العلماني العربي بين نقد الإسلام ونقد الذات حين تسبق القطيعةُ المعرفةَ: في الفرق بين نقد الإسلام والقطيعة معه
العلماني العربي بين نقد الإسلام ونقد الذات
حين تسبق القطيعةُ المعرفةَ: في الفرق بين نقد الإسلام والقطيعة معه
أد. طارق الصادق عبد السلام
أستاذ علم الاجتماع والتأصيل الإسلامي للعلوم
الجزء الأول: تفكيك الظاهرة (المفارقة النفسية، والقطيعة، والخلط المفاهيمي)
تبدو المقارنة بين العربي والغربي، في كثير من النقاشات الفكرية، مقارنة محفوفة بالمخاطر؛ لأنها سرعان ما تنزلق إلى تعميمات ثقافية من نوع: العربي أكثر تعصبًا، والغربي أكثر عقلانية، أو العكس. ليس المقصود هنا الدفاع عن الغربي لمجرد كونه غربيًا، ولا اتهام العربي لمجرد كونه عربيًا، كما لا يعني ذلك أن كل غربي متسامح أو أن كل علماني عربي متشنج؛ فهذه تعميمات لا تصمد أمام الفحص.
لكن ثمة مفارقة لا تخلو من الدلالة في بعض النقاشات التي تدور حول الإسلام في العالم العربي وخارجه: لماذا يبدو الحوار مع بعض الغربيين، ممن لا ينتمون أصلًا إلى الإسلام، أكثر هدوءًا وأقل تشنجًا من الحوار مع بعض العرب الذين ولدوا في أسر مسلمة، ونشأوا في مجتمعات إسلامية، ثم اختاروا العلمانية أو الإلحاد؟
والسؤال هنا لا يتناول «العربي» و«الغربي» في ذاتهما، وإنما يبحث عن الموقع الذي يقف منه الإنسان تجاه الفكرة التي يناقشها: هل يمكن أن يكون بعض العلمانيين والملحدين العرب أكثر شططًا في نقد الإسلام من نظرائهم الغربيين، لا لأنهم أكثر علمًا أو أقل ذكاءً، وإنما لأن القطيعة مع الإسلام سبقت المعرفة به، وربما سبقت كذلك المعرفة الدقيقة بالعلمانية والإلحاد نفسيهما؟ إنها محاولة لفهم ظاهرة يمكن ملاحظتها في بعض الخطابات العربية المعاصرة: أن يتحول رفض الإسلام إلى موقف هوياتي قبل أن يتحول إلى موقف معرفي؛ وهنا يصبح السؤال أكبر من الإسلام والعلمانية معًا، إنه سؤال عن كيفية تَشكُّل المواقف الفكرية أصلًا.
من أين جاءت الحكاية والمفارقة؟ تداولت بعض المواقع العربية رواية منسوبة إلى حوار بين الإعلامي أحمد منصور والداعية الأمريكي السابق يوسف إستس، يذكر فيها إستس أنه وجد ــ بحسب الرواية المتداولة ــ أن بعض العرب الذين ناقشهم بعد دخولهم الإسلام كانوا أكثر انشغالًا باعتراضات وتفاصيل طويلة، بينما كان بعض الغربيين أكثر استعدادًا لمناقشة الإسلام من زاوية تاريخية ومعرفية. بصرف النظر عن ثبوت الرواية أو العثور على تسجيلها الأصلي، فإن المفارقة التي تثيرها تستحق النقاش: كيف يمكن لإنسان نشأ في بيئة إسلامية، وولد في أسرة مسلمة، وتشكلت لغته وذاكرته ومفاهيمه الاجتماعية داخل الثقافة الإسلامية، أن يدخل في موقف عدائي من الإسلام، بينما يستطيع إنسان غربي لم يولد مسلمًا أن ينظر إليه بدرجة أكبر من المسافة والهدوء؟
قد يكمن التفسير في المسافة المعرفية والنفسية عن موضوع النقاش: فالغربي غير المسلم لا يخوض بالضرورة صراعًا مع «ذاته الإسلامية». فالإسلام ليس جزءًا من طفولته، ولا دين أسرته، ولا ذاكرته الأولى. ولهذا ينظر إليه بوصفه موضوعًا معرفيًا خارجيًا للبحث؛ فيسأل: ما القرآن؟ ومن محمد؟ وكيف تشكل المجتمع الإسلامي؟ وما طبيعة التشريع؟ وكيف يفهم المسلمون الوحي؟ ثم يبدأ بعد ذلك في القبول أو الرفض. وهنا يكون الحوار أيسر، ليس لأن الغربي أكثر عقلانية بالضرورة، بل لأن المسألة لا تحمل في ذهنه العبء النفسي والهوياتي ذاته.
