
محمد بلال كوداوي
يا رجال الحكم… يا ملح البلد، من يصلح الملح إذا الملح فسد![✍️]()
لم تعد المصيبة في السودان اليوم هي الحرب وحدها، فالحروب مهما طال أمدها تنتهي يوماً، ولكن الكارثة الحقيقية هي ما تتركه من انهيار في القيم، وضعف في مؤسسات الدولة، وتراجع مخيف في هيبة القانون. قبل الحرب كان الفساد يعمل في الخفاء، يتوارى خلف المكاتب والقرارات والتوقيعات، أما اليوم فقد خرج إلى الشوارع والأسواق، وأصبح يمارس جهاراً نهاراً، حتى أصبح المواطن يرى آثار مأساته تُباع أمام عينيه. وصلني تسجيل صوتي من مواطن سوداني محترم عرفته من حديثه أنه صاحب خلق وضمير. يملك منزلاً في الكلاكلة، وكحال آلاف السودانيين، تعرض منزله للنهب بعد أن تركت الحرب خلفها مدناً بلا حماية ومواطنين مشردين يبحثون عن الأمان. عاد الرجل بعد استقرار الأوضاع في الخرطوم، لا ليبحث عن رفاهية، بل ليعيد بناء ما تهدم. بدأ بترميم منزله، وكانت أولى خطوات العودة هي إعادة الكهرباء. ذهب إلى شركة الكهرباء، فطُلب منه شراء بعض المستلزمات: كيبل كهرباء، طبلون، وعداد كهرباء (شاشة). قال لهم: لا مشكلة في الكيبل والطبلون، فهي موجودة في الأسواق، لكن العداد جهاز رسمي لا يُصرف إلا عبر الشركة وبثمن باهظ ويتم تركيبه وبرمجته بواسطة المختصين. وهنا جاءت الصدمة التي تكشف حجم المأساة. قيل له: لا توجد عدادات متوفرة لدينا، اذهب واشترِ العداد من سوق المسروقات المعروف بـ(سوق دقلو) في مايو أو الوحدة، ونحن نقوم باعادة برمجته لك! أي عقل يمكن أن يستوعب هذا المشهد؟ مواطن سُرق منزله، ثم يُطلب منه أن يشتري ما سُرق منه من سوق معروف، ثم يعود إلى المؤسسة المسؤولة نفسها لتقوم بإعادة تشغيله! إنها ليست حادثة عابرة، وليست مجرد تقصير إداري. إنها صورة مصغرة لانهيار منظومة كاملة. السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الدولة تعرف أماكن بيع المسروقات، فلماذا لا تغلقها؟ إذا كانت الأجهزة تعلم أن هذه الأسواق تجمع ممتلكات المواطنين المنهوبة، فلماذا لا تتم مداهمتها ومحاسبة المتورطين؟ وإذا كان المواطن يعرف مكان المسروق أكثر من الجهات الرسمية، فأين هيبة الدولة؟ يا حكومة السودان… يا اللجنة الأمنية… يا الأجهزة العدلية… يا والي الخرطوم… المواطن السوداني لا يريد خطباً ولا بيانات، يريد فعلاً حقيقياً يعيد له إحساسه بأن هناك دولة تقف بجانبه. لقد خسر الناس منازلهم وأموالهم وذكرياتهم بسبب الحرب، فتحملوا وصبروا ومازالوا صابرين فلا تجعلوهم يخسرون أيضاً ثقتهم في الوطن. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس أن تُسرق ممتلكاته، بل أن يصبح السارق مطمئناً، وأن يصبح المسروق مضطراً للشراء، وأن يصبح المسؤول متفرجاً. يا رجال العلم … (آسف الحكم)… أنتم ملح البلد. فمن يصلح الملح اذا الملح فسد من يعيد لهذا الوطن طعمه؟ ومن يعيد للمواطن إحساسه بأن القانون فوق الجميع؟ السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل يحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء قيمة الدولة. فالدولة التي لا تحمي المواطن، ولا تحمي ممتلكاته، ولا تمنع بيع حقوقه المسروقة في الأسواق، تفقد أهم أسباب وجودها. حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل