كلمة الامين العام امام مجلس الجامعة على المستوى الوزاري

8

 

 

اخبار وادي النيل

الأمانة العامة: 7 سبتمبر 2026

معالي رئيس المجلس،

أصحاب السمو والمعالي وزراء الخارجية،

أصحاب السعادة،

السيدات والسادة،

يسعدني اليوم أن ألتقي بكم في أول اجتماع لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري منذ تولي مهامي أمينا عاما لجامعة الدول العربية.

وبهذه المناسبة أتوجه بخالص التقدير إلى أخي معالي الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير خارجية مملكة البحرين، على جهده خلال رئاسته للدورة الخامسة والستين بعد المائة للمجلس، كما أتمنى لأخي معالي السيد محمد علي النفطي، وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، كل التوفيق في رئاسته للدورة السادسة والستين بعد المائة.

هذا وأشكر الزميل أحمد أبو الغيط الأمين العام السابق على ما بذله من جهد خلال توليه هذا المنصب من قبلي.

الحضور الكريم،

نلتقي اليوم في مرحلة دقيقة، يشهد فيها العالم والشرق الأوسط انتهاكات متكررة للقانون الدولي، واستهدافا متزايدا للمدنيين، وتراجعا في الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف، واتساعا للنزاعات وسباقات التسلح، وتصاعدا للانعزالية والتطرف والكراهية. ويتزايد اللجوء إلى القوة لفرض الوقائع، والاستيلاء على أراضي الغير، والتدخل في الشؤون الداخلية، واستخدام الميليشيات لضرب مؤسسات الدولة، وتشجيع النزعات الانفصالية، وتهديد حرية الملاحة.

وباتت السمة الأساسية، دوليا وشرق أوسطيا، تغليب قانون القوة على قوة القانون.

ونشهد إعادة تشكيل للعالم العربي والشرق الأوسط المجاور، ونواجه تحديات ومخاطر وجودية تستدعي يقظة وتكاتفا عربيين، وأعلى درجات التحلي بالمسؤولية.

والقرار السيادي العربي لا يتحقق بالانعزال عن العالم وقضاياه، ولا بالاعتماد المبالغ فيه على الغير. وتكاملنا وتعاوننا عربيا لا يأتيان على حساب قدرتنا الوطنية أو انفتاحنا الدولي، بل يعززان وزننا ومواقعنا.

وما يجمعنا كعرب استراتيجيا، يتجاوز بكثير ما قد نختلف حوله تكتيكيا؛ فالمخاطر التي تهدد بعضنا تمتد إلينا جميعا، والفرص المتاحة لأي منا، يمكن بالتعاون، أن تتحول إلى مكاسب أوسع للجميع.

فإن المطلوب منا جميعا هو تبني مشروع عربي يشمل؛

  • التصدي للتحديات، وبناء وتدعيم القدرات في مجال الأمن القومي بمفهومه الشامل، وطنيا وإقليميا ودوليا، حفاظا على أمننا واستقرارنا.
  • استدامة التطوير الإنساني والمؤسسي، بما يدعم ترتيباتنا العربية، ويجعلنا مشاركين في وضع الترتيبات الإقليمية والدولية الأوسع، ومبادرين وسباقين في بلورة المستقبل.
  • التنمية الخلاقة والمستدامة، التي تراعي حقوق المواطن والمجتمع، وتنمي العلاقة بين مختلف الأوطان العربية، وتجعل للتعاون بيننا كعرب جاذبية وأولوية على غيره

 

 

الحضور الكريم،

اعتزم خلال المرحلة القادمة، التواصل مع أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، القادة العرب، وأصحاب السمو والمعالي وزراء خارجية كافة الدول أعضاء الجامعة، لبلورة هذه العناصر لصالح الجميع، بغية تبني:

“أجندة عربية متجددة، عنوانها: التصدي، والتطوير، والتنمية، ومصحوبة بممارسات تتسم بالمبادرة والفاعلية، وتغلب الفعل على القول”.

وانطلاقا من إيماني العميق بالمكانة الخاصة لجامعة الدول العربية، كبيت للعرب دون استثناء؛

  • مكانة: تحمي المصالح العربية
  • وتدعم قدراتنا
  • وترسخ الاستقرار

وسأعمل على تطوير وتكييف الجامعة العربية، وبما يدعم الإمكانات الوطنية والإقليمية لأعضائها، لاستشراف الخطر وتحديده قبل وقوعه، والتصدي إلى وإدارة الأزمة ساعة وقوعها، ودعم القرار العربي بالمعلومات والخبرة والرؤية الاستباقية والشاملة.

