من المحيط إلى الخليج: تشريح المشروع الإماراتي لاجتثاث الإسلاميين

8

 

 

بقلم: د. خالد حسين محمد

مقدمة

في زاويةٍ قصيّة من الخليج، تُدار واحدةٌ من أشرس المعارك السياسية في تاريخ المنطقة الحديث؛ معركةٌ لا تُخاض في ميادين المواجهة المكشوفة، بل في غرف القرار المغلقة، وعلى شاشات الفضائيات، وفي جيوب الجنرالات والسياسيين. إنّها الحرب الإماراتية الطويلة على الإسلام السياسي، التي تحوّلت في عهد محمد بن زايد من موقفٍ سياسي عابر إلى عقيدة دولة، ومن ملفٍّ أمني إلى مشروع إمبراطوري متكامل يمتدّ من الرباط إلى صنعاء، ومن طرابلس إلى الخرطوم. فكيف تحوّلت أبوظبي — التي كانت يوماً ملاذاً للإسلاميين — إلى أشرس خصومهم؟ وما الأدوات التي وظّفتها لإسقاطهم؟ وهل نجحت فعلاً في اقتلاعهم، أم أنّ المعركة لا تزال مفتوحة على كلّ الاحتمالات؟

بداية التحوّل

بدأ التحوّل الجوهري في الموقف الإماراتي من الإسلام السياسي مع تعيين محمد بن زايد نائباً لولي عهد أبوظبي عام 2003م. كانت الإمارات قبل ذلك التاريخ تفتح أبوابها لجماعة الإخوان وتستقطب كوادرها للعمل في التعليم والإعلام والقضاء، مما أكسب الجماعة نفوذاً امتدّ إلى داخل مؤسسات الدولة، حين بدأ محمد بن زايد ينظر إليهم باعتبارهم تهديداً وجودياً لاستقرار الدولة.

ومع انطلاقة الربيع العربي، اقتنع حكّام الإمارات بأنّ الإسلاميين القادرين على تحريك الشارع هم عدوّهم الوجودي الأول.

دوافع العداء الإماراتي للإسلاميين

ثمّة مجموعة من الدوافع وراء هذا التحوّل الإماراتي، ترسّخت بمقدرة الإخوان على تحريك الشارع العربي أثناء ثورات الربيع العربي التي اشتعلت مع نهايات عام 2010م وبدايات 2011م.

أولاً: ظهر الدافع الأول لهذا العداء الوجودي مع الإخوان في كون النموذج الإخواني القائم على الشرعية الانتخابية يهدّد شرعية النظام الوراثي في الإمارات؛ فهذا النموذج يطرح تساؤلات حرجة حول شرعية أنظمة الحكم الخليجية.

ثانياً: يطرح الإسلاميون بديلاً اقتصادياً يقلّل من الاعتماد على المنظومة الغربية، ويعيد توزيع الثروة داخل الدولة، مما يهدّد استثمارات أبوظبي.

ثالثاً: يتعارض طرح الإخوان الذي يتجاوز الدولة القُطرية، والقائم على تصوّر ديني ناظم للحياة العامة، مع النموذج الإماراتي الذي يقدّم دولة سلطوية حداثية واقتصاداً ليبرالياً وديناً محايداً سياسياً.

رابعاً: ومن أهمّ الدوافع لهذا العداء، ظهور تراجع في الدور المصري والسعودي في قيادة العالم الإسلامي، وهو الدور الذي أصبحت أبوظبي تتطلّع إليه، وخاصةً محمد بن زايد الذي يرى في نفسه ذلك الزعيم، ويرى أنّ الإخوان هم الجهة الوحيدة التي تحول بينه وبين تحقيق هذا الحلم.

اجتمعت كلّ هذه الدوافع في ذهن محمد بن زايد حتى تحوّل القضاء على الإخوان إلى هاجس شخصي سيطر على عقليته بصورة كاملة، وصل إلى حدّ إيقاف الدعم عن الطلاب الإماراتيين في بريطانيا خوفاً من التطرّف الإسلامي، وإصدار قرارٍ بفصل المعلمين ذوي التوجّه الإسلامي، وإعادة كتابة جميع المقرّرات الدراسية في الدولة بما يخدم هذا الغرض.

