سلسلة خواطر قرانية للاستاذ الدكتور طارق الصادق 

15

 

 

 

صوت الهدهد بين ظاهر السماع وحقيقة الدلالة

وجدت صورة للهدهد وهو يغرد منشور في الفيس وحين سمعت صوت الهدد هذا قادني التفكر في هذا الكائن الصغير وصوته هذا الذي قال عبره لسيدنا سليمان الذي اؤتي ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فجاءت هذه الخاطرة اداناه.

حين نستمع إلى صوت الهدهد، قد يراه بعضنا جميلًا، وقد يراه آخرون صوتًا عاديًا أو غير مستساغ. وفي الحالتين يظل حكمنا الأول أسير ما تلتقطه الأذن وما يتشكل في الذوق الإنساني: إنه في ظاهره صوت طائر، له نبرات وإيقاع يمكن وصفهما وتحليلهما. لكن القرآن ينقلنا من هذا الظاهر المحدود إلى أفق أوسع؛ إذ يكشف أن عالم الطير ليس مجرد أصوات وحركات بلا معنى، وأن وراء ما ندركه بوسائلنا المحدودة نظامًا من التواصل والإدراك والوظائف لا نحيط به كله.
وقد علَّم الله سليمان عليه السلام منطق الطير:
﴿وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ
تحليل هذا المقطع اصبح مقالا من نموذجين سارسله لك وشوفي تنشريه تحت شنو فهو ليس ضمن سلسلة العامود
ممكن تسميه تاملات قرآنية.
او خواطر
[6:56 pm, 13/08/2026] د.طارق الصادق: خواطر من وحي التحليل المضموني للقرآن العظيم
وجدت مقطعا منشور في الفيس وحين يبين صوت الهدد، سمعت صوت الهدد هذا قادني التفكر في هذا الكائن الصغير وصوته هذا الذي. قال عبره لسيدنا سليمان الذي اؤتي ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فجاءت هذه الخاطرة اداناه.

صوت الهدهد بين ظاهر السماع وحقيقة الدلالة

حين نستمع إلى صوت الهدهد، قد يراه بعضنا جميلًا، وقد يراه آخرون صوتًا عاديًا أو غير مستساغ. وفي الحالتين يظل حكمنا الأول أسير ما تلتقطه الأذن وما يتشكل في الذوق الإنساني: إنه في ظاهره صوت طائر، له نبرات وإيقاع يمكن وصفهما وتحليلهما. لكن القرآن ينقلنا من هذا الظاهر المحدود إلى أفق أوسع؛ إذ يكشف أن عالم الطير ليس مجرد أصوات وحركات بلا معنى، وأن وراء ما ندركه بوسائلنا المحدودة نظامًا من التواصل والإدراك والوظائف لا نحيط به كله.
وقد علَّم الله سليمان عليه السلام منطق الطير:
﴿وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.
ثم تكشف قصة الهدهد عن طائر لم يكن حضوره في مملكة سليمان حضورًا شكليًا؛ بل كان راصدًا وجامعًا للمعلومات، قادرًا على التمييز بين الخبر والنبأ، وعلى إدراك واقع سياسي واجتماعي وعقدي في مملكة سبأ. لقد قال لسليمان:
﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
وهنا ينبغي ضبط الدلالة: لا نستطيع أن نزعم أن كل صوت نسمعه من الهدهد يحمل بالضرورة خطابًا مماثلًا لما ورد في القصة؛ فهذا مما لا دليل لنا عليه. لكن الذي يثبته النص أن حدود إدراك الإنسان ليست هي حدود الحقيقة، وأن عجزنا عن فهم لغة كائن ما لا يعني خلو سلوكه من الدلالة أو الإدراك أو النظام.
هذه المسافة بين ما يظهر للإنسان وما تشتمل عليه الحقيقة يصفها القرآن وصفًا بالغ الدقة:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
فالآية لا تذم العلم بالظاهر في ذاته، ولا تلغي قيمة الملاحظة والتجربة؛ وإنما تنتقد الوقوف عند الظاهر وتحويله إلى الحقيقة كلها، الخلل ليس في أن يعرف الإنسان الظواهر، بل في أن يظن أن ما أدركه بحواسه وأدواته هو نهاية المعرفة، وأن ما لم يخضع للقياس المادي لا وجود له ولا أثر.
وفي هذا قال احد اساطين فلسفة العلوم الحديثة ومن بناة الحداثة في تعريفه لها ان معرفتهم المنظمة “العلم” ( انها تسعى الى معرفة العلاقات بين الظواهر الاجتماعية والطبيعية وتحاول تحليلها وتفسيرها ومن ثم محاولة التنبؤ بها مستقبلا ولكنها لا تسعى باي حال الى معرفة كنه هذه الظواهر) اي انه انتهى الى انها تقف عند حدود ظاهر هذه الظاهر وما يبدو منها للعين ويستوعبه عقله المحدود ولا يدعي انه يستطيع أن يسبر غورها مؤكدا قصور هذه المرجعية الفلسفية ومنهجها وادواتها.
ولهذا لم تقف الآيات عند تشخيص هذا القصور، بل نقلت الإنسان مباشرة من العلم السطحي إلى التفكر الكلي:
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
فالتفكر القرآني لا ينظر إلى الأشياء بوصفها موجودات مادية منفصلة؛ بل يربطها بثلاث حقائق كبرى: الخلق، والحق، والأجل. إنها مخلوقة وليست موجودة بذاتها، ومخلوقة بالحق لا عبثًا، ومحكومة بأجل لا تسير في فراغ بلا نهاية أو حساب.
ثم تنتقل الآيات من النظر في النفس والكون إلى السير في التاريخ:
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ… وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾.
وهنا تظهر إحدى الحقائق المركزية في مشروع النظام المعرفي القرآني: فالمشاهدة وحدها لا تكفي، كما أن جمع المعلومات لا ينتج بالضرورة معرفة راشدة. فقد يرى الإنسان قوة الأمم السابقة وعمرانها المادي، لكنه لا يفهم أسباب انهيارها إلا إذا انتقل من وصف الحدث إلى اكتشاف السنن التي حكمته، ومن رصد القوة إلى معرفة وجهتها الأخلاقية والرسالية.
ومن ثم فإن النظام المعرفي القرآني لا يعارض المعرفة التجريبية، بل يضعها في موضعها الصحيح داخل رؤية كلية. فالحواس ترصد، والعقل يحلل ويربط، والتجربة تختبر، والتاريخ يكشف العواقب؛ أما الوحي فيمنح هذه المعارف مرجعيتها وغايتها، ويكشف ما لا تستقل الحواس والعقول بإدراكه من الغيب والمعنى والمآل.
إن صوت الهدهد هنا ليس موضوع الخاطرة وحده، بل نافذة على قضية معرفية أوسع: كم من الأصوات والأفعال والظواهر الاجتماعية والطبيعية نراها ونقيسها ونصنفها، ثم نظن أننا بذلك قد عرفناها! وكم من ظاهرة اجتماعية نصف شكلها وإحصاءاتها، بينما تغيب عنا أسبابها العميقة وسنن نشأتها ومآلاتها!
لقد رأى الناس طائرًا صغيرًا، لكن الوحي كشف لنا وراءه عينًا راصدة، وخبرًا يقينًا، وموقفًا من الشرك، ودورًا في حركة الدعوة والتغيير. وهكذا يعلّمنا القرآن أن الحقيقة أوسع من المشاهَد، وأن العلم لا يكتمل بتكديس المعلومات، بل باكتشاف معناها وموقعها في نظام الخلق ومسار الاستخلاف ومآل الإنسان.
فالظاهر بداية المعرفة، لا نهايتها؛ والمشاهدة أداة معتبرة، لا مرجعية مطلقة؛ والعقل قوة عظيمة، لكنه لا يستغني عن نور الوحي الذي يهديه إلى ما وراء الصوت والصورة والحركة: إلى الحقيقة والغاية والسنة والعاقبة. آيات الروم 7–9⁠، قصة الهدهد في سورة النمل⁠.
وقد كشفت هذه الخاطرة التي جاءت على صوت الهدهد مدخلًا معرفيًا عميقًا هو ان: الظاهر لا يُلغى، لكنه لا يستقل بتفسير الحقيقة؛ وهذه من أهم القواعد التي يقوم عليها مشروعنا الذي اسميناه النظام المعرفي القرآني