أما العربي المسلم بالميلاد الذي تحول إلى الإلحاد أو العلمانية، فالإسلام بالنسبة إليه ليس مجرد نظرية فلسفية مجردة مكتوبة في كتاب؛ إنه لغة أسرته، وذاكرة طفولته، وأسماء والديه وأجداده، ومناسبات حياته، ومفردات مجتمعه، وعاداته، وتصوراته عن الخير والشر، والحلال والحرام، والموت والحياة. لذلك، فهو حين يختار العلمانية أو الإلحاد، لا يواجه منظومة معرفية فحسب، بل يخوض في بعض الحالات معركة مركبة: مع الدين الذي نشأ عليه، ومع المجتمع الذي يمثله، ومع الأسرة التي ارتبط بها، ومع السلطة الدينية، ومع التاريخ الذي يشعر أنه يقيّده، ومع صورته السابقة عن نفسه. ومن هنا يصبح السؤال أكثر حساسية وعمقًا: هل هو ينقد الإسلام الذي درسه أم الإسلام الذي عاشه؟ وهل ينقد النص، أم تفسير الأسرة والمجتمع، أم المؤسسة الدينية، أم السلطة السياسية التي رفعت شعارات دينية، أم تجاربه الشخصية الصادمة التي ارتبطت في ذهنه بالدين؟ فالإنسان قد يرفض شيئًا عانى منه، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان يرفض صورته الخاصة عنه لا حقيقة الشيء في صورته الكاملة.
من نقد الإسلام إلى القطيعة معه هناك فرق كبير بين أن ينقد الإنسان دينًا، وأن يدخل في خصومة معه. النقد الحقيقي يفترض أن موضوعه قد دُرس، وأن مفاهيمه فُهمت، ومصادره عُرفت، وأطروحاته عُرضت بأفضل صورة ممكنة كما يفهمها أصحابها قبل الاعتراض عليها، لا كما نحتاج نحن إلى تصويرها ليسهل إسقاطها. أما القطيعة فقد تبدأ من تجربة شخصية، أو صدمة اجتماعية، أو معاناة من سلطة أسرية أو استبداد سياسي رُفعت فيه شعارات دينية، ثم تتحول بعد ذلك إلى موقف شامل ورفض جارف للدين نفسه. وهنا يحدث الانقلاب المعرفي الخطير: بدل أن تكون المعرفة مقدمة للنقد، يصبح النقد مقدمة للمعرفة؛ فيبدأ الإنسان بالرفض، ثم ينطلق في البحث الانتقائي عن الأدلة والشواهد التي تبرر وتؤكد رفضه المسبق. وهذه ليست مشكلة إسلامية خاصة، بل هي علة معرفية يقع فيها المتدين والملحد والعلماني على السواء حين يختزل أحدهم الحقيقة في دائرته الضيقة؛ غير أنها تصبح أكثر تعقيدًا وتشنجًا حين ينشأ الإنسان داخل البيئة التي يخاصمها.