شبكة التحالفات الإقليمية والدولية

لمحاربة الإخوان واجتثاثهم أينما وُجدوا، كوّنت الإمارات تحالفات وشبكات إقليمية، وعلى رأس هؤلاء الحلفاء:

– إسرائيل: حيث تمّ تحالف استراتيجي أُعلن عام 2020م، شمل تنسيقاً استخباراتياً وأمنياً شاملاً.
– مصر السيسي: الحليف العسكري الذي لا يقلّ هوساً بالخوف من الإخوان عن ابن زايد.
– السعودية: التي كانت ضمن هذا الحلف حتى عام 2019م، ولم يتغيّر موقفها السلبي من الإخوان، ولكن تغيّر موقفها من التعامل مع أبوظبي.
– إدارة ترامب الأولى والثانية: التي مثّلت من أكبر حلفاء أبوظبي في عدائها للإخوان، وكان لها الدور الأكبر في توفير الغطاء القانوني الدولي لهذا العداء، بتصنيف جماعات الإخوان المسلمين في كلّ العالم منظماتٍ إرهابية.
– حلفاء إقليميون: ضمّ الحلف حفتر في ليبيا، وحميدتي في السودان، وقيس سعيّد في تونس، والسيسي في مصر.

أدوات الإمارات في حربها على الإسلاميين

استخدمت الإمارات مجموعة من الأدوات في حربها على الإخوان، أبرزها:

1. الأداة المالية

أنفقت الإمارات بسخاء، وكان التعامل عبارة عن شيك مفتوح لإسقاط الإسلاميين مهما كلّف الأمر:

– في الفترة من 2013م إلى 2015م أنفقت نحو 12 مليار دولار لتمويل انقلاب السيسي على مرسي.
– أنفقت نحو 400 مليون دولار لدعم العمليات الفرنسية ضدّ التوجّهات الإسلامية في الساحل والصحراء.
– دعمٌ اقتصادي كبير لتثبيت انقلاب قيس سعيّد على النهضة.
– مليارات الدولارات دعماً لحميدتي، ويمكن تصوّر ضخامة هذا الدعم من خلال أنّ الأسلحة التي غنمها الجيش في جبرة الشيخ فقط بولاية شمال كردفان تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، إضافة إلى مليارات الدولارات لدعم حفتر من تسليح ودفع رواتب المرتزقة.

2. الأداة العسكرية

تمثّلت في دعم الوكلاء المسلّحين، كالدعم السريع في السودان، وحفتر في ليبيا، والمجلس الانتقالي في اليمن الجنوبي، إضافة إلى القيام بعمليات نوعية مباشرة، كقصف الميليشيا في طرابلس عام 2014م، والطائرات المستمرّة الهبوط في نيالا بالسودان، فضلاً عن استخدام المرتزقة وحلفهم للقتال مع وكلائها، والتنسيق المباشر مع الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في ملاحقة كوادر الإسلاميين.

3. الأداة الدبلوماسية والقانونية الدولية

– إدراج أكثر من 80 منظمة إسلامية حول العالم على قائمة الإرهاب الإماراتية.
– الضغط على العواصم الغربية لتصنيف الإخوان منظمةً إرهابية.
– استضافة وحماية المعارضين للإخوان، كمحمد دحلان وأحمد شفيق وشخصيات من حركة تمرّد المصرية.

4. الأداة الإعلامية والأيديولوجية

يشمل ذلك:

– صناعة إسلام بديل عبر مؤسسات مثل مؤسسة طابة بقيادة الحبيب علي الجفري، ومنتدى تعزيز السلم برئاسة الشيخ عبد الله بن بيّه.
– توظيف الصوفية سياسياً لتفريغ الدين من مضمونه السياسي، وتكريس الطاعة، وترك السياسة للحكّام.
– مؤتمر غروزني الذي أخرج الوهابية والسلفية من دائرة أهل السنة.
– الحرب على المساجد الأوروبية، ورعاية خطابات تحريضية تدعو إلى مراقبة المساجد في أوروبا.
– إمبراطورية إعلامية تضمّ قنوات: سكاي نيوز عربية، والعين، والحدث، والاستحواذ الجزئي على منصّات إعلامية مصرية وأوروبية، إضافةً إلى إدارة شبكات من الذباب الإلكتروني هدفها الأساسي شيطنة الإخوان.