ومن أولى الخطوات خلال الفترة القادمة؛

بلورة مركز للتميز، كمنصة عربية للخبرة والتحليل الاستراتيجي بشأن مصادر التهديد المستجدة مستفيدا في ذلك بإمكانيات الأمانة العامة مع تدعيمها أحيانا حسب الحاجة، لإعطاء الأولوية خاصة بالنسبة؛ للدبلوماسية الوقائية، والإنذار المبكر، وإدارة الأزمات، ودعم جهود التسوية، كما أنوي الاستفادة من خبرات شخصيات عربية بارزة عبر مجلس استشاري في مجالات مختارة، فضلا عن، تعيين مبعوثين خاصين لبعض الملفات ذات الأولوية، وفق طبيعة كل مهمة وإجراءاتها.

أصحاب السمو والمعالي،

وفي قلب التحديات تبقى فلسطين قضيتنا الإقليمية الأولى، وميزان صدقنا أمام شعوبنا وأمام العالم.

ففي غزة، وخلال نحو ثلاثمائة يوم منذ وقف إطلاق النار، قتل نحو ثلاثمائة طفل فلسطيني؛

طفل كل يوم تقريبا.

ويستمر تعنت إسرائيل ومماطلتها في تنفيذ استحقاقات اتفاق قمة شرم الشيخ للسلام، رغم ما حظي به من دعم دولي، بما يقوض الانتقال من وقف إطلاق النار إلى سلام حقيقي.

وفي الضفة الغربية والقدس، يتواصل عنف القوات الإسرائيلية والمستوطنين، وتتنامى أنشطة الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى المبارك، بما يمس حرمة المقدسات ويدفع الصراع إلى مساحات أشد خطورة.

ولا تقف الاعتداءات الإسرائيلية عند الأراضي الفلسطينية؛ إذ تتواصل على جنوب لبنان والأراضي السورية، وتمتد إلى البحر الأحمر والصومال، في انتهاك للسيادة وتقويض للترتيبات الرامية إلى وقف التصعيد.

  • العالم العربي يسعى إلى السلام والاستقرار، وإنما سيواصل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والتمسك بتسوية عادلة تنهي الاحتلال، وتمكن الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة، وتحفظ سيادة الدول العربية.
  • وستولي الجامعة عناية خاصة، برصد وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وسنبدأ بتدشين آلية تنسيقية موحدة تربط بين المراصد العربية وإدارات الأمانة العامة المعنية، لتوحيد منهجيات الرصد والتوثيق وإنتاج مخرجات دورية للتحرك السياسي والإعلامي والقانوني.

وفيما يتعلق بإيران، فإن استهداف أراض ومنشآت في دول عربية، أمر لا تقبله جامعة الدول العربية ولا تجد له مسوغا. فالدول العربية ليست طرفا في هذه الحرب، ولم تختر أن تكون ساحة لها، وسيادتها ليست مجالا مفتوحا لتصفية حسابات مع غيرها، مهما قيل في تبريره.

ومصلحة شعوبنا في وقف التصعيد وعودة المسارات السياسية. ونحن منفتحون على علاقات جوار متوازنة، متى قامت على احترام السيادة وسلامة الأراضي والكف عن التدخل.

لكن هذا الانفتاح يقترن بموقف لا لبس فيه:

أمن دول الخليج العربية جزء من الأمن القومي العربي، وأي مساس به يعني الجامعة ودولها الأعضاء.

وهذا الموقف يمتد إلى مياهنا كما يمتد إلى أراضينا، وتبرز هنا أهمية مضيقي هرمز وباب المندب. وأي تعطل فيهما انكشافا مباشرا لاقتصاداتنا وأمننا، فضلا عما يمثله من ضرر للاقتصاد الدولي.

ولن نقبل أن تتحول ممراتنا البحرية إلى ورقة في حسابات الآخرين. فحقوق الدول المشاطئة وحرية الملاحة يحكمها القانون الدولي.

