من عمق المشهد | ست البنات حسن أحمد تكتب …… بين مطرقة الصراع وسندان الإعمار: السودان ومعضلة الانتقال من النجاة إلى البناء

95

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد

بين مطرقة الصراع وسندان الإعمار: السودان ومعضلة الانتقال من النجاة إلى البناء

حين يطول أمد الحروب، تقع المجتمعات في شرَك نفسي وإداري بالغ الخطورة؛ شرك الاستغراق الكامل في “غريزة البقاء” اليومية، والاعتياد على نمط إدارة الطوارئ وردود الأفعال المرتجلة. وفي السودان اليوم، حيث تتشابك جبهات المواجهة مع أزمات النزوح وانقطاع سلاسل الإمداد، يقف الوطن مشدوداً بين مطرقة استحقاقات الصراع العسكري الضاغط، وسندان متطلبات الإعمار الملحّة التي لا تحتمل الانتظار إلى حين صمت آخر طلقة.
إن النظر إلى الواقع من عمق المشهد يكشف أن أخطر ما تواجهه الدولة السودانية في هذه اللحظة ليس فقط كلفة السلاح أو تأمين خطوط المعارك، بل معضلة التفكير الاستراتيجي: كيف نعبر من خانة “النجاة المؤقتة” إلى فضاء “البناء المؤسسي المستدام” دون أن نخلّ بموازين اللحظة الراهنة؟
أولاً: أوهام الانتظار.. التنمية لا تقبل التأجيل
الخطأ الشائع في أدبيات الأزمات الوطنية هو افتراض وجود “حد زمني فاصل” يفصل الحرب عن السلام؛ كأن تضع الحرب أوزارها في يوم محدد، لنستيقظ في اليوم التالي لنبدأ الإعمار من نقطة الصفر.
التجارب التاريخية للشعوب الحية تؤكد أن الإعمار الحقيقي يبدأ في قلب المحنة:
* الأقاليم والولايات التي تتمتع باستقرار نسبي لا يمكن أن تظل مجرد “معسكرات إيواء كبيرة” تعيش على المساعدات العينية وتحويلات الشتات؛ بل يجب أن تتحول فوراً إلى قاطرات إنتاج زراعي وصناعي تمتص الصدمة الاقتصادية.
* المشاريع المعطلة وشبكات الطاقة والري ومصانع السلع الأساسية لا تملك ترف الانتظار؛ فكل موسم زراعي يضيع، وكل خط إنتاج يتآكل بالصدأ والإهمال، يضاعف فاتورة التعافي غداً أضعافاً مضاعفة، ويجعل ثمن استرداد الأصول أثقل من تكلفة تأسيسها.
إن حصر الجهد العام في تدبير المسكنات الإسعافية هو استنزاف بطيء للطاقة الحيوية للأمة؛ ومعركة تثبيت السيادة تصبح بلا معنى إذا فقد المجتمع قدرته على إطعام نفسه وترميم سبل معاشه.
ثانياً: عثرات الانتقال.. تفكيك متلازمة “إدارة الطوارئ”
إن الانتقال من منطق النجاة إلى منطق البناء يصطدم بعقبات بنيوية ظلت تكبّل الدولة السودانية لعقود، وتضاعفت اليوم تحت وطأة النزاع:
* فقر الرؤية وغياب البيانات المدققة:
لا يمكن بناء استراتيجية إعمار بالاعتماد على التقديرات الجزافية أو الأمنيات المكتبية. ما زلنا نفتقر إلى خرائط تقييم دقيقة لحجم الأضرار الهندسية في البنى التحتية، وتحديد ما يصلح للتأهيل السريع وما يقتضي استبداله بالكامل، وحصر الاحتياجات الفعلية لملايين النازحين في مناطق إعادة التوطين المؤقتة والدائمة.
* الارتهان لـ«منطق الإغاثة»:
لقد شكلت المبادرات الأهلية، والتكيات، ونفير المغتربين حائط صد بطولي منع انهيار المجتمع؛ غير أن استمرار التعويل عليها كبديل للمنظومة الاقتصادية الرسمية يحمل مخاطر الإنهاك المجتمعي. المطلوب هو الانتقال بتلك الطاقات التكافلية من “سد الجوع العاجل” إلى “تمويل الإنتاج الصغير، ودعم الحرفيين، وتشغيل التعاونيات الإنتاجية”.
* أزمة الحوكمة المؤسسية:
لا يمكن إدارة مرحلة البناء والتعافي بأدوات الترضيات والمحاصصات القديمة التي أعادت تدوير الفشل. إن مشاريع إعادة الإعمار تتطلب إدارة مهنية مستقلة، وعقود أداء شفافة، وفصلاً صارماً بين الإدارة الفنية والتدخلات السياسية؛ حتى لا تتحول صناديق الإعمار ومساعدات الشركاء إلى منافذ للاستنزاف أو إهدار المال العام.
ثالثاً: معالم المسار.. نحو خارطة طريق للتعافي الوطني
إن العبور الآمن بين المطرقة والسندان يقتضي تبني مسار موازٍ يسير فيه الترميم جنباً إلى جنب مع حماية الأرض؛ عبر حزمة أولويات حاسمة:
* تأمين قواعد الإنتاج وحمايتها: توجيه التمويل المتاح نحو المشاريع الحيوية التي تحقق أثراً مباشراً على الأمن الغذائي وسعر الصرف (المحاصيل النقدية، الحبوب الاستراتيجية، الطاقة الشمسية للمشاريع الزراعية، وتأمين سلاسل الإمداد للأسواق).
* إعادة الاعتبار لرأس المال البشري: ملايين الكفاءات من مهندسين، وأطباء، وإداريين، وحرفيين الذين شردتهم الحرب في الداخل والخارج يمثلون ثروة السودان الكبرى؛ وبدلاً من تركهم أسرى للبطالة والانتظار، يجب مأسسة استيعابهم في غرف تخطيط ومشاريع ميدانية لإعادة بناء المرافق الحيوية.
* إرساء دولة القانون والجدارة: إن المستثمر الوطني ورأس المال المهاجر لن يعودا لبناء الوطن ببيانات الشجب والاستجداء العاطفي؛ بل بالبيئة الآمنة، واستقرار السياسات النقدية والضريبية، وتطهير المعاملات من شبكات الفساد والابتزاز البيروقراطي.
كلمة أخيرة.. في الميزان
إن معركة السودان الحالية ليست محصورة في استعادة الجغرافيا المغتصبة فحسب، بل في استعادة “معنى الدولة وقدرتها على رعاية إنسانها”.
إن البقاء على قيد الحياة إنجاز عظيم وسط هذا الدمار؛ لكن الاكتفاء بالبقاء هو نصف الهزيمة إذا لم يقترن بإرادة البناء والنهوض. إن الأمم الصلبة لا تخرج من رماد الحروب بالشكوى والانتظار، بل باقتناص اللحظة التاريخية لإعادة صياغة مؤسساتها على أسس العدالة، والكفاءة، والإنتاج.
وحين نملك الشجاعة لكسر حلقة الطوارئ والبدء في غرس شتلات الغد في قلب المعركة؛ عندها فقط سنفلت من بين مطرقة الصراع وسندان الخراب، لنبني وطناً معافى يليق بصبر إنسانه وتضحياته الجسام.

Leave A Reply

Your email address will not be published.