كوداويات
✍️ محمد بلال كوداوي
لم تولد مشكلة السكن العشوائي في منطقة السليم من فراغ، ولم تكن نتيجة رغبة مواطنين في تجاوز القانون بقدر ما كانت نتيجة تراكمات طويلة من غياب التخطيط الواضح، وتداخل المصالح السياسية مع قضايا الأرض والسكان.
تقع القطعة جنوب سوق السليم على ضفاف النيل، يحدها جنوباً موقع وابورات مشروع السايم ومنطقة الكوة، وشرقاً قرية الكاسورة، وغرباً النيل. طبيعة الأرض رملية غير مستوية، تنتشر فيها القيزان الرملية، ما جعل استثمارها أمراً صعباً على مالكها الأول ميرغني من سكان مراغة، الذي لم يتمكن من تطويرها لضعف الإمكانيات.
لاحقاً انتقلت ملكية الأرض إلى هرون محمد سعيد، عضو المجلس التشريعي في عهد المؤتمر الوطني، من منطقة كابتود. حاول المالك الجديد تسوية الأرض باستخدام دوزر حكومي، إلا أن العملية انتهت بسقوط الدوزر في النيل أثناء دفع الرمال، ولم يتم إخراجه إلا بعد انحسار مياه النيل، في مشهد يعكس صعوبة طبيعة الموقع.
لكن القضية لم تكن في طبيعة الأرض فقط، بل في الطريقة التي تعاملت بها الدولة مع الواقع الذي نشأ حولها. فقد استقر عدد من أبناء النوبة في هذه المنطقة منذ عهد المالك الأول، ولم تتم معالجة وضعهم بصورة قانونية واضحة، حتى أصبح وجودهم أمراً واقعاً.
ومع مرور السنوات وتعاقب الانتخابات، كانت المنطقة تقع تحت تأثير نظام سياسي كان يسيطر على مفاصل الدولة آنذاك. وهنا بدأت المشكلة تأخذ منحى آخر، حيث تم تسجيل أسماء السكان بواسطة اللجان الشعبية بحجة الإقامة لأكثر من ثلاثة أشهر، فأصبح لهم سجل انتخابي واعتراف إداري، وتحول وجودهم من إقامة مؤقتة إلى مواطنة كاملة من الناحية العملية.
لقد أصبحت السياسة عاملاً أساسياً في تثبيت هذا الواقع؛ فبدلاً من وضع خطة عمرانية واضحة تحفظ حقوق الدولة وحقوق المواطنين، تم التعامل مع الملف بمنطق المكاسب الانتخابية، وكأن بناء القاعدة السياسية أهم من بناء المدن المنظمة.
ومع مرور الوقت زادت أعداد السكان، وشُيدت المنازل بالطوب المسلح، وافتُتحت المتاجر والمراكز الصحية، وأصبح أبناء هذه الأسر جزءاً من المجتمع المحلي. دخل أطفالهم مدارس الكاسورة، وتخرجت أجيال منهم، لكن التوسع السكاني أدى إلى ضغط كبير على الخدمات، خاصة المدارس التي أصبحت تعاني من اكتظاظ شديد وصل في بعض الفصول إلى أكثر من مئة تلميذ.
بدلاً من معالجة أصل المشكلة، ظهرت أصوات تطالب بإبعاد أبناء النوبة من المدارس والبحث لهم عن بدائل، وهو حل يعالج النتيجة ويتجاهل السبب. فالأطفال ليسوا طرفاً في أخطاء التخطيط والسياسات السابقة.
وعندما طالب السكان بإنشاء مدرسة في موقعهم، جاء الرد بالرفض بحجة أن الأرض مملوكة لشخص، وهنا يظهر التناقض الكبير: كيف سمحت الدولة بتكوين مجتمع كامل فوق هذه الأرض، وسجلت سكانه ومنحتهم حقوقاً انتخابية وخدمية، ثم عادت لتقول إن المكان غير صالح للخدمات؟
إن قضية السليم ليست مجرد قضية أرض أو مدرسة، بل هي نموذج لخلل أكبر في إدارة الدولة، عندما اختلطت المسؤولية السياسية بالمصالح الانتخابية، وعندما تم تأجيل الحلول القانونية حتى تحولت المشكلة الصغيرة إلى قضية اجتماعية معقدة.
الحل لا يكون بإنكار وجود الناس ولا بتجاهل حقوق المالك، وإنما بوضع معالجة عادلة تجمع بين احترام القانون، وحفظ حقوق المواطنين الذين استقروا لعقود، ووضع خطة عمرانية حقيقية تمنع تكرار مثل هذه الأزمات.
فالدولة التي تترك الفراغ ثم تأتي لاحقاً لمعاقبة من ملأه، إنما تعاقب نفسها قبل أن تعاقب مواطنيها