أصحاب السمو والمعالي،

وفي الداخل العربي، تستنزف النزاعات قدرات بعض دولنا، وتهدد وحدة أراضيها، وتماسك مؤسساتها الوطنية، وتدفع الملايين من مواطنيها إلى النزوح واللجوء.

وتقف الجامعة مع السودان، الذي يمثل اليوم صورة قاسية لاستمرار الاقتتال؛ فقد نزح الملايين من ديارهم، ومناطق يعوزها الماء والغذاء، ومؤسسات أنهكتها الحرب.

كما تقف مع لبنان في صون وحدة أرضه وسيادته.

ومع سوريا في استعادة كامل أراضيها ودعم جهود تعافيها.

وتتمسك بوحدة الصومال، وترفض أي ترتيبات تحاول المس بسيادته.

كما تقف مع كل من ليبيا واليمن في مواجهة التطورات الجارية التي تستدعي حضورا عربيا فاعلا.

ويظل موقفنا واحدا: إيجاد حلول سياسية، والسعي لوقف الاقتتال، وتوسيع المساعدات الإنسانية وضمان وصولها، وصون وحدة الدول.

أصحاب السمو والمعالي،

إن تكاملنا الاقتصادي وتأمين التنمية المستدامة لهو جزء أساسي من قدرتنا على حماية أمننا وصياغة مستقبلنا.

خاصة وأن غالبية مجتمعاتنا من الشباب الذين يتطلعون إلى فرص أفضل في التعليم والعمل، واقتصادات أكثر قدرة على المنافسة، ومستقبل يستفيد من التكنولوجيا والمعرفة. كما أن توسيع حضور المرأة في مواقع القيادة والعمل، جزء أصيل من تعظيم طاقات مجتمعاتنا.

وسأدفع باتجاه توجيه عمل الجامعة الاقتصادي والتنموي وفق أولويات محددة وقابلة للتنفيذ، خاصة التجارة والاستثمار، والأمن الغذائي والمائي، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتوطين التكنولوجيا، والتعافي وإعادة الإعمار، والمشروعات العربية المشتركة، والتعليم، والصحة، مع متابعة تنفيذ قرارات الدول الأعضاء وإبراز ما يتحقق منها والتعامل مع عقبات التنفيذ. فالاجتماعات والقرارات تكتسب قيمتها عندما تتحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن العربي.

وقد بدأنا بناء منظومة توجيه ومتابعة أوضح في تحديد المسؤوليات وأدق في بيان ما تحقق.

أصحاب السمو والمعالي،

ولكي تؤدي الجامعة هذا الدور بكفاءة، بدأت منذ اليوم الأول لتولي المسئولية، متابعة أعمال قطاعات الأمانة العامة بصورة مباشرة.

ووجدت الكثير مما يستحق البناء عليه؛ فهناك العديد من القطاعات التي تقوم بعمل مهني جاد وتقدم مبادرات وخدمات مهمة.

وكشفت المتابعة أيضا عن مجالات تحتاج إلى تطوير، وتداخلات في الاختصاصات يمكن معالجتها، وموارد يمكن استخدامها بكفاءة أكبر. لتعظيم الاستفادة من الإمكانيات القائمة وترشيد استخدامها، حيثما تستدعي الحاجة والأولويات، بما في ذلك بعثات الجامعة الخارجية، على نحو ما هو مطروح على مجلسكم الموقر.

وبعض المجالات ستتطلب إعادة الهيكلة، واستحداث عدد محدود من المناصب والاستعانة بكفاءات إضافية، وبعد التشاور سأضع هذه الاحتياجات أمام الدول الأعضاء بصورة محددة ومبررة.

وأعمل على وضع نظام لتحفيز وتقييم الأداء بمعايير واضحة ومنصفة، في بيئة يعرف فيها كل موظف مسؤولياته وحقوقه وواجباته.

أصحاب السمو والمعالي،

التحديات أمامنا كبيرة، لكن مقوماتنا أكبر: شباب، وموارد، وموقع استراتيجي، وخبرات سياسية ودبلوماسية عريقة، وثقل سياسي يسمح بتحويل هذه المقومات إلى قدرة عربية فاعلة في التأثير وحماية المصالح.

وسأعمل خلال ولايتي على أن تكون جامعة الدول العربية حاضرة دوما وفاعلة في خدمة العمل العربي المشترك، لمواجهة التحديات، ودفع التطوير، وتحقيق التنمية، من أجل بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 

 

Speech-1(2)

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.