تعليق الدكتور طارق الصادق على مقال: “الإنسان في الرؤية الإسلامية والتنمية الذاتية”للدكتور خالد لورد
من منظور مشروع نظام القرآن المعرفي وعلم الاجتماع الاستخلافي السنني
*أ. د طارق الصادق عبد السلام *
استاذ علم الاجتماع والتاصيل الاسلامي للعلوم
يعد هذا المقال من المقالات الجيدة التي تعيد توجيه النقاش حول التنمية الذاتية من مستواه الأداتي والمهاري إلى مستواه الفلسفي والمعرفي، إذ يلفت الانتباه إلى أن أي مشروع لبناء الإنسان لا يمكن أن يستقيم ما لم ينبن على تصور صحيح لطبيعته ووظيفته وغاية وجوده. كما يحسب للكاتب نجاحه في إعادة الاعتبار لمفهوم تزكية النفس بوصفه المفهوم المركزي في الرؤية الإسلامية، وفي نقده المتوازن لبعض المبالغات التي وقعت فيها مدارس التنمية الذاتية المعاصرة.
ومع أهمية هذه المعالجة، فإنها -من منظور مشروع نظام القرآن المعرفي وعلم الاجتماع الاستخلافي السنني- تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى الانتقال من مستوى العرض التربوي العام إلى مستوى التأسيس المعرفي والنظري.
فالتزكية في القرآن ليست قيمة أخلاقية مستقلة، وليست غاية في ذاتها، وإنما هي جزء من منظومة قرآنية متكاملة تبدأ بالتوحيد، وتؤسس للرؤية الكلية، ثم تحدد وظيفة الإنسان بالاستخلاف، وتحكم حركته بالسنن الإلهية، وتنتهي بتحقيق العمران الصالح. ومن ثم فإن التنمية الإنسانية في القرآن ليست مشروعًا لتحسين الأداء الفردي، وإنما مشروع لإعداد الإنسان المستخلف القادر على القيام برسالته في إصلاح الأرض وإقامة العدل وتحقيق الشهادة الحضارية.
ومن هنا يبرز عنصر محوري لم يتناوله المقال بالقدر الكافي، وهو السننية. فالقرآن لا يربط التغيير بمجرد الإرادة أو الرغبة أو التفكير الإيجابي، وإنما يربطه بالسنن الإلهية الثابتة التي تحكم النفس والمجتمع والتاريخ. فالآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ليست مجرد توجيه أخلاقي، وإنما قانون اجتماعي وسنة ربانية تحكم عمليات النهوض والانحطاط. ومن ثم فإن التنمية الحقيقية ليست صناعة نجاح فردي، وإنما هي الانسجام مع السنن الإلهية في بناء الإنسان والمجتمع.
كما أن مفهوم الاستخلاف في المقال جاء بوصفه وصفًا للإنسان، بينما يراه مشروعنا الوظيفة المركزية التي تنتظم جميع المفاهيم الأخرى. فالإنسان في القرآن عبد لله، ومكرم، ومبتلى، ومكلف، لكنه في الوقت نفسه مستخلف، أي مسؤول عن عمارة الأرض وفق منهج الله. ولذلك فإن كل عملية تنمية لا تؤهل الإنسان للقيام بوظيفته الاستخلافية تبقى تنمية جزئية مهما بلغت من النجاح.
ومن القضايا التي تستحق الإضافة كذلك أن التزكية لا ينبغي أن تُحصر في المجال الفردي، لأن القرآن يجعلها أساسًا لإصلاح المجتمع وبناء الحضارة. فالإنسان المزكى ليس غايته النجاة الفردية فحسب، وإنما الإسهام في إقامة مجتمع العدل والخير، ومن ثم الانتقال إلى العمران الراشد. ولهذا فإن العلاقة في الرؤية القرآنية ليست: تزكية ← نجاح، وإنما: تزكية ← إصلاح ← استخلاف ← عمران.
وفي هذا السياق، يجدر التنويه بأن مفهوم التزكية النفسية الإيمانية قد جرى تأصيله في إطار بحث علمي منذ عام 1995م ضمن مبحث الضبط الاجتماعي في الإسلام، حيث تم بيان أن الضبط الاجتماعي في الإسلام لا يقوم أساسًا على الرقابة الخارجية أو العقوبة القانونية، وإنما على بناء الضبط الذاتي من خلال التزكية الإيمانية التي تجعل رقابة الإنسان نابعة من إيمانه ومراقبته لله تعالى. وقد تطور هذا المفهوم لاحقًا ضمن مشروع نظام القرآن المعرفي ليصبح أحد المفاهيم المؤسسة في نظرية بناء الإنسان، باعتباره الحلقة التي تصل بين العقيدة والسلوك، وبين الفرد والمجتمع، وبين الإصلاح والعمران.
ومن ثم فإن مفهوم التزكية في المشروع لا يقف عند حدود التهذيب الأخلاقي أو التربية الروحية، وإنما يتحول إلى مفهوم معرفي وتفسيري يفسر كيفية انتقال الإنسان من مجرد كائن بيولوجي أو اجتماعي إلى إنسان مستخلف ينسجم مع السنن الإلهية ويسهم في صناعة الحضارة.
وقصارى القول أن المقال يمثل معالجة موفقة في إطار الفكر التربوي الإسلامي، إلا أن تطويره في ضوء النظام المعرفي القرآني يفتح أمامه آفاقًا أوسع؛ إذ تتحول التنمية من مشروع لتحسين الذات إلى مشروع قرآني شامل لبناء الإنسان المستخلف، القائم على التوحيد، والمحكوم بالسننية، والموجه نحو العمران الحضاري. وهذه النقلة المعرفية هي التي تمنح مفهوم التزكية عمقه الحقيقي، وتجعله جزءًا من نظرية قرآنية متكاملة في بناء الإنسان والمجتمع والحضارة.