المفارقة الأكبر: العلمانية نفسها قد لا تكون مفهومة هنا نصل إلى طبقة أخرى من الإشكال؛ إذ يعلن الشخص أحيانًا: «أنا علماني»، دون أن يحسم ما يعنيه تحديدًا بهذا الشعار: هل يقصد فصل المؤسسات الدينية عن الدولة؟ أم حياد الدولة تجاه الأديان؟ أم تنظيم المجال العام بحيث لا تتحول عقيدة جماعة إلى سلطة قسرية على الجميع؟ أم العلمانية الفرنسية الشاملة (اللاكيكية)؟ أم النموذج الليبرالي التعددي؟ أم حظر الدين وإلغاءه تمامًا من الفضاء العام؟ أم يقصد الإلحاد ورفض الإسلام تحديدًا؟
فالدراسات الفلسفية والسياسية المقارنة تؤكد أن العلمانية ترتيب سياسي لتنظيم العلاقة بين سلطة الدولة والمؤسسة الدينية والمجال العام، وليست مرادفًا للإلحاد أو النزعة غير الدينية؛ فالإلحاد موقف عقدي وجودي من مسألة وجود الله. وقد يكون الإنسان علمانيًا دون أن يكون ملحدًا، أو ملحدًا دون أن يمتلك نظرية علمانية متماسكة، أو متدينًا يرى مصلحة في استقلال مؤسسات الدولة. بل إن العلمانية ليست نموذجًا غربيًا واحدًا، والدراسات تشير إلى أن نشأتها في العالم العربي تأثرت بسياقات سياسية وصراعات محلية حالت دون حسم مقدماتها الفكرية بدقة. والمشكلة تكمن حين تتحول العلمانية من أطروحة فكرية تحتاج إلى براهين وأدلة إلى “هوية اجتماعية مغلقة”؛ فيصبح إعلان «أنا علماني» كافيًا في ظن صاحبه لمنحه صك «العقلانية والتقدم»، تمامًا كما يظن المتشدد أن مجرد رفعه لافتة «إسلامي» يمنحه صك امتلاك «الحق المطلق». والهوية في الحالتين ليست برهانًا، بل دعوى تحتاج إلى إثبات.
من المثال التاريخي إلى المغالطة المعرفية (شبهة زواج عائشة رضي الله عنها) يتجسد هذا الشطط جليًا في استدعاء الوقائع التاريخية لمحاكمة الإسلام؛ مثل زواج النبي ﷺ من السيدة عائشة رضي الله عنها. إن المسألة هنا لا تعني إغلاق باب النقاش، ولا مطالبة الإنسان المعاصر بإلغاء حسه الأخلاقي؛ بل تقتضي التمييز المنهجي الصارم بين مسارين:
1. سؤال معرفي تاريخي سوسيولوجي: كيف ندرك الواقعة في سياقها التاريخي والقانوني والاجتماعي وأعراف الزواج التي سادت المجتمعات الإنسانية القديمة في شتى الحضارات؟
2. حكم إسقاطي مسبق: الانطلاق من قرار جازم بأن الواقعة خطأ وفق المفاهيم الحديثة، واعتبار هذا الحكم كافيًا لرفض دراسة السياق التاريخي أصلًا. فالأول بحث علمي يتوخى الفهم، والثاني قفز إبستمولوجي يجعل النتيجة سابقة على الفحص. والمشكلة لم تكن يومًا في طرح السؤال الصعب، بل في الهروب إلى الإجابات السطحية والجاهزة.
لماذا يبدو الحوار مع الملحد الصريح أيسر؟ وعقدة “المتأسلم” قد يكون الحوار مع الخصم الفكري الصريح أسهل؛ فالملحد الصريح ينطلق من نقطة واضحة: «أنا لا أؤمن بوجود إله»، والعلماني الواعي يقول: «أتبنى صيغة محددة لتنظيم الفضاء العام»؛ فتناقش مقدماتهم ونتائجهم. أما من يخلط بين الإلحاد والعلمانية، وبين نقد سلوك المسلمين ونقد نصوص القرآن، وبين أزمته النفسية الخاصة والدين بأكمله، فإن النقاش معه يتعثر لغياب الموضوعية والحدود المفاهيمية.
والإنصاف يقتضي توجيه النقد ذاته إلى «المتأسلم الأيديولوجي» في الضفة المقابلة؛ وهو الذي يجعل تصوره الحزبي أو سلوكه الشخصي مرادفًا للإسلام نفسه. فكلاهما وقع في نفس الخلل المعرفي القاتل:
• العلماني المؤدلج يقول: أنا أرفض الإسلام لأنني رأيت في تصرفات بعض المسلمين وتاريخهم كذا وكذا.
