صحيفة النيل الدولية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……. الجامعات: منارة التعافي وجسر العبور نحو السلم

183

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

الجامعات: منارة التعافي وجسر العبور نحو السلم

 

لم تكن العودة إلى قاعات الدراسة في الخرطوم مجرد استئناف لجدول أكاديمي توقف قسراً، بل هي في جوهرها إعلان سيادي عن بدء مرحلة “التعافي الوطني” الشامل. إن فتح أبواب الجامعات اليوم يمثل الرد العملي والأقوى على محاولات تجريف الوعي وتفتيت النسيج المجتمعي التي خلفتها سنوات الصراع. المؤسسات التعليمية ليست جدرانًا ومناهج فحسب، بل هي المحاضن التي يُصاغ فيها وجدان الأمة، وهي المنصات التي ينطلق منها خطاب التسامح ليحل محل لغة البارود والكراهية.

إن الرهان على التعليم العالي في هذه المرحلة يتجاوز الدور التقليدي المتمثل في منح الدرجات العلمية. نحن نتحدث عن مؤسسات تقود قاطرة “الترميم الاجتماعي“. الجامعات بطبيعتها بوتقة تنصهر فيها كافة المكونات القبلية والجهوية، وعودتها للعمل تعني إعادة تفعيل هذا “المصهر الوطني” الذي يعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع. إن استراتيجية التعافي تبدأ من هنا؛ من حيث يتعلم الجيل الصاعد أن الحوار هو البديل الوحيد للعنف، وأن بناء الوطن يتطلب عقولاً متفتحة قبل أن يتطلب أيدي عاملة.

المرحلة الحالية تضع أساتذة الجامعات والباحثين أمام مسؤولية تاريخية. لم يعد البحث العلمي ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لدراسة جذور الأزمة وتقديم حلول علمية وعملية لرتق النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل الحرب. إن دعوة الأكاديميين للعمل المشترك من أجل “ثقافة التعايش” هي دعوة لاسترداد العقل السوداني من براثن الاستقطاب الحاد. فالعالم والباحث هو الأقدر على صياغة خطاب وطني جامع ينبذ الكراهية و يؤسس لقيم السلام المستدام.

لا يمكن فصل الحراك الأكاديمي عن الواقع الميداني؛ فعودة المؤسسات التعليمية ما كانت لتتم لولا الجهود المضنية في تأمين العاصمة وإعادة الخدمات الأساسية. إن تكامل الأدوار بين أجهزة الدولة لتأمين عودة المواطنين وتهيئة البيئة المناسبة للدراسة يبعث برسالة طمأنينة مفادها أن الدولة بدأت في استعادة عافيتها الكاملة. إن مشهد الطلاب وهم يتوافدون على كلياتهم هو أصدق تعبير عن “التعافي الشامل” الذي لا تكتمل صورته إلا بعودة الحياة العلمية والثقافية إلى سابق عهدها.

إن الرسالة التي تنطلق اليوم من ساحات العلم واضحة وصريحة: السلم الاجتماعي هو الأساس الحقيقي للإعمار. والمستقبل يتطلب خطاباً إعلامياً وتعليمياً جديداً يواجه خطاب الكراهية بشجاعة، ويبني جسور الثقة بدلاً من الأسوار. الجامعات هي المنصة الأهم لنشر هذا الوعي، وهي الضمانة لعدم تكرار مآسي الماضي.

إننا أمام فجر جديد، تقوده العقول والقلوب المؤمنة بأن الوطن يُبنى بالعلم، ويُحمى بالوحدة، ويتعافى بالتسامح.

مصدر المقال

النيل الدولية العدد 1663

Leave A Reply

Your email address will not be published.