النموذج الثاني النملة الحكيمة
هذا عن الهدد وهناك ايضا ذكر تلك النملة الحكيمة، العليمة بما حولها، المحللة للوقائع، المدركة للمآلات، الراشدة في القرارات:
“حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم، لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون”.
وهذا يدل ان لله في خلقه شؤون
وقوله أمم امثالكم يحتاج الى تحليل عميق
وادناه مدخل الى هذا التحليل، ويمكن أن يتحول هذا المدخل إلى نص تأسيسي مهم في مشروعنا النظام المعرفي القرآني؛ لأن الهدهد والنملة، مع قوله تعالى: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، تكشف جميعًا قصور التصور الذي يحصر الموجودات غير الإنسانية في المادة والغريزة العمياء.
لكن يلزمنا ضبط مهم: لا تعني «أمم أمثالكم» أن الحيوانات مماثلة للإنسان في جميع خصائصه أو في التكليف والمسؤولية؛ بل تدل على اشتراكها معه في أصل الانتظام الجماعي، والتدبير الإلهي، والتواصل، وتوزيع الوظائف، والخضوع للسنن، مع بقاء خصوصية الإنسان في الاستخلاف والتكليف.
أمم أمثالكم: من عالم الحيوان إلى مجتمع المخلوقات
حين يسمع الإنسان صوت الهدهد، أو يرى صفًّا من النمل يتحرك، فقد لا يدرك إلا صوتًا أو حركة غريزية متكررة. لكن القرآن يكشف له أن ما يراه من الخارج ليس كل الحقيقة؛ فخلف الصوت دلالة، وخلف الحركة نظام، وخلف الاجتماع وظائف وعلاقات، وخلف سلوك المخلوقات تقدير إلهي لا يحيط الإنسان منه إلا بما أُتيح له.
يقول الله تعالى:
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
لا يصف القرآن الحيوانات هنا بأنها أفراد متناثرة تتحرك بلا نظام، وإنما يسميها أممًا. واختيار مفهوم «الأمة» بالغ الدلالة؛ لأنه يشير إلى جماعات تجمع أفرادها خصائص مشتركة، وأنماط من الحياة والتكاثر والتواصل والتعاون والدفاع، ومسارات تحفظ وجودها واستمرار نوعها.
أما قوله تعالى: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ فلا يعني المماثلة المطلقة؛ فليس الحيوان إنسانًا آخر، ولا يحمل مسؤوليته الأخلاقية والشرعية نفسها. وإنما هي مماثلة من وجوه، واختلاف من وجوه: أمم لها نظمها، وطرائق تواصلها، وأرزاقها وآجالها، وعلاقاتها ببيئاتها، وتخضع جميعها لعلم الله وتقديره، ثم تُحشر إليه.
وبذلك تصحح الآية مركزية الإنسان المتضخمة: فالإنسان ليس الكائن الوحيد الذي يعيش داخل نظام اجتماعي، وليس عدم فهمه للغات المخلوقات دليلًا على خلوها من التواصل والمعرفة المناسبة لطبيعتها.
النملة التي قرأت المشهد
يتجلى هذا المعنى في قول الله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
هذه النملة ليست عنصرًا هامشيًا في القصة، بل تقدم نموذجًا مكثفًا للإدراك والقيادة الوقائية. فقد اشتمل خطابها القصير على منظومة متكاملة من العمليات:
