منهج التحليل المضموني للقرآن الكريم
منهج التحليل المضموني للقرآن الكريم
ادناه المنهج الذي طوره بروفسور طارق الصادق لدراسة القران وتحليل مضمون اياته. وقال انه منهج تشكل على مدى زمني طويلاولا: مدخل:
المنهج الذي سنتبعه في هذه الدراسة ليس مجرد تحليل مضمون بالمعنى المتداول في الدراسات القرآنية او الاجتماعية، وإنما هو منهجًا جديدًا يجمع بين تحليل المضمون، والتحليل النسقي، وإعادة البناء المعرفي، واستنباط النظرية العلمية.
وقد تطورت لبنات هذا المنهج منذ عملنا في مرضع الضبط الاجتماعي في الاسلام في التسعينات ثم العمل في الاصول المنهجية لمناهج البحث بين الفكر الغربي والفكر الاسلامي الذي بدا ببحث صغير عن المؤشرات المنهجية في القرآن الكريم، ثم بدات بعض جوانبه تتبلو رويدا رويدا.
وطبيعة هذه الدراسة فرضت تطوير هذا المنهج، واضافة أدوات تحليلية لأن الأدوات التقليدية على أهميتها، لا تفي بالغرض في دراسة القرآن الكريم بوصفه نظامًا معرفيًا كليًا ومنتجًا للعلوم، لأنها غالبًا ما تقف عند حدود الوصف، أو التصنيف الموضوعي، أو التفسير الجزئي للنصوص، دون أن تنفذ إلى البنية المعرفية الكلية التي تنتظمها، أو تكشف العلاقات النسقية التي تربط بين مفاهيمها وسننها ومقاصدها.
وانطلاقًا من ذلك، ابتكرنا منهجًا أطلقنا عليه:
“منهج تحليل المضمون القرآني في ضوء النظام المعرفي القرآني”
وهو منهج يجمع بين أدوات تحليل المضمون، والتحليل النسقي، والاستقراء السنني، وإعادة البناء النظري، بقصد الانتقال من قراءة النصوص إلى بناء النموذج المعرفي القرآني، ومن استخراج المفاهيم إلى إنتاج النظرية.
ويتميز هذا المنهج بأنه لا يتعامل مع القرآن الكريم باعتباره موضوعًا للدراسة فحسب، وإنما باعتباره المرجعية المؤسسة للمعرفة، والموجهة لمنهج البحث، والحاكمة لآليات الاستنباط والتحليل.
ومن ثم فإننا لا نكتفي بتحليل المضمون الظاهر للآيات، وإنما نسعى إلى الكشف عن البنية الداخلية للنظام المعرفي القرآني، واستخراج العلاقات المنظمة له، وتحويلها إلى نموذج معرفي قادر على تفسير الظواهر الإنسانية والاجتماعية والعمرانية.
ثانيًا: الأسس المنهجية للمنهج :
يقوم هذا المنهج على عدد من المرتكزات العلمية، أهمها:
١- القرآن نظام معرفي كلي:
ينطلق المنهج من أن القرآن الكريم ليس مجموعة موضوعات مستقلة، ولا مجموعة أحكام متناثرة، وإنما يمثل نظامًا معرفيًا متكاملًا، تتساند فيه العقيدة، والقيم، والسنن، والمقاصد، والتشريعات، والقصص، في بناء رؤية كلية للإنسان والكون والحياة والعمران.
وبناءً على ذلك، فإن فهم أي جزء من القرآن لا يتحقق بمعزل عن البناء الكلي الذي ينتظم جميع أجزائه.
٢- وحدة النسق المعرفي:
يعتمد المنهج على أن المفاهيم القرآنية لا تعمل بصورة منفردة، وإنما تتحرك داخل أنساق مترابطة، بحيث يفسر بعضها بعضًا، ويكمل بعضها بعضًا، وتتولد من تفاعلها الرؤية القرآنية الشاملة.
ولهذا فإن التحليل لا يتوقف عند المفهوم المفرد، وإنما ينتقل إلى دراسة شبكة العلاقات التي تربطه بالمفاهيم الأخرى داخل السورة، ثم داخل القرآن كله.
٣- السننية مدخل تفسير الظواهر:
يفترض المنهج أن السنن الإلهية هي القوانين الحاكمة لحركة الإنسان والمجتمع والتاريخ، وأن الكشف عنها يمثل المستوى الأعلى في فهم المضمون القرآني.
ولذلك ينتقل التحليل من تفسير الوقائع إلى اكتشاف القوانين التي أنتجتها، ومن دراسة الأحداث إلى تحليل العلاقات السننية التي تحكم نشأتها وتطورها ونتائجها.
٤- العمران وحدة التحليل الكبرى:
يرى المنهج أن موضوع القرآن لا يقتصر على إصلاح الفرد، ولا على تنظيم المجتمع فقط مع اهمية ذلك، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء العمران الإنساني كله.
ومن هنا تصبح جميع المفاهيم والسنن والقصص عناصر في بناء النظرية القرآنية للعمران، بما يشمل الإنسان، والأسرة، والمجتمع، والدولة، والأمة، والحضارة.
٥- الاستخلاف هو الإطار الناظم:
لا تُقرأ المفاهيم والسنن في هذا المنهج قراءة مستقلة، وإنما في إطار مشروع الاستخلاف الذي جعله القرآن غاية الوجود الإنساني.
