شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… أقنعة الهيمنة وثقافة “المغفل النافع”: نحو تحرير العمل العام بالجالية السودانية بمصر
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
أقنعة الهيمنة وثقافة “المغفل النافع”: نحو تحرير العمل العام بالجالية السودانية بمصر
في لحظات التحول التاريخي العصيبة التي تمر بها الأوطان، تبرز تجليات أزمة الإدارة والعمل العام ليس فقط في هيئة صراعات سياسية معلنة، بل في شكل أنماط سلوكية وممارسات تنمو تحت ظلال الهياكل التقليدية. ولعل أبرز هذه الأنماط وأكثرها تدميراً للعمل القومي هو تفشي ثقافة “المغفل النافع”؛ تلك الحالة التي يتم فيها استغلال حسن نيات الأفراد واندفاعهم العاطفي للخدمة الوطنية، وتحويلهم إلى أدوات لشرعنة أساليب قديمة تقوم على الاحتكار والإقصاء وتكريس مصالح فئات تجاوزها الزمن والثورة. وفي هذا السياق الشائك، يأتي البيان الثاني الصادر عن “كتلة تحالف مستقبل الجالية السودانية بمصر”، برئاسة السفير نادر فتح العليم سر الختم في 24 سبتمبر 2026م، ليشكل وثيقة تحليلية وتغييرية لا تكتفي بفك أسر العمل العام من الهيمنة، بل تضع حداً لظاهرة استغلال القواعد كبيادق في لعبة البقاء في السلطة بلا اقتدار.
لقد ظلت الذهنية الإدارية للخدمة المدنية والجاليات الخارجية في السودان -على مر العقود والأنظمة المتعاقبة- تتعامل مع هذه الكيانات بمنطق الاستقطاب الضيق والسيطرة الأيديولوجية. وفي واقع الجالية السودانية بمصر، تجلت هذه الذهنية عبر إعادة إنتاج ذات الأساليب البائدة؛ حيث تُمنح الأولوية للولاءات الضيقة على حساب الكفاءة والشفافية. وفي قلب هذا المشهد، يتغذى النهج الإقصائي على نمط “المغفل النافع”: مناديب ومشاركون يُزحمون داخل قاعات مغلقة ليمنحوا الأصوات، وهم يظنون أنهم يمارسون واجباً وطنياً، بينما يُستغل وجودهم في واقع الأمر لتمرير قرارات محددة مسبقاً، وتثبيت مجموعات استنفدت دورتها السابقة دون أن تقدم إنجازاً ملموساً أو مبادرة خلاقة تشفع لها.
إن الخطورة الحقيقية لثقافة “المغفل النافع” تتمثل في وضع العراقيل والانتقاء المؤدلج لمنع الكيانات الحية والمستقلة من دخول الجمعية العمومية، وتهميش الأغلبية العظمى لحساب شرعية صورية. ومن هنا، يكتسب طرح تحالف مستقبل الجالية أهميته الاستثنائية؛ إذ يعلن بوضوح أن المندوبين ليسوا مجرد أرقام أو أصوات تُحشد داخل القاعات المغلقة للتصويت الآلي، بل هم حملة رسالة قومية وممثلون أصلاء لكياناتهم. إن التحرر من هذه الثقافة يقتضي ثورة تنظيمية شجاعة تُسقط منطق الوصاية، وتُكرّس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في الترشيح والانتخاب عبر تفويضات موثقة وآليات عملية تتسم بالشفافية المطلقة.
إن تجاوز هذا الواقع المأزوم لا يتحقق بالرفض السلبي، بل بفرض التغيير عبر التخطيط والرؤية. فالعالم الحديث يقوم على المحاسبة والشفافية، والخدمات هي حق أصيل لرفاهية الشعوب وليست وسيلة للمتاجرة أو التكسّب. لذا، فإن الرؤية البديلة تتطلب ربط العمل العام ببرامج وخطط مستقبلية واضحة كشرط أساسي لتقلد المسؤولية، إلى جانب مواكبة الاستحقاقات الوطنية في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإسناد معركة الكرامة، وتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الشعبين الشقيقين في السودان ومصر.
ختاماً، إن طموح الجالية السودانية بمصر -بحجمها وتنوعها الاستثنائي- يجب ألا يُختزل في جغرافية الضغائن والصراعات الضيقة أو التشبث بالرئاسة دون رؤية. إن المطلوب اليوم هو الانطلاق نحو تحويل الجالية إلى مؤسسة تنموية شاملة تمتلك نضجاً يمنع استغلال أبنائها؛ مؤسسة تبني نظام تأمين صحي شامل، ومؤسسات تعليمية كالمدرسة والجامعة، ومؤسسات اقتصادية وبنكاً للجالية يُسهم في دعم الأسر. إن الوعي القومي والوحدة هما الترياق الوحيد لإسقاط أوهام الهيمنة وثقافة التبعية، واستعادة الدور الحضاري لشعبٍ عُرِف بأنه “من نفرٍ عمروا الأرض حيثما قطنوا”.