ما بعد العودة: من ترميم المنازل إلى صياغة عقد اجتماعي جديد 2
ما بعد العودة (2): من إعادة الإعمار إلى صياغة عقد اجتماعي جديد
د. ست البنات حسن
لا تُقاس العودة المستدامة بعدد الأسر التي وصلت إلى منازلها، ولا بعدد الجدران التي أُعيد تشييدها فحسب، وإنما بقدرة المجتمع والدولة على توفير الأسباب التي تحول دون نزوح جديد. فبعد تأمين المسكن والخدمات والتعليم وسبل العيش، تبرز أسئلة أكثر عمقًا: مَن يحمي العائدين؟ وكيف تُحسم نزاعات الملكية؟ وبأي معايير توزع موارد الإعمار؟ وما الضمانة ألا يعاد بناء الدولة بالاختلالات نفسها التي أسهمت في إنتاج الحرب؟
من هنا لا تعود العودة ملفًا إنسانيًا وخدميًا فقط، بل تصبح امتحانًا للعدالة والحكم وإدارة الموارد والعلاقة بين المواطن والدولة. وإذا كان الجزء الأول من هذه المقالة قد تناول شروط استعادة الحياة، فإن هذا الجزء يناقش شروط حماية تلك الحياة، وبناء دولة تجعل الاستقرار حقًا مستدامًا، لا هدنة مؤقتة بين موجتين من النزوح.
الأمن المستدام أبعد من توقف البنادق
يمثل توقف القتال شرطًا ضروريًا لعودة المواطنين، لكنه لا يمثل الأمن كله. فقد تتوقف أصوات المدافع، بينما تظل آثار الحرب ماثلة في الشوارع والمنازل والنفوس والمؤسسات. وقد يعود المواطن إلى منطقة لم تعد تشهد مواجهات عسكرية، لكنه يجد نفسه أمام انتشار السلاح، أو غياب الشرطة والقضاء، أو الألغام والذخائر غير المنفجرة، أو مخاطر الاعتداء والنهب وانتهاك الملكيات.
لذلك ينبغي توسيع مفهوم الأمن ليشمل الأمن اليومي الذي يلمسه المواطن في قدرته على الحركة والعمل وإرسال أطفاله إلى المدرسة، والوصول إلى السوق ومصدر المياه والمركز الصحي دون خوف. وهذا يتطلب إزالة مخلفات الحرب، وتأمين الطرق والأحياء والأسواق، وإعادة تشغيل الشرطة والنيابات والمحاكم، وحماية الملكيات العامة والخاصة، وضبط السلاح، ومنع تحوّل الجماعات المسلحة أو شبكات الجريمة إلى سلطات موازية للدولة.
كما أن الأمن المستدام لا يتحقق بالإجراءات الشرطية وحدها؛ إذ قد تنشأ توترات بين العائدين والمقيمين بسبب التنافس على الخدمات والموارد المحدودة، أو بسبب النزاعات المتعلقة بالمنازل والأراضي، أو نتيجة اتهامات متبادلة بشأن المواقف التي اتخذها الأفراد والجماعات خلال الحرب.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى لجان محلية للمصالحة والوساطة، تضم ممثلين حقيقيين عن الأحياء والعائدين والمقيمين والنساء والشباب والإدارات الأهلية والقانونيين. غير أن المصالحة ينبغي ألا تتحول إلى غطاء لإخفاء الجرائم أو إسقاط الحقوق أو مطالبة الضحايا بالنسيان القسري. فلا مصالحة مستدامة بلا حقيقة، ولا تعايش آمنًا بلا عدالة، ولا سلام أهليًا يقوم على دفن المظالم مع بقاء أسبابها.
عدالة الترميم: مَن يُعوَّض أولًا؟
لن تكون موارد إعادة الإعمار، مهما بلغت، كافية لمعالجة جميع الخسائر في وقت واحد. ولذلك فإن السؤال الصعب ليس فقط: كيف نعيد البناء؟ بل أيضًا: من نبدأ به؟ وعلى أي أساس؟ ومن يقرر الأولويات؟
إن غياب المعايير الواضحة قد يجعل الإعمار نفسه بابًا جديدًا للظلم والفساد والمحسوبية. فقد تحصل المناطق الأكثر نفوذًا وصوتًا على نصيب أكبر من الدعم، بينما تُترك المجتمعات الأشد تضررًا والأضعف تمثيلًا خارج دائرة الاهتمام. وقد تُرمم ممتلكات القادرين، في حين تعجز الأسر الفقيرة والأرامل وكبار السن وذوو الإعاقة عن إثبات خسائرهم أو الوصول إلى المؤسسات المسؤولة.
