التعدين التقليدي فى دنقلا …بين مكاسب الثروة ومخاطر البيئة
دنقلا بعد اندفاع الذهب… هل تستطيع الأرض أن تتحمل الثمن؟
(الجزء الثاني)
د. ست البنات حسن
إذا كان الذهب قد منح دنقلا حراكاً اقتصادياً لافتاً، فإن الوجه الآخر للصورة يفرض أسئلة أكثر عمقاً. فكل نشاط اقتصادي، مهما بلغت عوائده، لا يقاس بما يحققه اليوم من أرباح فقط، وإنما بما يتركه غداً من آثار على الإنسان والبيئة والاقتصاد.
ولعل هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مدينة دنقلا والولاية الشمالية بأكملها؛ إذ لم يعد السؤال: كم ينتج التعدين من الذهب؟ بل أصبح: ما هي التكلفة الحقيقية لهذا الإنتاج؟
فالبيئة هي أول من يدفع الثمن.
لقد أصبح استخدام الزئبق والسيانيد في بعض عمليات التعدين الأهلي من أكثر القضايا إثارة للقلق، ليس في السودان وحده، بل في معظم الدول التي ينتشر فيها التعدين التقليدي. وتكمن الخطورة في أن هذه المواد لا يقتصر أثرها على مواقع التعدين، بل يمكن أن تمتد عبر المياه الجوفية والسيول والرياح إلى الأراضي الزراعية والمراعي، لتصبح المشكلة بيئية وصحية في آن واحد.
وفي ولاية عُرفت عبر تاريخها بأنها سلة للتمور والمحاصيل الزراعية على ضفاف النيل، فإن أي تدهور في التربة أو المياه لا يمثل خسارة بيئية فحسب، بل يهدد أحد أهم مقومات الاقتصاد المحلي.
ولا تقف المخاطر عند البيئة.
فالعامل الذي يقضي ساعات طويلة في التعامل مع الزئبق أو يستنشق الأبخرة الناتجة عن عمليات المعالجة قد لا يشعر بالخطر اليوم، لكن الدراسات الطبية تشير إلى أن التعرض المزمن لهذه المواد يرتبط بأمراض الجهاز العصبي والكلى والجهاز التنفسي، فضلاً عن تأثيراتها المحتملة على الأطفال والنساء الحوامل في المجتمعات القريبة من مواقع التعدين. وقد دفعت هذه المخاطر العديد من المنظمات الدولية إلى الدعوة للحد من استخدام الزئبق في التعدين التقليدي واستبداله بتقنيات أكثر أماناً.
ومن زاوية أخرى، فرض التعدين الأهلي واقعاً اجتماعياً جديداً على بعض مناطق الولاية الشمالية. فقد استقطبت مناطق التعدين آلاف الباحثين عن الرزق من داخل الولاية وخارجها، وهو ما خلق تجمعات سكانية كبيرة في مناطق لم تُهيأ أصلاً لاستقبال هذا العدد من السكان.
ومع تزايد الكثافة السكانية، تظهر تحديات الخدمات الأساسية، من مياه الشرب والرعاية الصحية إلى الإسكان والنظافة، إضافة إلى ارتفاع الطلب على السلع والخدمات وازدياد الضغوط على البنية التحتية المحدودة.
ولا يمكن تجاهل أن هذه التحولات السريعة تفرض كذلك تحديات أمنية واجتماعية، إذ إن أي نشاط اقتصادي يجذب أعداداً كبيرة من السكان والسيولة المالية يحتاج إلى تنظيم ورقابة ومؤسسات قادرة على إدارة هذا النمو.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الدولة بدأت خلال الفترة الأخيرة في اتخاذ خطوات لتنظيم القطاع، من بينها افتتاح سوق الذهب بدنقلا، وتعزيز وجود بنك السودان في شراء الذهب مباشرة من المنتجين بأسعار منافسة، بهدف تقليل التهريب وإعادة حصائل الصادر إلى القنوات الرسمية. وتمثل هذه الإجراءات بداية مهمة، لكنها لن تحقق أهدافها كاملة ما لم يصاحبها تنظيم شامل لقطاع التعدين الأهلي، وتوسيع خدمات الإرشاد والتدريب، وتشجيع استخدام التقنيات الآمنة، وربط الإنتاج بالاقتصاد الرسمي.
لكن ربما تكون القضية الأهم هي كيفية الاستفادة من الذهب نفسه.
فمن غير المنطقي أن تنتج الولاية ثروة بهذا الحجم، ثم تبقى مناطق التعدين في حاجة إلى مزيد من الطرق، والمستشفيات، والمدارس، ومشروعات المياه.
إن التجارب الدولية الناجحة تؤكد أن الثروة المعدنية لا تتحول إلى تنمية تلقائياً، وإنما عندما يُعاد استثمار جزء من عائداتها في المجتمعات المنتجة لها. وعندها يشعر المواطن أن الذهب الذي يخرج من أرضه يعود إليه في صورة خدمات وفرص عمل وتنمية حقيقية.
وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية جديدة لا تنظر إلى الذهب باعتباره مورداً مالياً فحسب، وإنما باعتباره مدخلاً لبناء اقتصاد محلي أكثر تنوعاً. فدنقلا تستطيع أن تكون مركزاً للتعدين المنظم، ومركزاً لتجارة الذهب، وللخدمات الفنية، وللتدريب، وللصناعات المرتبطة بالمجال، بدلاً من أن تظل مجرد محطة يخرج منها الذهب الخام إلى خارج الولاية.
إن مستقبل التعدين الأهلي في دنقلا لن تحدده كمية الذهب المختزن تحت الرمال، وإنما ستحدده الكيفية التي تُدار بها هذه الثروة. فإذا نجحت السياسات في تنظيم القطاع، والحد من التهريب، وحماية البيئة، وإعادة استثمار العائدات في تنمية الإنسان والمكان، فإن الذهب سيكون نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر قوة واستدامة.
أما إذا استمر التعدين بعيداً عن التخطيط والرقابة، فإن الخسائر لن تقتصر على الموارد الطبيعية، بل ستمتد إلى الزراعة، والصحة، والبيئة، والاستقرار الاقتصادي، وهي خسائر قد يصعب تعويضها مهما ارتفعت أسعار الذهب.
لقد أثبتت دنقلا أنها مدينة قادرة على احتضان النشاط الاقتصادي واستقطاب الاستثمار، ويبقى التحدي الأكبر هو أن يتحول الذهب من قصة نجاح فردية يعيشها بعض الباحثين عن الرزق، إلى قصة نجاح جماعية تنعكس آثارها على كل مواطن، وتصبح جزءاً من مشروع تنموي يحقق التوازن بين استثمار الثروة، وحماية الإنسان، وصيانة الأرض للأجيال القادمة. نواصل
