منطقة السليم شرق دنقلا  عندما تتحول العشوائيات إلى حاضنة للسلاح وبؤرة للصراع

10

 

 

 

بقلم: د. ست البنات حسن

مدخل:اختبار هيبة الدولة في الشمال الهادئ

تضع التطورات المتسارعة في منطقة “السليم” بالضفة الشرقية لمدينة دنقلا، حكومة الولاية الشمالية والمجتمع المحلي أمام اختبار تاريخي وحقيقي لمفهوم “هيبة الدولة” وسيادة حكم القانون.

إن المشهد الذي أعقب قرارات إزالة التعديات السكنية لم يعد مجرد نزاع إداري أو تنظيمي حول تخطيط عمراني أو خدمات بلدية تقليدية؛ بل انزاح المشهد كلياً ليكشف عن ملامح أزمة أمنية وسياسية بالغة الخطورة، تستهدف ضرب الاستقرار النسبي وتمزيق النسيج الاجتماعي في واحدة من أكثر ولايات السودان تمسكاً بالسلم الأهلي.

ما جرى في السليم لا يمكن اختزاله في تظاهرة رافضة لإزالة مبانٍ غير مقننة، بل هو جرس إنذار يكشف بوضوح كيف تتدحرج الأزمات الحضرية إذا تُركت سنوات دون حسم رادع:

[وضع يد مؤقت واستغلال إنساني]

[فرض سياسة الأمر الواقع بالتقادم]

[المطالبة بسندات ملكية خارج القانون]

[ التخندق خلف السلاح ومواجهة الدولة والمجتمع ]

أولاً: ديناميكيات التحول.. من “الإنساني” إلى “فرض النفوذ”

تكشف القراءة المتأنية لمسار الأحداث عن نمط حرج يتشكل في هدوء شديد ومدروس:

المرحلة الأولى (الاستيعاب الإنساني): تبدأ باستغلال موجات النزوح والظروف الإنسانية القاهرة التي تمر بها البلاد، حيث يُسمح بالاستقرار المؤقت على أراضٍ عامة أو ملكيات خاصة لدواعٍ إنسانية بحتة.

المرحلة الثانية (التمدد والتحصين): تتسع رقعة التجمعات العشوائية، وتتحول من مأوى اضطراري إلى كيانات سكنية موازية تفتقر لأبسط معايير التخطيط.

المرحلة الثالثة (انتزاع الملكيات بلا وجه حق): تتحول الحيازة المؤقتة إلى مساعٍ حثيثة لانتزاع سندات ملكية دائمة خارج أطر العدالة الإجرائية والمستندات الرسمية، مما يمثل طعناً صريحاً في مبدأ حرمة الملكية الخاصة التي كفلتها كافة الشرائع والقوانين.

ثانياً: المثلث الحرج (الأرض، العرق، والسلاح)

إن التطور الأشد خطورة في أحداث السليم يكمن في الخطاب السياسي والإعلامي المصاحب للاحتجاجات، والذي اعتمد على مزيج ثلاثي كارثي يعيد إلى الأذهان إرهاصات أزمات دارفور:

تغليف النزاع بالهوية: اللجوء إلى مفردات الاستقطاب الإثني وتقسيم الفضاء العام على أساس العرق والمظلوميات التاريخية لتبرير التعدي على الحقوق.

استدعاء القوة الصلبة: ظهور مظاهر تسلح علنية، وتلميحات صريحة بالتصدي للأجهزة النظامية، واستعراض القوة داخل أحياء سكنية آمنة.

تهديد السلم المحلي: محاولة استنساخ نماذج الصراع المسلح ونقل أدواته إلى مجتمعات كان خيارها الاستراتيجي دوماً هو الحوار واللجوء لمنصات القضاء.

ثالثاً: استحقاقات السلام أم صناعة مراكز قوى موازية؟

يعيد هذا الواقع طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التمدد العسكري والسياسي لبعض الحركات المسلحة والتشكيلات الموازية داخل المدن الحضرية المستقرة:

أين ينتهي استحقاق السلام ويبدأ تقويض الدولة؟ إن اتفاقيات السلام وُجدت لحماية المواطن وبناء مؤسساته، وليس لخلق جزر أمنية معزولة أو توفير مظلة حماية للمخالفين للقانون.

مخاطر الهندسة الديمغرافية بالقوة: إن أي تساهل أو محاباة سياسية لهذه التجمعات المعسكرة قد يُفهم منه تشجيع ضمني لتغيير الخارطة السكانية للولاية الشمالية تحت وطأة السلاح، وهو أمر يفرغ مفهوم “المواطنة المتساوية” من مضمونه الأخلاقي والقانوني، ويحوله إلى رخصة لاستباحة الحقوق التاريخية والمكتسبة.

رابعاً: خارطة طريق لحسم الأزمة واستعادة سيادة القانون

لمنع انزلاق الأزمة إلى مواجهة مفتوحة لا تُحمد عقباها، بات من الضروري والملح اتخاذ حزمة إجراءات تنفيذية وأمنية وقضائية صارمة من خلال المحاور ادناه:

المحور القانوني والسيادي

  • إنفاذ قرارات التخطيط العمراني دون استثناء أو تردد
  • حصر إثبات الملكيات في المستندات الرسمية المعتمدة أمام القضاء فقط.

الأثر المستهدف: تثبيت هيبة الدولة، وقطع الطريق أمام التعديات بوضع اليد.

المحور الأمني والعسكري       

  • نزع السلاح غير المرخص وإنهاء أي مظاهر عسكرية في الأحياء السكنية.
  • إخلاء المقار الموازية وحصر القوة والسلاح بيد القوات النظامية الرسمية.

الأثر المستهدف: منع الاحتكاك المسلح، وفرض السيطرة الأمنية الكاملة.

محور التحقيق والشفافية       

  • فتح تحقيق عاجل وموسع حول مصادر تسليح وتمويل البؤر العشوائية.
  • كشف الأجندات السياسية والتنظيمية التي تسعى لإشعال الفتنة في الشمال.

الأثر المستهدف: إجهاض المخططات التخريبية قبل اتساع رقعتها.

المحور الإنساني والتنموي      

  • توفير بدائل إيواء رسمية ومخططة للنازحين الحقيقيين والمستحقين وفق القانون.
  • منع الخلط الممنهج بين العمل الإنساني والاعتداء على العقارات.

الأثر المستهدف: سحب الذرائع الإنسانية من أيدي المتاجرين بالأزمة.

خاتمة: القانون لا يُحابي.. والتردد ثمنه فادح

إن المطالبة بحماية الملكية العقارية الخاصة وتطبيق المخططات الهيكلية للدولة ليست رفاهية، وليست بأي حال من الأحوال ضرباً من التمييز أو خطاباً جهوياً وعنصرياً، بل هي الركيزة الجوهرية لقيام “الدولة الوطنية الحديثة”.

إن اللجوء إلى المسكنات الإدارية، أو ممارسة التردد السياسي خوفاً من الابتزاز العرقي أو التهديد العسكري، سيبعث برسالة خاطئة مفادها أن فرض الواقع بالسلاح هو الطريق الأقصر لانتزاع الحقوق .

إن حماية حقوق المواطن الأصيل، والوقوف الصارم مع العدالة وسيادة المؤسسات، يمثلان خط الدفاع عن وحدة السودان، وسلامة أراضيه، واستقرار مجتمعاته، تحت راية القانون العادل الذي يسري على الجميع دون تمييز أو مواربة.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.