لهذا تتطلب عدالة الترميم إنشاء آليات وطنية ومحلية شفافة لحصر الأضرار وتصنيفها، ووضع معايير معلنة للأولوية تراعي حجم الضرر، ومستوى الاحتياج، وقدرة الأسرة على التعافي بمواردها الذاتية، وأعداد الأطفال والمعالين، ودرجة حرمان المنطقة من الخدمات قبل الحرب وبعدها.
ومن الضروري كذلك إنشاء مسارات ميسرة لتقديم الشكاوى والاعتراضات، مع إتاحة المساعدة القانونية لمن فقدوا وثائقهم أو عجزوا عن إثبات ملكياتهم بالطرق المعتادة. فالحرب لا تدمر المنازل وحدها؛ بل قد تدمر السجلات والوثائق والمكاتب الحكومية التي تحفظ الحقوق.
ويجب نشر بيانات التمويل والمشروعات ومراحل التنفيذ والجهات المنفذة، حتى لا تتحول إعادة الإعمار إلى سوق مغلقة تتوزع داخلها العقود والمنافع بعيدًا عن أعين المواطنين. فالشفافية هنا ليست ترفًا إداريًا، بل ضمانة لمنع إعادة إنتاج التهميش الذي أسهم أصلًا في إضعاف الثقة بالدولة.
النفير الوطني والشراكة مع الدولة
يمتلك المجتمع السوداني إرثًا عريقًا في النفير والتكافل وإغاثة المحتاج. وقد ظهرت هذه الروح بوضوح خلال الحرب، حين فتحت الأسر بيوتها للنازحين، وأنشأ الشباب غرف الطوارئ والمطابخ الجماعية، وتحملت المجتمعات المحلية أعباء تفوق إمكاناتها، وأسهم السودانيون في الخارج في دعم أسرهم ومناطقهم.
ويمكن لهذه الروح أن تصبح قوة حقيقية في مرحلة العودة؛ من خلال حملات تنظيف الأحياء وإزالة الأنقاض، وترميم المدارس والمراكز الصحية، وصيانة مصادر المياه، ومساعدة الأسر الأشد ضعفًا، وتنظيم المبادرات المجتمعية للصلح والدعم النفسي والتعليم التعويضي.
لكن تعظيم دور المجتمع لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء للدولة من مسؤولياتها. فالمواطنون يستطيعون ترميم فصل دراسي أو تنظيف شارع أو صيانة بئر، لكنهم لا يستطيعون وحدهم إعادة بناء شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والطرق الكبرى، ولا وضع القوانين وحماية الحقوق وتوفير الأمن وإدارة الموارد القومية.
ولهذا يجب أن تقوم الشراكة على توزيع واضح للمسؤوليات: تخطط الدولة وتنسق وتضع المعايير وتضمن العدالة، ويسهم المجتمع بالخبرة والمبادرة والرقابة والعمل التطوعي، ويدعم القطاع الخاص الإنتاج والتشغيل، ويشارك السودانيون في الخارج بالمعرفة والتمويل والخبرات، وتقدم المنظمات الدولية الدعم الفني والمالي وفق الأولويات الوطنية والمحلية الحقيقية.
ولا ينبغي أن تُترك عملية الإعمار لمشروعات متفرقة تحركها أجندات المانحين أو شهرة بعض المناطق وسهولة الوصول إليها. المطلوب خريطة وطنية موحدة للاحتياجات، تمنع تكرار المشروعات في منطقة واحدة، وتكشف المناطق التي لم يصل إليها الدعم، وتربط المساعدات العاجلة بخطط التنمية طويلة المدى.
السودان الغني: الموارد لا تعمر الوطن وحدها
يتكرر الحديث عن أن السودان بلد غني بأراضيه الزراعية ومياهه وثروته الحيوانية ومعادنه وموقعه الاستراتيجي. وهذه حقيقة من حيث وجود الموارد، لكنها لا تكفي وحدها لبناء الدولة أو تحقيق الرفاه.
لقد امتلك السودان هذه الثروات قبل الحرب، ومع ذلك ظل يعاني الفقر وضعف الخدمات والتفاوت بين الأقاليم والاعتماد على الاستيراد. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن دائمًا في ندرة الموارد، بل في طريقة إدارتها وتوزيع عائداتها، وفي ضعف المؤسسات والرقابة والتخطيط.
فالمورد الذي لا تحكمه مؤسسات رشيدة قد يتحول إلى سبب للصراع والفساد والتهريب، بدل أن يكون أداة للتنمية. وقد تصبح المناطق الغنية بالذهب أو النفط أو الأراضي الزراعية أكثر تعرضًا للنزاع والتهميش إذا استُخرجت ثرواتها دون أن تنال مجتمعاتها نصيبًا عادلًا من العائد والخدمات.
إن إعادة الإعمار لا تحتاج إلى استخراج المزيد من الموارد فحسب، بل إلى تغيير قواعد إدارتها. وهذا يقتضي الشفافية في العقود والإيرادات، ومحاربة التهريب والاحتكار، وتوجيه نسبة معتبرة من العائدات إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية والإنتاج، وضمان نصيب المجتمعات المحلية من موارد مناطقها.
