبرة بالميدان لرسم مستقبل الجالية ( 2 من 2)

9

لمتابعة الجزء الأول….. اضغط هنا ….!

من عمق المشهد
د. ست البنات حسن أحمد
تحالف استراتيجي من أجل الغد: حين تلتقي الخبرة بالميدان لرسم مستقبل الجالية

تخوض الجالية السودانية في جمهورية مصر العربية اليوم واحدة من أدق مراحلها الوجودية والتنظيمية؛ مرحلة لم تعد تجدي معها المسكنات الوقتية أو مبادرات الإغاثة الفردية العابرة، بل تفرض انتقالاً حاسماً وجريئاً من منطق الاستجابة الإسعافية للطوارئ إلى اطر العمل الاستراتيجي المستدام .
فضاءات التخطيط الاستراتيجي المستدام.
وفي هذا التوقيت المفصلي، يكتسب تداعي طيفٍ واسع من منظمات المجتمع المدني الفاعلة فى مصر ، والشخصيات العامة المستقلة، والقامات الأكاديمية والحقوقية لتأسيس تحالف استراتيجي موحد، دلالة بالغة الأهمية. فالأمر لا يتعلق بإضافة كيان جديد إلى الساحة، بل بمحاولة جادة لصهر الطاقات الميدانية مع الثقل المدني والدبلوماسي، لبناء ظهير أهلي رشيد وموثوق يحمي مصالح ملايين السودانيين في أرض الكنانة ويعمل على توفير مظلة تنسيقية تجمع بين الخبرات الميدانية والشخصيات العامة للعمل كجسر تواصل فعال مع السفارة والدولة المضيفة ( تحالف مستقبل الجالية ).
أولاً: ضرورة السياق.. عبور فجوة الجهد المبعثر
لقد عانت الجهود الأهلية السودانية في مصر طويلاً من متلازمة “تشتت المبادرات” وتكرار المسارات، ما أدى في كثير من الأحيان إلى إهدار الموارد الشحيحة وتراجع الأثر التنموي في مواجهة أزمات متصاعدة بحجم أزمة النزوح واللجوء الأخيرة ..
وتنبع القوة الحقيقية لهذا التحالف من استيعابه الدقيق لطبيعة المرحلة؛ فهو لا يقدم نفسه بديلاً للأجسام الشعبية أو للمؤسسات الرسمية، بل يسعى ليكون “مظلة تنسيقية تكاملية”
يُسند المبادرات القاعدية والشبابية التي أثبتت كفاءة ميدانية استثنائية في أصعب الأوقات.
يستثمر رصيد الشخصيات العامة والدبلوماسيين السابقين كقنوات تفاوضية رصينة تمتلك لغة القانون والدبلوماسية والخبرات المتراكمة .
يمد جسور التنسيق والتعاون الوثيق مع المؤسسات الرسمية في الدولة المضيفة، والمنظمات التابعة للأمم المتحدة (كمفوضية اللاجئين ومنظمة الهجرة الدولية)، على قاعدة متينة من الشفافية واحترام السيادة الوطنية