فجميع عناصر النظام المعرفي القرآني تتكامل لتكوين الإنسان المستخلف، وإقامة المجتمع المستخلف، وبناء العمران المستخلف.
ثالثًا: مستويات التحليل في المنهج:
يمر تحليل النص القرآني في هذه الدراسة عبر ستة مستويات متتابعة، يمثل كل مستوى منها انتقالًا نوعيًا في إنتاج المعرفة.
المستوى الأول: تحليل المضمون القرآني:
ويشمل استخراج المفاهيم، والقضايا، والوحدات الموضوعية، والبنية العامة للسورة، والعلاقات الأولية بين موضوعاتها.
ويمثل هذا المستوى المدخل الإجرائي للدراسة.
المستوى الثاني: التحليل النسقي:
وفيه تنتقل الدراسة من المفاهيم المفردة إلى تحليل العلاقات الداخلية التي تربط بينها، بما يكشف البنية النسقية للسورة.
وهنا لا يصبح السؤال: ماذا تقول الآية؟
بل يصبح: كيف تنتظم جميع الآيات لتكوين رؤية واحدة؟
المستوى الثالث: التحليل السنني:
وفي هذا المستوى تُستخرج السنن الإلهية التي تحكم الظواهر المدروسة، وتُميز الشروط، والأسباب، والموانع، والنتائج، ومجالات تطبيق كل سنة.
وبذلك يتحول النص من الوصف إلى تفسير حركة الواقع.
المستوى الرابع: إعادة بناء النموذج المعرفي:
بعد استخراج المفاهيم والسنن والأنساق، يعاد تركيبها في نموذج معرفي متكامل، يبين العلاقات بين العقيدة، والقيم، والعلم،والاجتماع، والعمران، والاستخلاف.
وفي هذا المستوى لا يقتصر الامر على تفسير النص، بل يعيد بناء الرؤية الكلية التي يقدمها القرآن.
المستوى الخامس: بناء النظرية العمرانية الاستخلافية السننية
وهو المستوى الذي تنتقل فيه الدراسة من النموذج المعرفي إلى النظرية العلمية.
فلا تظل السنن مجرد نتائج تفسيرية، بل تتحول إلى قوانين مفسرة لحركة المجتمعات، وقادرة على تحليل الواقع واستشراف المستقبل.
ويمثل هذا المستوى الإسهام الرئيس للدراسة في مجال تأسيس علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني.
المستوى السادس: التنزيل الحضاري والتطبيق المعاصر:
وينتهي المنهج بمرحلة تنزيل النتائج على الواقع المعاصر، وربط السنن القرآنية بقضايا الإنسان والمجتمع والدولة والحضارة، بما يجعل القرآن مصدرًا لإنتاج المعرفة، وبناء السياسات، وإصلاح العمران، واستشراف المستقبل.
رابعًا: أدوات التحليل:
نعتمد في هذا المنهج على مجموعة من الأدوات العلمية المتكاملة، من أهمها:
* التحليل الموضوعي لمضمون السور القرآنية.
* التحليل النسقي للعلاقات بين المفاهيم.
* الاستقراء السنني لاستخراج القوانين الإلهية.
* التحليل المقاصدي للكشف عن الغايات الكلية.
* إعادة البناء المعرفي للمفاهيم والأنساق.
* التحليل العمراني لتتبع أثر السنن في بناء الحضارات.
* المقارنة الداخلية بين النماذج القرآنية.
* التركيب النظري لبناء النموذج الاستخلافي السنني.
خامسًا: القيمة المنهجية المتوقعة للمنهج:
لا يمثل هذا المنهج تطويرًا إجرائيًا لتحليل المضمون فحسب، بل يمثل محاولة لتأسيس حقل منهجي جديد في الدراسات القرآنية، ينتقل من تحليل النص إلى بناء المعرفة، ومن استخراج المفاهيم إلى إنتاج النظرية، ومن تفسير القرآن إلى توظيف مخرجاته في تأسيس العلوم الإنسانية.
ولهذا يمكن أن منهج تحليل المضمون القرآني في ضوء النظام المعرفي القرآني إسهامًا منهجيًا أصيلًا “ونسأل الله ان يكون كذلك” استدعته طبيعة الدراسة التي نحن بصددها نفسها؛ إذ لم يكن أي منهج منفرد قادرًا على استيعاب أهدافها، فكان لزامًا تطوير منهج مركب يجمع بين التحليل النصي، والتحليل النسقي، والاستقراء السنني، وإعادة البناء المعرفي، وبناء النظرية، ضمن إطار قرآني واحد متكامل.
ونسال الله أن نستطيع تطويره الى بحث كانما بعنوان التأسيس النظري لمنهج تحليل المضمون القرآني في ضوء النظام المعرفي القرآني، ولا يقتصر على وصف خطوات المنهج، بل يناقش جذوره المعرفية، ويميّزه عن مناهج التفسير الموضوعي، وتحليل المضمون في العلوم الاجتماعية، وتحليل الخطاب، والتحليل البنيوي، والتحليل النسقي، ليصبح هذا المنهج نفسه إسهامًا علميًا يمكن للباحثين اعتماده في دراساتهم، وليس مجرد منهج خاص لمشروعنا.