5. الأداة الناعمة المتمثّلة في “دولة التسامح”

تتبنّى الإمارات علامة تجارية دولية باعتبارها دولة التسامح والتعايش الديني، ومن ذلك:

– استضافة البابا فرنسيس عام 2019م، وتوقيع وثيقة الأخوّة الإنسانية.
– افتتاح “بيت العائلة الإبراهيمية” الذي يجمع مسجداً وكنيسة وكنيساً يهودياً.
– الترويج لهذا النموذج بوصفه بديلاً إيجابياً عن الإسلام السياسي.

ساحات المواجهة: من مصر إلى فلسطين

كان الدور الإماراتي عاملاً أساسياً في إسقاط كلّ النجاحات التي حقّقتها الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، ومن ذلك:

في مصر

قامت الإمارات بتحويل حركة “تمرّد” في مصر إلى أداة لمناهضة حكم مرسي تمهيداً للانقلاب عليه، ثم أطلقت حملة جمع التوقيعات ضدّه. وفي يوم الانقلاب في 3/7/2013م، وفّرت الإمارات رعاية دبلوماسية كاملة للانقلاب، وحملةً إعلامية غير مسبوقة استُخدمت فيها كلّ الحيل التصويرية لإبراز ضخامة الحشود المؤيّدة للانقلاب، كما قدّمت للانقلابيين دعماً يبلغ 12 مليار دولار. وبعد ذلك، تمّ نقل قيادات جهاز الأمن الوطني المصري للتدريب في أبوظبي.

في ليبيا

في عام 2014م كان الدعم لخليفة حفتر بالطائرات المسيّرة والدفاعات الجوّية والمرتزقة، ثمّ قصف المطار والميناء في طرابلس من قواعد مصرية، ثم كان الدعم الدبلوماسي والمالي لمنع مبادرة التسوية التي قد تعيد الإسلاميين إلى الحكم، ثمّ التمويل لعمليات نجل حفتر (صدّام) للسيطرة على شرق ليبيا وثرواتها.

في تونس

قُدّم الدعم المالي والدبلوماسي الفوري لإجراءات قيس سعيّد في 25/7/2021م، ثمّ كانت زيارة أنور قرقاش لتونس، وإعلانه أنّ الإمارات تتفهّم “القرارات التاريخية” للرئيس التونسي وتدعمها. كما جرى قطع أيّ دعم اقتصادي عن حكومات النهضة السابقة، وربط استئناف الدعم بإقصاء الإسلاميين، فضلاً عن استقبال قيادات من “نداء تونس” و”الدستوري الحرّ” في أبوظبي والاحتفاء بهم.

في اليمن

جرى استهداف حزب الإصلاح اليمني رغم كونه حليفاً رسمياً في التحالف ضدّ الحوثيين، ثم تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي ودعمه ضدّ الشرعية في اليمن، ومورست بعد ذلك اغتيالات ممنهجة لخطباء المساجد ورموز الإصلاح في عدن وحضرموت.

في السودان

كان للإمارات دور مباشر في إسقاط نظام البشير، والعمل على إدارة الانتقال بما عُرف بـ”الرباعية” التي ضمّت مصر وبريطانيا والسعودية وأمريكا. ثم كان دعم حميدتي ليكون الدعم السريع بديلاً للجيش السوداني، وأن يتولّى حميدتي قيادة السودان، ودعمه بالمال والسلاح بكافة أشكاله، والاستمرار في دعمه في الحرب بعد فشل الانقلاب الذي دُبّر مع حميدتي. وهي التي صاغت بيان الرباعية في سبتمبر 2025م الذي يشترط إبعاد الإسلاميين من مستقبل السودان.

في القضية الفلسطينية

كان التطبيع الشامل مع إسرائيل عبر “اتفاقيات إبراهيم” ضربةً استراتيجية لخيار المقاومة الإسلامية، ودعم محمد دحلان خياراً مطروحاً لخلافة محمود عباس. ثمّ كان الحصار الاقتصادي على غزة عبر اشتراط نزع سلاح حماس، ثمّ المشاركة في مشاريع “اليوم التالي” في غزة التي تُقصي حماس.

الضغط الإماراتي على الفريق البرهان

يأتي بعد ذلك الضغط الإماراتي على الفريق البرهان لإبعاد الإسلاميين، ويتمّ ذلك باستخدام أدوات ضغط مختلفة، منها:

أولاً: استمرار الدعم للدعم السريع وإمداده عسكرياً وبالمرتزقة بعد فشل الانقلاب. وبعد أن فشل حميدتي في هزيمة الجيش، أصبح استخدامه أداةً لخلق بيئة إنسانية سالبة، سواء عن طريق المسيّرات لاستهداف المدنيين، أو استهداف البنى التحتية والمرافق الخدمية كمحطات المياه ومحطات الكهرباء، أو خلق حالات نزوح، للضغط على البرهان للقبول بالتسوية التي أدناها إقصاء الإسلاميين.