إدراك الواقع: رأت سليمان وجنوده، ولم تتعامل مع حركة الجيش بوصفها مشهدًا عابرًا.
تحديد الخطر: أدركت أن مرور الجيش قد يؤدي إلى تحطيم النمل.
استشراف المآل: لم تنتظر وقوع الكارثة، بل انتقلت من المعطيات الحاضرة إلى النتائج المحتملة.
تحمل المسؤولية الجماعية: لم تنجُ بنفسها وتصمت، وإنما خاطبت أمتها وحذرتها.
اتخاذ القرار المناسب: حددت إجراءً واضحًا وقابلًا للتنفيذ: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾.
اختيار الملاذ الصحيح: لم تدعُ إلى مواجهة غير متكافئة أو فرار عشوائي، بل وجّهت إلى المسكن بوصفه موضع الحماية.
سرعة الاتصال والتعبئة: نقلت الإنذار في الوقت الذي ما تزال فيه الوقاية ممكنة.
العدل في تفسير سلوك الآخرين: قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، فلم تنسب إلى سليمان وجنوده قصد العدوان؛ بل فرقت بين الضرر المتوقَّع والنية المتعمدة.
وهذه النقطة الأخيرة من أعجب ما في خطابها. فالنملة لم تكتفِ بقراءة القوة والخطر، بل قرأت أيضًا حدود وعي الطرف الآخر. لقد أدركت أن الجيوش الكبيرة قد تسحق الكائنات الصغيرة دون أن تراها، وأن الأثر المدمر قد يقع بغير قصد.
ولهذا فإن وصفها بأنها «حكيمة» أو «راشدة» مقبول بوصفه استنباطًا من بنية خطابها، لا ادعاءً بأنها تملك عقلًا إنسانيًا مماثلًا لعقل الإنسان. والقرآن لم يفصّل لنا طبيعة إدراكها، وإنما نقل كلامًا يكشف عن معرفة مناسبة لعالمها ووظيفتها.
حضارة القوة وصوت الكائن الضعيف
تضع الآية أمامنا صورة بالغة العمق: سليمان عليه السلام في ذروة القوة والتمكين، تحيط به جنوده من الجن والإنس والطير، وفي الجهة الأخرى نملة صغيرة تخشى أن تُسحق أمتها تحت حركة ذلك الجمع العظيم.
ومع ذلك لم يُسكت القرآن صوتها، بل خلّده وسمّيت السورة باسم أمتها. وكأن النص يقرر أن الرؤية الكلية للعمران لا تُبنى من منظور أصحاب القوة وحدهم؛ بل يجب أن تسمع أيضًا الكائن الصغير الذي قد يدفع ثمن حركة الأقوياء من غير أن يشعروا به.
وهنا يظهر مبدأ أخلاقي وعمراني مهم: عدم القصد لا ينفي وقوع الضرر. قد تنشئ دولة أو مؤسسة مشروعًا كبيرًا لا تقصد به إهلاك الضعفاء، لكنه يسحق مصالحهم أو بيئاتهم لأنها لم ترهم أصلًا. ومن ثم لا تكفي سلامة النيات، بل يلزم وعي المآلات، ورصد الآثار غير المقصودة، وإدخال صوت الفئات الأضعف في القرار.
لقد برّأت النملة سليمان وجنوده من تعمد الضرر، لكنها لم تنكر الخطر؛ فجمعت بين حسن الظن والاحتياط، وبين عدالة الحكم وواقعية التدبير.
الهدهد والنملة: نموذجان معرفيان
الهدهد والنملة في سورة النمل لا يؤديان الوظيفة نفسها:

