العودة ليست نهاية الرحلة.. تحديات السودانيين بعد الرجوع إلى منازلهم

8

 

د. ست البنات حسن
​بعد سنوات من النزوح والبحث عن الأمان بدأت بعض الأسر تعود إلى مناطقها ومنازلها حاملة معها آمالا كبيرة في استعادة الحياة التي توقفت بفعل الحرب لكن العودة إلى المكان لا تعني بالضرورة العودة إلى الحياة الطبيعية فالكثير من العائدين يجدون أنفسهم أمام واقع مختلف تتداخل فيه آثار الدمار مع نقص الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة
​من حلم العودة إلى مواجهة الواقع
​كانت العودة إلى المنزل بالنسبة إلى كثير من السودانيين حلما مؤجلا طوال فترة النزوح فبعد أشهر أو سنوات قضوها في مناطق أخرى أو في مخيمات النزوح أو خارج البلاد تبدو فكرة فتح باب المنزل من جديد وكأنها بداية صفحة جديدة
​لكن هذه اللحظة سرعان ما تتحول لدى البعض إلى مواجهة مع آثار الحرب منازل تعرضت للدمار أو أصبحت غير صالحة للسكن أحياء تغيرت ملامحها ومرافق عامة توقفت عن العمل ويجد العائد نفسه مضطرا إلى إعادة بناء حياته في بيئة تفتقر إلى كثير من مقومات الاستقرار
​الخدمات التحدي الأكبر
​من أبرز المشكلات التي تواجه العائدين نقص الخدمات الأساسية وفي مقدمتها المياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم
​فالعودة إلى منطقة سكنية لا تكون سهلة إذا لم تتوافر فيها مياه آمنة أو خدمات صحية قريبة بينما تمثل إعادة الأطفال إلى المدارس تحديا إضافيا للأسر التي فقدت مصدر دخلها أو تراكمت عليها أعباء المعيشة
​وفي بعض المناطق لا يتعلق الأمر بإعادة تشغيل الخدمات فقط بل بإعادة بناء البنية التحتية التي تضررت خلال الحرب وهذا يحتاج إلى موارد مالية وإلى جهود طويلة الأمد من السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية والمجتمع الدولي
​منازل مدمرة وذكريات مؤلمة
​يعود بعض السودانيين إلى منازلهم ليجدوا أن المكان الذي كان يمثل الأمان أصبح بحاجة إلى إصلاح شامل الجدران المتضررة الأثاث المفقود والممتلكات التي لم تعد موجودة كلها تفاصيل تجعل العودة تجربة نفسية صعبة
​كما أن آثار الحرب لا تتوقف عند الأضرار المادية فالكثير من العائدين يحملون ذكريات مؤلمة عن النزوح وفقدان الأقارب والأصدقاء والخوف الذي عاشوه خلال سنوات الصراع
​ولهذا فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على ترميم المباني والطرق بل يجب أن تشمل أيضا تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأسر ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن
​مصدر الدخل سؤال العودة الأصعب
​قد يجد العائد منزله لكنه لا يجد عمله
​فالحرب أثرت في الأسواق والمصانع والمزارع ووسائل النقل والأنشطة التجارية ما جعل استعادة مصادر الدخل واحدة من أكبر العقبات أمام الأسر العائدة
​وتحتاج هذه الأسر إلى فرص عمل ومشروعات صغيرة وقروض ميسرة ودعم للزراعة والتجارة المحلية حتى لا تتحول العودة إلى مرحلة جديدة من الفقر والاعتماد على المساعدات
​فالاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يستطيع الإنسان تأمين الطعام لأسرته وإرسال أطفاله إلى المدرسة والحصول على العلاج وتأمين دخل منتظم
​الأطفال أمام بداية جديدة
​الأطفال هم من أكثر الفئات تأثرا بتجربة النزوح والحرب بعضهم انقطع عن الدراسة لفترات طويلة وبعضهم عاش ظروفا قاسية أفقدته الشعور بالأمان والاستقرار
​وعند العودة تصبح إعادة الأطفال إلى التعليم أولوية لكنها ليست مهمة سهلة فقد تكون المدارس متضررة أو مغلقة وقد تعاني الأسر من عدم القدرة على تحمل تكاليف التعليم والنقل والاحتياجات المدرسية
​لذلك فإن إعادة فتح المدارس وحدها لا تكفي المطلوب هو توفير بيئة تعليمية آمنة ودعم الأطفال الذين فقدوا سنوات دراسية ومساعدتهم على استعادة الثقة والقدرة على الاندماج في الحياة الطبيعية
​العودة تحتاج إلى خطة طويلة الأمد
​إن عودة السودانيين إلى مناطقهم تمثل خطوة مهمة نحو التعافي لكنها تحتاج إلى خطة واضحة تضمن استدامتها فالعائدون لا يحتاجون فقط إلى مكان ينامون فيه وإنما إلى بيئة تمكنهم من بناء حياة مستقرة
​ويتطلب ذلك إعادة تأهيل المنازل والمرافق الصحية والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والطرق إلى جانب توفير فرص العمل ودعم الاقتصاد المحلي
​كما أن نجاح العودة يرتبط باستمرار الأمن فلا يمكن أن يشعر المواطن بالاستقرار إذا كان يخشى تجدد القتال أو عودة الاضطرابات إلى منطقته
​الأمل رغم كل شيء