ثانياً: الضغط الدولي المنسّق مع واشنطن لدفع البرهان إلى إصدار تصريحات صريحة واضحة ضدّ الحركة الإسلامية، ومن ذلك بيان الرباعية في سبتمبر 2025م، والتصنيف الأمريكي للإخوان في مارس 2026م، وكان نتاج ذلك تصريح البرهان الأخير بإقصاء المؤتمر الوطني.

ثالثاً: التلويح بالدعم بمليارات الدولارات لإعمار السودان بشرط إبعاد الإسلاميين.

رابعاً: تشغيل ماكينة إعلامية ضخمة، منها سكاي نيوز عربية والعربية والحدث، لتصوير الحركة الإسلامية باعتبارها السبب الحقيقي للحرب، وتبنّي رواية أنّ الجيش السوداني أداة الإسلاميين.

خامساً: يصاحب ذلك عروض شخصية وضمانات شخصية للبرهان وأسرته وكبار الجنرالات وعائلاتهم كترتيبات شخصية.

حصاد المشروع الإماراتي: نجاحات وإخفاقات

رغم الإنفاق الهائل على مستوى الوكلاء المباشرين، والإنفاق الدولي من المال الإماراتي السائب، سواءً كان بالاستثمارات الضخمة في الدول الغربية، وعلى رأسها أمريكا التي يبلغ حجم المال الإماراتي المستثمر فيها نحو 1.4 تريليون دولار، فضلاً عن المال الذي دخل جيوب المسؤولين دون استثناء، إلا أنّ ذلك لم يأتِ بنتائج تتوافق مع حجم هذا الدعم والنشاط.

فقد فشل مشروعها في تركيا بفشل الانقلاب على أردوغان عام 2016م، وفشلت في اليمن، فما زال حزب الإصلاح اليمني قوة رئيسية رغم محاولات إقصائه، وانتصارات الجيش في السودان قلبت الموازين والحسابات. وبعد أن كانت السعودية حليفاً، أصبحت تقود تحالفاً سعودياً–تركياً–مصرياً لتحجيم الدور الإماراتي. كما نجح السودان في فضح الإمارات وكشف تورّطها أمام الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن والجمعية العامة والكونغرس الأمريكي. ويتوّج كلّ ذلك صمود حماس رغم حرب عامين عليها في غزة، إذ لم تستطع إسرائيل تفكيكها.

خاتمة

في المحصّلة، لم يعد الدور الإماراتي في إقصاء الإسلاميين مجرّد سياسة خارجية تُدار بحسب المصالح الآنية، بل تحوّل إلى مشروع إمبراطوري متكامل يُشكّل الهوية العميقة للدولة الإماراتية في عهد محمد بن زايد، مسنوداً بشبكة تحالفات ممتدّة من واشنطن إلى تل أبيب مروراً بعواصم أوروبا، ومدعوماً بشيكٍ مفتوح من المال والسلاح والإعلام.

غير أنّ الحقيقة المؤلمة لأبوظبي أنّ كلّ هذا الإنفاق الهائل نجح — ولو مرحلياً — في إقصاء الإسلاميين من مقاعد السلطة في معظم الدول التي وصلوا إليها، لكنّه فشل فشلاً ذريعاً في اقتلاعهم من الوعي الشعبي والوجدان الجمعي للأمة. وبين الهزيمة السياسية والبقاء الاجتماعي تظلّ المعركة مفتوحة على كلّ الاحتمالات، ويبقى قرار البرهان الأخير مجرّد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات التي لم تُحسم بعد، ولن تُحسم بالمال وحده، ولا بالسلاح وحده، ولا بالإعلام وحده.

فالتاريخ يُعلّمنا أنّ الأفكار الراسخة في وجدان الشعوب لا تُهزم بالانقلابات، ولا تُشترى بالمليارات، ولا تُطمس بالفضائيات؛ وأنّ المعارك الكبرى في نهاية المطاف تُحسم في ميدانٍ واحد: وعي الأمة.

© جميع الحقوق محفوظة للكاتب

Leave A Reply

Your email address will not be published.