شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……. ترميم الإنسان والوطن: الجامعات في قلب معركة البناء والإيواء
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
ترميم الإنسان والوطن: الجامعات في قلب معركة البناء والإيواء
في أوقات الأزمات الكبرى والحروب، يتجاوز مفهوم الوطن حدوده الجغرافية الضيقة ليصبح فكرة تتمحور حول الإنسان؛ أمنه، واستقراره، ومستقبله. واليوم، والسودان يمر بمتغيرات استثنائية وتحولات عميقة تعيد تشكيل بنيته الاجتماعية والديموغرافية، يبرز دور المؤسسات الأكاديمية والمجتمعية كقائد حقيقي لعمليات التعافي والإنقاذ، متجاوزاً الدور النمطي المحصور في قاعات المحاضرات والكتب والتدريس النظري. إن المسؤولية التاريخية تفرض على النخب الفكرية والجهات التنفيذية الالتفات إلى المسارين الأكثر إلحاحاً في هذه المرحلة: علاج الشروخ النفسية والاجتماعية التي خلفها النزوح القسري، وفي المقابل، تهيئة الأرضية الصلبة لعودة الحياة إلى المدن المتضررة وبدء مسيرة إعمار لا تحتمل التأجيل.
إن التحركات الميدانية الأخيرة التي قادتها بعض المؤسسات الأكاديمية العليا في السودان تجاه مراكز الإيواء في الولايات الأكثر استضافة للمتأثرين، تجسد وعياً متقدماً بالمسؤولية المجتمعية؛ النزوح ليس مجرد انتقال مادي من مكان إلى آخر، بل هو هزة عنيفة للوجدان الإنساني، تترك ندوباً عميقة من الاضطرابات النفسية والقلق وصدمات الفقد، لا سيما بين الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال والنساء. من هنا، فإن إرسال قوافل متخصصة تضم خبراء في علم النفس والاجتماع والرياضة والفنون يمثل الترياق الحقيقي لمواجهة مأساة اللجوء الداخلي. هذه الجهود الشاملة التي تجمع بين الدعم الوقائي والعلاجي، وتقديم العروض المسرحية للأطفال لتبديد مخاوفهم، وتدريب الكوادر المحلية على الإسناد النفسي، تشكل خط الدفاع الأول لحماية النسيج الاجتماعي من الانهيار.
ولم يتوقف هذا الحراك الأكاديمي عند حدود التخفيف من المعاناة النفسية، بل امتد ليتناول التمكين الاقتصادي عبر تدريب مئات النساء في الصناعات الغذائية والمشروعات الصغيرة، مما يمنح الأسر النازحة القدرة على الصمود والاكتفاء الذاتي جزئياً، ويحول المجتمعات المستضيفة والمستضافة إلى طاقات منتجة بدلاً من الاعتماد الكلي على المساعدات الإنسانية العابرة. وعلاوة على ذلك، فإن الالتفات لملف التعليم عبر اقتراح وتطوير أنظمة المنهج البديل إلكترونياً يمثل طوق نجاة لإنقاذ جيل كامل من الطلاب المتسربين من التعليم بسبب ظروف النزاع، فالأوطان لا تبنى بالجهل، وضمان استمرار العملية التعليمية بشتى الطرق التكنولوجية المتاحة هو الضامن الحقيقي لبناء مستقبل السودان بعد انقشاع الأزمة.
بالتوازي مع هذه الجهود الإنسانية في مناطق النزوح، تبرز ضرورة قصوى لتهيئة المدن والمحليات المتضررة لاستقبال مواطنيها الذين بدأوا بالعودة بالفعل إلى ديارهم ومناطقهم. إن الدعوات الرسمية المتكررة للمواطنين للإسراع بالعودة والمساهمة في الإعمار تعكس تحسناً ملحوظاً في بسط الاستقرار وتأمين الخدمات الأساسية، وتؤكد في الوقت ذاته أن الدولة لا يمكنها البناء بمفردها؛ إعادة إعمار ما دمرته الصراعات هي عملية تشاركية تتطلب تضافر الجهد الرسمي مع الجهد الشعبي والمجتمعي.
إن المبادرات الذاتية التي يقودها الأهالي لإعادة تأهيل المرافق الحيوية ودور العبادة التي طالها التدمير الممنهج، مثل إعادة تأهيل المساجد العتيقة وافتتاحها مجدداً في العاصمة، تمثل دلالة رمزية بالغة الأهمية على إرادة الحياة الكامنة في الشعب السوداني. دور العبادة والمرافق الاستراتيجية ليست مجرد مبانٍ إسمنتية، بل هي مراكز للتجمع والتعاضد الاجتماعي، وبث روح الطمأنينة، وتأكيد عودة الحياة إلى طبيعتها، ومظلة يلتقي تحتها العائدون لتنسيق جهود البناء والنماء.
ختاماً، إن تعافي السودان الشامل يتطلب تعميم التجارب الناجحة للمؤسسات التعليمية وتوسيع نطاق قوافل الدعم النفسي والتعليمي والاجتماعي لتشمل كافة مراكز الإيواء، جنباً إلى جنب مع تسريع وتيرة تأهيل البنية التحتية والخدمات في المناطق المستقرة لتشجيع العودة الطوعية. إن تلاحم العقول الأكاديمية، والخطط التنفيذية، والعزيمة الشعبية، هو السبيل الوحيد لتحويل مرارة النزوح وآلام الدمار إلى ملحمة كبرى لإعادة بناء الإنسان وعمران الوطن من جديد.