​ورغم ضخامة التحديات تحمل عودة السودانيين إلى منازلهم رسالة أمل واضحة فبعد سنوات من الخوف والنزوح لا يزال كثيرون يتمسكون بفكرة العودة وإعادة بناء حياتهم
​إن السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الحجر وإنما إلى إعادة بناء الإنسان والثقة والمجتمع وكل منزل يتم ترميمه وكل مدرسة تعود إلى العمل وكل سوق يفتح أبوابه من جديد يمثل خطوة في طريق طويل نحو التعافي
​فالعودة ليست نهاية الرحلة بل ربما تكون بدايتها الحقيقية بداية رحلة أخرى عنوانها إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار وبناء مستقبل يستطيع فيه السودانيون العيش بأمان وكرامة
​ما بعد العودة من ترميم الحجر إلى صياغة العقد الاجتماعي الجديد
​إن الشروع في رحلة العودة إلى الديار كما أوضحت د ست البنات حسن يمثل الستار الذي يسدل على فصل مأساوي من النزوح ليفتح في الوقت ذاته الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدا وتحديا فإذا كانت الخطوات الأولى للعائدين تنصب على التفاصيل اليومية الضاغطة من تأمين المياه وشتات الأثاث إلى البحث عن مقعد دراسي فإن الأفق الأبعد للتعافي يتطلب النظرة إلى العودة بوصفها عملية إعادة بناء شاملة للمجتمع والدولة
​التحديات الهيكلية ومسارات الحلول
​لتحويل العودة من مجرد استقرار هش إلى تعاف مستدام تبرز أربعة محاور استراتيجية تشكل ركائز المقاربة الشاملة
​الأمن المستدام وحماية السلم الأهلي لا يكتمل الأمان الداخلي بوقف إطلاق النار فحسب بل بتطهير الأحياء السكنية من مخلفات الحرب غير المنفجرة وتفعيل أجهزة إنفاذ القانون لحماية الممتلكات وتأسيس لجان مصالحة مجتمعية لمنع النزاعات على الموارد الشحيحة
​التمكين الاقتصادي والإنعاش المبكر يتجاوز الحل تقديم المساعدات الطارئة إلى خلق اقتصاد التعافي عبر ضخ سيولة نقدية مباشرة للأسر وتوفير قروض متناهية الصغر للأنشطة التجارية الصغيرة ودعم مدخلات الإنتاج للقطاعين الزراعي والحرفي لبعث الأسواق المحلية
​عدالة الترميم وتنسيق الجهود تتطلب ضخامة الأضرار إنشاء آلية وطنية شفافة لإحصاء الخسائر وتنسيق تدفقات الدعم الإنساني والتنموي بين السلطات المحلية والمنظمات الدولية والجهود الذاتية للمواطنين لتجنب التمييز والتكرار
​إعادة بناء النسيج الاجتماعي والخدمات النفسية دمج برامج الدعم النفسي والاجتماعي ضمن مراكز الرعاية الصحية الأولية والمدارس لتمكين الأسر من تجاوز صدمات الحرب والتكيف مع الواقع الجديد
​واجب البناء والتعمير الشراكة مع الدولة في الولايات الآمنة
​إن تجاوز مرحلة النزوح لا يعتمد فقط على ما تقدمه الجهات الرسمية بل يتطلب استنفار الطاقة المجتمعية في نفير شامل للبناء والتعمير وتقتضي المسؤولية الوطنية اليوم وقوف المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني يدا بيد مع مؤسسات الدولة والأجهزة الحكومية في الولايات الآمنة والمستقرة لتسهيل وتسرع عملية إعادة الحياة إلى طبيعتها وتأهيل الخدمات وتنشيط عجلة الإنتاج اليومي فالتعافي لا يكتمل إلا عبر التكامل بين الجهد الشعبي والتخطيط الحكومي
​السودان الغني بالموارد استثمار الثروات المعطلة لأجل المستقبل
​إن الرصيد الحقيقي للتفاؤل بمستقبل السودان لا ينبع فقط من إرادة شعبه الصلبة بل من المقومات الضخمة التي يزخر بها هذا الوطن فالسودان بلد غني بمهول الموارد الطبيعية والمساحات الزراعية الخصبة والمياه العذبة والمعادن والموقع الاستراتيجي الفريد وهي ثروات طائلة لا يزال معظمها بكرا ولم يستغل بالشكل الأمثل بعد وإن الانطلاق نحو استغلال هذه الموارد وفق رؤية استثمارية وطنية حكيمة يمثل الضمانة الحقيقية لتحويل معاناة اليوم إلى نهضة اقتصادية كبرى تجعل من مرحلة الإعمار بداية لعصر يكتفي فيه الوطن ويفيض بالخير على أبنائه
​نحو عقد اجتماعي جديد
​إن الأزمة المعقدة التي تفرزها مرحلة ما بعد العودة تفرض معادلة جديدة الحجر وحده لا يبني وطنا والخدمات بلا أمان تبقى عاجزة العودة الحقيقية ليست مجرد استعادة لمسكن مفقود بل هي فرصة تاريخية لبناء عقد اجتماعي أكثر صلابة يستند إلى المواطنة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص
​إن كل بيت يعاد سقفه اليوم في أحياء السودان ومدنه ليس مجرد مأوى فردي بل هو حجر أساس في هيكل الدولة الناهضة من ركام النزاع ولتكون هذه العودة هي النهاية الفعلية لمأساة الحروب يجب أن تتضافر الإرادة الوطنية مع الدعم الدولي لتحويل آلام الماضي إلى مشروع متكامل للمستقبل مستقبل يدار فيه التنوع بكفاءة وتحاط فيه كرامة المواطن بضمانات لا تقبل الانكسار

Leave A Reply

Your email address will not be published.