*الهدهد
#النملة
*اكتشف واقعًا بعيدًا
#رصدت خطرًا قريبًا
*جاء بمعلومة استراتيجية
#أصدرت إنذارًا وقائيًا
*كشف انحرافًا عقديًا وسياسيًا
#حمت أمتها من ضرر مادي
*خاطب القيادة العليا
قال: ﴿جِئْتُكَ… بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾
#خاطبت جماعتها
قالت: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾
*نموذج لجمع المعلومات والتحقق
#نموذج لتحليل المخاطر وإدارة الأزمة
والجامع بينهما أنهما كسرا احتكار الإنسان للمعرفة داخل المشهد. فالهدهد أحاط بما لم يحط به سليمان في تلك اللحظة، والنملة أدركت خطرًا كان الجيش قد يوقعه وهو لا يشعر.
ليست العبرة أن الحيوان أعلم من الإنسان على الإطلاق، وإنما أن المعرفة موزعة، وأن صاحب السلطان لا يحيط بكل شيء، وأن المعلومة النافعة قد تأتي من أصغر عنصر في النظام. لذلك لم يرفض سليمان خبر الهدهد استعلاءً، ولم يسخر من كلام النملة، بل تبسم من قولها، وتحقق من النبأ قبل بناء القرار عليه.
من المعرفة المسطّحة إلى المعرفة القرآنية
تكشف هذه الآيات أحد الفروق الجوهرية بين الرؤية المادية المغلقة والنظام المعرفي القرآني. فالرؤية المادية قد تدرس صوت الطائر، وتركيب جهازه الصوتي، وسلوك النمل، وإشاراته الكيميائية، وتنظيم مستعمراته؛ وكل ذلك علم نافع. لكن القصور يبدأ حين تتحول هذه الأدوات إلى فلسفة تدّعي أن ما قاستْه هو الحقيقة كلها.
أما النظام المعرفي القرآني فيستوعب الملاحظة والتجربة، ثم يربطهما بمستويات أعمق:
المشاهدة: صوت، حركة، جماعة، بيئة.
المفهوم: تواصل، أمة، إنذار، معرفة.
النسق: علاقات ووظائف وتوزيع للأدوار.
السنة: ارتباط الأخذ بالأسباب بالنجاة، والغفلة بالمخاطر.
القيمة: الرحمة، المسؤولية، التثبت، وعدم الظلم.
الغاية: انتظام الخلق في العبودية ودلالة الموجودات على الخالق.
المآل: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
ومن هنا لا ينظر النظام المعرفي القرآني إلى العالم بوصفه مخزنًا من الأشياء الصامتة التي ينتفع بها الإنسان فحسب، بل بوصفه مجتمعًا واسعًا من المخلوقات والآيات والأمم؛ لكل مخلوق موقع ووظيفة، وكلها خاضعة لله:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿لَا تَفْقَهُونَ﴾ بالغ الدلالة؛ فهو لا ينفي وجود التسبيح، بل ينسب القصور إلى أدوات الإدراك الإنساني. فما لا نفقهه ليس بالضرورة خاليًا من المعنى.
وقصارى القول يعلّمنا الهدهد أن وراء الصوت خبرًا قد لا نفهمه، وتعلمنا النملة أن وراء الحركة مجتمعًا ووعيًا بالخطر وتدبيرًا للنجاة، وتقرر آية ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أن الإنسان يعيش وسط أمم من المخلوقات، لا وسط أشياء جامدة بلا شأن.
إنها دعوة إلى التواضع المعرفي: ألا نجعل حدود أدواتنا حدودًا للحقيقة، ولا نجعل عجزنا عن فهم شيء دليلًا على عدم وجود معناه. كما أنهات دعوة عمرانية إلى إصغاء القيادة للأصوات الصغيرة؛ فقد يحمل الهدهد معلومة غابت عن الملك، وقد ترى النملة أثرًا لا يشعر به الجيش.
وهنا تتجلى قاعدة من قواعد النظام المعرفي القرآني:
الكون ليس مادة صامتة، بل خلقٌ ذو نظام ودلالة؛ والإنسان ليس مالك الحقيقة، بل متعلّمٌ مكلَّف، لا تكتمل رؤيته بالمشاهدة وحدها، وإنما بهداية الوحي والتفكر في الآيات واكتشاف السنن ومراعاة المآلات.
وقد تكامل النصان: الهدهد يكشف حدود المعرفة، والنملة تكشف حدود القوة، و﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ تؤسس لرؤية قرآنية شاملة لعالم المخلوقات. وهذا يصلح مبحثًا مستقلًا بعنوان:
مجتمع المخلوقات في النظام المعرفي القرآني: المعرفة والتواصل والعمران من الهدهد إلى النملة
بل يمكن ان لا يقف عند الهدهد والنملة بوصفهما قصتين، بل يفتح بابًا معرفيًا واسعًا لدراسة مجتمع المخلوقات كما يقدمه القرآن، ومن أبرز حقائقه:
المخلوقات أمم وليست أفرادًا مبعثرة: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
لها أنظمة للتواصل لا يحيط الإنسان بها: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾.
لديها من الإدراك ما يلائم تكوينها ووظيفتها.
قد تحمل معرفة تغيب عن الإنسان: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾.
تمارس صورًا من التنظيم والإنذار والحماية الجماعية.
تعبد الله وتسبحه، وإن عجز الإنسان عن فقه تسبيحها.
تخضع لنظام الرزق والأجل والهداية والتسخير.
لها حضور في ميزان العدل والحشر الإلهي.
ليست مجرد موارد مسخّرة للاستغلال، بل آيات ومجتمعات لها مكانها في نظام الخلق.
ويبدو أن العنوان الأنسب للمشروع البحثي سيكون:
مجتمع المخلوقات في النظام المعرفي القرآني: المعرفة والتواصل والعمران من الهدهد إلى النملة
الذي يمكن أن يتوسع لاحقًا إلى كتاب بعنوان أشمل:
مجتمع المخلوقات في النظام المعرفي القرآني: دراسة في أمم الحيوان ولغات الوجود وسنن العمران
يمثل الهدهد والنملة مدخله التطبيقي، ثم ينتقل إلى النحل والنحل، والعنكبوت، والنحل، والغراب، والنحل والنمل والطير والأنعام. والأدق أن يُبنى على أربعة محاور: الأمة، والإدراك، والتواصل، والوظيفة العمرانية؛ مع الاحتراز من إسقاط المفاهيم الإنسانية على الحيوان أو تحويل الإشارات القرآنية إلى دعاوى علمية لا يحتملها النص.

Leave A Reply

Your email address will not be published.