كما ينبغي الحذر من تمويل الإعمار عبر اتفاقيات غامضة ترهن الموارد المستقبلية أو تمنح امتيازات طويلة الأجل مقابل حلول مالية عاجلة. فليس كل تمويل إعمارًا، وقد تتحول بعض صفقات ما بعد الحرب إلى باب جديد لاستنزاف الثروة والسيادة إذا لم تخضع للرقابة والمساءلة.
فالثروة الحقيقية ليست فيما تختزنه الأرض وحدها، بل في قدرة المجتمع والدولة على إدارة ما يملكانه، وتحويل الموارد إلى تعليم وصحة وعمل وأمن وحياة كريمة.
نحو عقد اجتماعي جديد
تكشف العودة عن سؤال أكبر من المنازل والخدمات: إلى أي دولة سيعود السودانيون؟ وهل نريد إعادة المجتمع إلى الأوضاع القديمة التي سبقت الحرب، أم نريد معالجة الاختلالات التي جعلت الحرب ممكنة أصلًا؟
إن إعادة بناء الدولة القديمة بعلاقاتها المختلة ومركزيتها المفرطة وتفاوتها التنموي وضعف مؤسساتها قد تعني إعادة إنتاج مقدمات الأزمة، حتى وإن تغيرت الوجوه والشعارات. فالإعمار الذي يعيد الطرق والمباني، ولا يعيد النظر في علاقة الدولة بالمواطن، قد يرمم مظاهر الخراب ويترك جذوره قائمة.
والعقد الاجتماعي الجديد ليس شعارًا سياسيًا، ولا وثيقة تكتبها النخب في العواصم ثم تطلب من المواطنين التصفيق لها، بل هو اتفاق عملي وأخلاقي يحدد الحقوق والواجبات وطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة.
إنه عقد تقوم بموجبه دولة تحمي حياة المواطن وملكيته وكرامته، وتطبق القانون على الجميع، وتوزع الخدمات والفرص بعدالة، وتخضع مؤسساتها للمساءلة؛ وفي المقابل يلتزم المواطن بالقانون، ويحفظ السلم العام، ويسهم في البناء، ويدافع عن المال العام، ويراقب أداء المؤسسات بالوسائل السلمية والمشروعة.
ويجب أن يقوم هذا العقد على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والاعتراف بالتنوع، والمشاركة المحلية في اتخاذ القرار، والعدالة في توزيع الموارد، وعدم استخدام مؤسسات الدولة لخدمة جماعة أو منطقة أو حزب.
كما ينبغي ألا يقتصر المشاركون في صياغته على القوى السياسية والنخب التقليدية. فالعائدون والنازحون واللاجئون والنساء والشباب وذوو الإعاقة وسكان المناطق التي تحملت أعباء الاستضافة، جميعهم أصحاب خبرة مباشرة في فشل الدولة وفي آثار الحرب، ولا يجوز صياغة مستقبلهم بعيدًا عنهم.
ولا يعني العقد الاجتماعي الجديد محو الاختلافات، بل وضع قواعد عادلة لإدارتها. فالمجتمعات لا تستقر لأنها أصبحت متطابقة، وإنما لأنها اتفقت على مؤسسات وقوانين تمنع تحويل الاختلاف إلى إقصاء، والتنافس إلى عنف، والسلطة إلى غنيمة
وخلاصة ذلك وإن العودة ليست لحظة وصول، بل مسار طويل يبدأ بالأمان ولا ينتهي عند ترميم المنزل. وهي لا تنجح إذا عاد الناس إلى مناطق بلا خدمات، أو إلى اقتصاد بلا عمل، أو إلى مجتمع بلا مصالحة، أو إلى دولة لم تتعلم من أسباب انهيارها.
كل بيت يعاد سقفه خطوة مهمة، لكن الوطن لا يقوم بالأسقف وحدها. وكل مدرسة تفتح بابها تعيد جزءًا من المستقبل، وكل مركز صحي يستأنف عمله يسترد بعضًا من ثقة المواطن، وكل سوق يعود إلى النشاط يمنح الأسر سببًا للبقاء.
غير أن الإنجاز الأكبر يتحقق حين تتحول العودة إلى فرصة لإعادة بناء العلاقة بين السوداني ودولته، وبين مكونات المجتمع بعضها مع بعض، على أساس الحقوق والواجبات والعدالة والمواطنة.
فإذا رممنا الحجر وأبقينا أسباب الحرب، نكون قد أعددنا المسرح لدورة جديدة من الخراب. وإذا أعدنا بناء مؤسسات الدولة دون تغيير قواعد إدارتها، فقد نعيد إنتاج الأزمة في صورة أخرى.