.
ثانياً: أركان الاستراتيجية.. من الشعار إلى الفعل الميداني
إن القيمة التنفيذية لأي تحالف لا تُقاس ببلاغة بيانه التأسيسي، بل بوضوح أولوياته الإجرائية وقابليتها للتحقق على الأرض. وتأتي محاور عمل التحالف لتضع اليد على المعضلات اليومية التي تمس كرامة المواطن السوداني ومعاشه:
المسار القانوني والإداري (أولوية التقنين والأمان):
تأسيس مكاتب استشارية قانونية متخصصة ومجانية لنشر الوعي بضوابط الهجرة والإقامة في مصر، وتفكيك الإجراءات البيروقراطية أمام الأسر، ومكافحة عصابات التضليل وسمسرة الإقامات غير النظامية، بالتوازي مع التنسيق المؤسسي المستمر مع الجهات الأمنية والتنفيذية المصرية لتسهيل معاملات الوافدين وحمايتهم.
التعليم وبناء القدرات (الاستثمار في الإنسان):
التعليم هو المعركة المصيرية للأسرة السودانية اليوم ؛ لذا فإن أولوية إسناد المراكز والمدارس السودانية وتقنين أوضاعها وفق المعايير واللوائح المعتمدة تظل خط دفاع لا مساومة عليه لمنع تسرب الاطفال والشباب من التعليم . يواكب ذلك ايضا تدشين برامج تدريب مهني وتقني متقدم، تحول الفئات الشبابية من مجرد باحثين عن الإعانة إلى طاقات منتجة وكوادر مؤهلة تندمج بسلاسة في سوق العمل وتصبح القوة المحركة والساعد الاساسي للنهوض بمهام اعمار الوطن وبناء مستقبله غدا ،.
الحماية الاجتماعية والأمن الصحي:
بناء شبكات شراكة تعاضدية مع المستشفيات والمراكز العلاجية والجمعيات الخيرية المصرية، لتقديم الخدمات الطبية وتوفير الدواء للأمراض المزمنة بأسعار رمزية وميسرة، مع استحداث برامج احترافية للدعم النفسي والاجتماعي تسند الأسر والأطفال الذين خرجوا محملين بصدمات الحرب وجراح الفقد.

الدبلوماسية الشعبية والاندماج الحضاري:
إعادة تفعيل الدبلوماسية الثقافية والشعبية بين الشعبين الشقيقين، اللذين تجمعهما أواصر التاريخ ووحدة المصير الإنساني والجغرافي. إن إبراز الوجه المشرق للجالية، وإظهار مساهمتها الإنتاجية والإبداعية، والالتزام الصارم بقوانين وتقاليد المجتمع المصري الشقيق، هو السياج الحقيقي الذي يحصن الوجود السوداني ضد خطابات الكراهية أو محاولات التشويه العابرة.
ثالثاً: شروط الاستدامة.. درس التجارب السابقة
لكي لا يقع هذا التحالف الوليد في المصائد التي ابتلعت مشاريع ومبادرات وطنية سابقة، فإن ثمة محاذير وضمانات استراتيجية يجب تثبيتها كمعايير حاكمة:
التحصن ضد الاستقطاب السياسي: يجب أن يظل التحالف كياناً مدنياً وخدمياً وتنموياً عابراً للحزبيات والانتماءات الضيقة؛ فأوجاع المريض ورسوم الطالب وإقامة المقيم لا هوية سياسية لها، وأي محاولة لتجيير التحالف لمصالح فئوية ستكون رصاصة في قلبه.
الحوكمة المالية الصارمة والنزاهة: إرساء نظم تدقيق مالي وإداري شفافة ومستقلة لكل قرش يُجمع أو يُنفق؛ لترسيخ الثقة مع المانحين والداعمين ورجال الأعمال والمجتمع المستفيد.
المرونة والنزول إلى القواعد: الحذر من الوقوع في فخ “الاجتماعات النخبوية في الصالونات المكيفة”؛ فالنجاح يصنعه الحضور الحيوي في أحياء فيصل، والعشرين، وعين شمس، وأكتوبر، والإسكندرية، وأسوان، حيث يعيش الناس وتولد التحديات الحقيقية.
كلمة أخيرة.. في الميزان
إن ما يمر به السودانيون في مصر ليس مجرد إقامة عابرة في بلاد الجوار، بل هو اختبار لمدى نضجنا الجمعي وقدرتنا على إدارة أزماتنا بكفاءة وتحضر.
إن التحالفات الاستراتيجية لا تكتسب شرعيتها من أسماء موقعيها، بل بمقدار ما تمسحه من دمعة، وما تفتحه من نافذة أمل أمام طالب علم، وما تصونه من كرامة لمواطن قهرته الحرب وشردته الخطوب. وإذا تضافرت جسارة منظماتنا المدنية مع رصانة شخصياتنا العامة في نموذج عمل مخلص، فإن هذا التحالف لن يكون حائط صد للأزمات الحالية فحسب، بل سيكون اللبنة الأولى لنموذج وطني معافى، يُلهم الداخل ويعيد صياغة مفهوم التضامن والمسؤولية الوطنية ..

Leave A Reply

Your email address will not be published.