من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب ….. دبلوماسية التحول: من خنادق البقاء إلى ورش البناء
من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد
دبلوماسية التحول: من خنادق البقاء إلى ورش البناء
تسير الدول عبر منعطفاتها التاريخية في دروب محفوفة بالمخاطر، ولعل أقسى اللحظات وأكثرها تعقيداً هي تلك التي تضع الكيان الوطني في اختبار وجودي بين نار الحرب ورماد ما بعد الخراب. وفي قلب هذه التحولات العاصفة، لا يعود الدبلوماسي مجرد مبعوث بروتوكولي أو ناقلٍ للرسائل الرسمية؛ بل يتحول إلى خط دفاع أول ومحركٍ حاسم في هندسة مصير الأمة.
إن إدارة الصراعات الكبرى والانتقال منها إلى فضاءات الاستقرار تتطلب بالضرورة نوعين متباينين من العقول والقدرات؛ فالشخصية التي تخوض غمار الاشتباك تحت أزيز الرصاص تختلف في تكوينها ورؤيتها وأدواتها عن تلك التي يُناط بها استنهاض الحياة من بين الركام.
أولاً: سفير إدارة الأزمة.. القتال على جبهة السيادة
في عتمة الحرب المفروضة، يبرز “سفير مرحلة الصراع” كربّان يناور بسفينته وسط أمواج عاتية من الضبابية والتآمر وحروب الوكالة. في هذه المحطة الحرجة، تغيب رفاهية الوقت، وتضيق مساحات التأمل، لتتحول كل دقيقة إلى مكسب أو خسارة على رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية.
ويتجلى هذا النموذج بوضوح في طبيعة المهمة التي أُلقيت على عاتق سفير السودان في القاهرة، الفريق أول مهندس عماد الدين عدوي؛ حيث امتزجت الخلفية الاستراتيجية العسكرية بالحنكة الهندسية لإدارة أشد الملفات حساسية وتعقيداً. فسفير الحرب في محطة استراتيجية كالقاهرة ليس مجرد دبلوماسي، بل هو حارس للشرعية وحياض الدولة:
يخوض معارك سياسية شرسة لتأمين الغطاء الدبلوماسي وتثبيت عدالة قضية بلاده ومنع محاولات عزلها أو نزع شرعية مؤسساتها.
يفكك في أروقة العواصم والمنظمات شبكات التضليل والحرب النفسية التي تسعى لمساواة مؤسسات الدولة بالتمرد.
يصارع على خطوط الإسناد الإنساني لتنظيم المساعدات وتخفيف وطأة النزوح واللجوء عن كاهل ملايين السودانيين الذين تقطعت بهم السبل.
هو في جوهره جندي بزيّ دبلوماسي؛ قراراته حاسمة ولا تحتمل التردد، لأن الهفوة في ميزان الدبلوماسية الحربية لا تعني خسارة مقعد تفاوضي فحسب، بل قد تكلف الدولة سيادتها ووجودها.
ثانياً: سفير الإعمار.. مهندس المستقبل وشراكات البقاء
غير أن حتميات التاريخ تؤكد أن البنادق مهما طال دويّها مصيرها إلى الصمت، وحين ينجلي غبار المعارك، لا تنتهي المهمة الدبلوماسية بل تنقلب فلسفتها رأساً على عقب، ليفسح الميدان أمام “سفير مرحلة الإعمار”.
هنا، تتراجع عقلية درء المخاطر الآنية لتحل محلها عقلية مهندس التنمية وبناء الشراكات المستدامة:
التحول إلى مفاوض اقتصادي وتنموي: لم تعد الأولوية هنا إغلاق المنافذ أمام العدو، بل فتح الآفاق أمام المستثمرين، وحشد الصناديق التنموية، وتنسيق مؤتمرات المانحين وجذب الشركات الكبرى لإعادة إعمار ما دمرته الحرب في البنى التحتية—من شبكات كهرباء، ومياه، ومشروعات زراعية، ومستشفيات، وجامعات.
استعادة المكانة وتأهيل المؤسسات: تجاوز لغة الشكوى والاحتجاج إلى لغة الحوكمة وجلب الدعم الفني والتقني لإصلاح مؤسسات الدولة وترسيخ حكم القانون.
الدبلوماسية الناعمة وترميم الوجدان: مد الجسور الثقافية والمجتمعية لإعادة دمج البلاد في محيطها الإقليمي والدولي، وتجاوز عزلة ما بعد الحرب.
إن هذا التحول يشبه تماماً تجارب الأمم التي نهضت من رمادها؛ كألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية حين تحولت دبلوماسيتها من تأمين الهدنة إلى إدارة استحقاقات “مشروع مارشال”، أو فيتنام ورواندا في كيفية الانتقال السريع من منطق الثكنة إلى منطق السوق والاستثمار المشترك وبناء القوة الاقتصادية.
ثالثاً: حكمة التوقيت.. بين الحارس والبناء
إن الفارق الجوهري بين المرحلتين يكمن في البوصلة الحاكمة لكل منهما:
سفير الحرب: تحكمه سرعة الاستجابة، والتكتيك الميداني الحاسم، والقدرة على التحمل النفسي تحت الضغط العالي للدفاع عن “البقاء”.
سفير الإعمار: يحكمه الصبر الاستراتيجي، وبعد النظر التنموي، والقدرة على نسج التحالفات الاقتصادية الممتدة لضمان “الازدهار”.
إن نجاح الأمم في عبور محنها الكبرى يتوقف دائماً على بصيرة القيادة في إدراك متطلبات كل مرحلة؛ فالحرب تحتاج إلى من يمنع تصدع الجدران وانهيار السقف، ومرحلة السلام تحتاج إلى من يملك الرؤية لوضع حجر الأساس، وتشييد صروح المستقبل.
كلمة أخيرة..
إذا كان مقاتلو المعارك يكتبون بدمائهم حروف البقاء، فإن الدبلوماسية الواعية هي التي تترجم تلك التضحيات إلى مكاسب استراتيجية تحمي الأرض وتصون الكرامة. إن معركتنا الدبلوماسية اليوم معركة صمود وسيادة؛ وغداً، حين تضع الحرب أوزارها، ستكون معركة وجود من طراز آخر: كيف نحوّل التعاطف إلى استثمار، وركام الدمار إلى منصات للبناء والنهضة، لنخرج بالسودان نهائياً من نفق الأزمات إلى رحاب الدولة القوية والمستقرة.