• والمتأسلم المؤدلج يقول: أنا لسان الإسلام وضميره، ونقد موقفي أو جماعتي نقدٌ للدين ذاته. كلاهما أهدر المسافة الضرورية بين الأصل الإلهي المطلق وتمثله البشري النسبي: بين الدين وفهم الدين، والنص وتفسير النص، والوحي والتاريخ، والرسالة وتصرفات المتدينين.
الجزء الثاني: المعالجة السننية (من التفسير النفسي إلى النظام المعرفي القرآني والاجتماع الاستخلافي)
إن كان الغرب قد أنتج مدارس استشراقية رصينة، وتيارات دينية وفلسفية عميقة في فهم الإسلام، فإنه أنتج كذلك تيارات إلحادية راديكالية وموجات علمانية متشنجة. لذا، فإن السؤال الحقيقي ليس مقارنة عرقية أو جغرافية بين عربي وغربي، بل هو فحص للبنية المعرفية؛ أي الانتقال من الجغرافيا إلى الإبستمولوجيا.
مدخل النظام المعرفي القرآني:
إدراك العلاقات لا تراكم المعلومات هنا يتصل الموضوع بجوهر مشروعنا في النظام المعرفي القرآني. فالقرآن الكريم لا يقيم المعرفة على الفصل الميكانيكي بين العقل والغاية والقيمة والعمل؛ والمعرفة في الرؤية القرآنية ليست ركامًا كميًا من المعلومات المحفوظة، بل هي نسق حيّ يرسم موقع الإنسان المستخلف في صلته بربه، ونفسه، والكون، والمجتمع، والعمران.
ولهذا، فإن أزمة الموقف الحاد من الإسلام لا تُعزى دومًا إلى الفقر في المعلومات. فقد يحفظ الناقد نصوصًا، ويعرف وقائع تشريعية، ويستحضر شواهد من التاريخ؛ لكنه يدرجها قسرًا داخل بنية عقلية مسبقة، تجعل كل معلومة تدور في فلك تأكيد القطيعة وتبرير الرفض. المعلومات المنفصلة لا تبني وعيًا لمجرد تجاورها؛ بل تتشكل المعرفة عندما تنتظم تلك الحقائق داخل شبكة متكاملة من المفاهيم والسياقات.
يقوم النظام المعرفي القرآني على رؤية كلية ناظمة، تنتظم في متوالية إبستمولوجية مترابطة:
فرضية سننية سوسيولوجية: كلما قامت التنشئة الدينية على التلقين السكوني، وتغييب الحس النقدي، ومصادرة التساؤلات المشروعة، ثم تعرّض الفرد لخطاب حداثي أو علماني أو إلحادي ناقد؛ تعاظمت احتمالية تحول أزمته النفسية مع أنماط التدين الاجتماعي إلى قطيعة كلية وجارفة مع أصل الدين ذاته؛ لا لرسوخه في معرفة الدين ولا لاكتمال تصوره عن العلمانية، بل لعجز بنيته المعرفية الهشة عن التمييز بين قداسة الوحي وتاريخية التطبيق البشريوحين تهجم “القطيعة التي تسبق المعرفة”، فإنها تقطع هذه الحلقات عند بداياتها؛ فتفرغ أدوات التفكير من غايات الهداية والإصلاح، وتحول المعرفة إلى مجرد ترسانة سجالية لإثبات ما عُزم عليه مسبقًا.
علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني:
البحث في السنن لا محاكمة الأشخاص هنا ينتقل التحليل خطوة أوسع نحو الفضاء السوسيولوجي. فالمواقف الدينية، والخيارات العلمانية، والنزعات الإلحادية، ليست أفكارًا طائرة في فراغ مجرد؛ إنها نتاج مسارات واقعية تنصهر داخل الأسرة، والمدرسة، وشبكات السلطة، وأجهزة الإعلام، والجامعة، ومحيط التنشئة الاجتماعية. وهذا هو الميدان الحي لـ علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني؛ إذ يتجاوز الانفعال اللحظي والمحاكمات الفردية إلى تفكيك الشروط الاجتماعية المنتجة لتلك الخيارات:
• فبدل أن نقف عند: «لماذا ألحد فلان؟»؛ نسأل: ما البنية الاجتماعية والمعرفية والتنشئة التي أفرزت هذا النمط من الإلحاد؟
• وبدل أن نسأل: «لماذا تعلْمن فلان؟»؛ نبحث: أي صورة منفرة عن الدين، وأي تصور للمجتمع والإنسان والسلطة، قادته إلى هذا الخيار؟
• وبدل الاكتفاء بعبارة: «هذا الشخص يكره الدين»؛ نحلل المسار التراكمي الذي حول الخلاف الفكري إلى صدام هوياتي واغتراب نفسي.
إن المنهج الاستخلافي يرتكز على أن استيعاب السنن الحاكمة أهم من استعجال الأحكام وتوزيع الإدانات. ومن هذا المنطلق، يمكن صياغة فرضية سوسيولوجية مركبة قابلة للاختبار:
فرضية سننية سوسيولوجية:
كلما قامت التنشئة الدينية على التلقين السكوني، وتغييب الحس النقدي، ومصادرة التساؤلات المشروعة، ثم تعرّض الفرد لخطاب حداثي أو علماني أو إلحادي ناقد؛ تعاظمت احتمالية تحول أزمته النفسية مع أنماط التدين الاجتماعي إلى قطيعة كلية وجارفة مع أصل الدين ذاته؛ لا لرسوخه في معرفة الدين ولا لاكتمال تصوره عن العلمانية، بل لعجز بنيته المعرفية الهشة عن التمييز بين قداسة الوحي وتاريخية التطبيق البشري.
معيار معرفي واحد ونزيه للجميع حتى يكتمل الإنصاف وتتحقق العدالة العلمية، يتعين إخضاع كافة المواقف لمنهاج معرفي صارم:• للعلماني: هل درست العلمانية في أصولها الفلسفية ونماذجها المتعددة ومشكلاتها التاريخية قبل أن تتخذها مسطرة للحكم على الدين وحضارته؟
• وللملحد: هل درست الإسلام دراسة علمية نزيهة في مصادره الأصلية، أم تكتفي بمخاصمة تمثلاته المشوهة في واقعك وتجاربك الشخصية؟
• وللمتدين والداعية: هل تدرك حقيقة الإسلام بوصفه وحيًا وهداية، أم تختزله في موروثك الاجتماعي الضيق؟ وهل تسعى أولًا لفهم الأرضية النفسية والمعرفية التي انطلق منها المخالف، أم تحاصره بإلصاق التهم والتبديع؟
• وللباحث والمفكر: هل قصدت وجه الحقيقة أينما لاحت أدلتها، أم انشغلت بجمع الذرائع التي ترضي انحيازاتك السابقة؟
الخلاصة ليست القضية صراعًا جغرافيًا بين شرق وغرب، ولا مباهاة عرقية بين عربي وأعجمي. إن جوهر المسألة يتلخص في سؤال إبستمولوجي مفصلي: هل سبقت المعرفةُ الموقفَ، أم سبق الموقفُ المعرفة؟
وحين تسبق القطيعة المعرفة، لا يعود العقل يبحث عن الفهم، بل عن تبرير أحكامه؛ ويصبح الشطط حاضرًا حين تُقدَّم الهوية كبرهان، والقطيعة كعلم، والخصومة كمنهج. وهنا يفتح علم الاجتماع الاستخلافي والنظام المعرفي القرآني الطريق لاستعادة اتزان الرؤية الإنسانية؛ إذ يوجه العقل ألا يبدأ متشنجًا بسؤال: «ماذا أرفض؟»، بل متثبتًا بسؤال: «ماذا أعرف؟ وكيف عرفت؟ وما النظام المعرفي الذي جعلني أرى الأشياء على هذا النحو؟». فمن تحرير المعرفة يبدأ الحوار الراشد، ومنه ينطلق العمل الصالح الذي يعمر الأرض ويزكي الإنسان.
