من عمق المشهد| د. ست البنات حسن أحمد تكتب ….. بين تطمينات الوزير وقلق المطر.. هل تُنقذ الوعود سلة الغذاء؟

57

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد
بين تطمينات الوزير وقلق المطر.. هل تُنقذ الوعود سلة الغذاء؟

حين تتجه أنظار الملايين من المزارعين صوب السماء في ترقب مشوب بالوجل، وحين تصدح المآذن بصلاة الاستسقاء في بوادي السودان وأريافه، لا يكون المشهد مجرد طقس سنوي معتاد، بل معركة وجودية تلامس لقمة العيش وشريان الحياة. فالخريف في وجدان هذا الشعب ليس تقلباً مناخياً عابراً، بل هو الميزان الحقيقي لقوت العام، ومحدد أسعار الأسواق، وحامي البلاد من شبح المجاعة.

في ذروة هذا القلق من انحباس الأمطار وتأخرها في ولايات استراتيجية، خرجت وزارة الزراعة والري بتصريحات حاسمة قطعت فيها بأن الموسم الحالي سيكون “مرضياً ومختلفاً”، معلنةً عن استنفار البنك الزراعي لتأمين الوقود والتقاوي، والرهان على ما تبقى من فصول الخريف لتعويض البدايات العاثرة. غير أن قراءة المشهد من عمقه تقتضي تفكيك هذا التفاؤل الرسمي بمنظور الواقع، ووزنه بموازين الأرض وتقييمه وفق الحسابات والأرقام الفعلية ..

أولاً: أزمة سياق.. الزراعة تحت وطأة الحرب
لا يمكن فهم حقيقة الأزمة بمعزل عن الواقع المأساوي الذي فرضته الحرب الدائرة. فالأرض السودانية، التي كانت تزرع تاريخياً ما يقارب 45 مليون فدان في القطاعين المطري والمروي، تقلصت مساحاتها المحصودة بفعل النزاع، وتراجع النشاط الزراعي في مساحات شاسعة كانت تشكل عماد الحبوب في الجزيرة، سنار، النيل الأزرق، وأقاليم كردفان ودارفور.
ووفقاً لتقارير وتقييمات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، واجه السودان عجزاً ملحوظاً في إنتاج الحبوب الاستراتيجية، حيث هبط إنتاج الحبوب بنسبة تصل إلى نحو 22%، في ظل حاجة استهلاكية سنوية تتجاوز 7.7 ملايين طن من الحبوب لسد الرمق، وسط خروج مشاريع كبرى عن الخدمة أو تعطل سلاسل إمدادها. لذا، فإن تأخر المطر هذا العام لا يصادف قطاعاً معافى يملك ترف الصبر، بل يصادف جسداً زراعياً منهكاً، يعاني مسبقاً من هشاشة التمويل، ونقص السيولة، وصعوبة الوصول الآمن إلى الحقول

ثانياً: أبعاد الخطاب الرسمي.. مناورة التثبيت النفسي
إن تصريحات وزير الزراعة بحتمية نجاح الموسم يمكن تفكيكها إلى عدة مقاصد أساسية:
تثبيت الأسواق وكبح المضاربات: لا شك أن الهاجس الأكبر لأي سلطة تنفيذية هو الحيلولة دون انفلات أسواق المحاصيل الحيوية كالذرة والدخن والسمسم. فإبداء القلق علناً يعني إطلاق يد الوسطاء والمضاربين في تخزين الغلال ورفع الأسعار إلى مستويات تعجز عنها الأسر المنهكة.
الرهان على التدخل الإداري والتمويلي: محاولة طمأنة المزارع بأن شريان المدخلات لن ينقطع، وأن الدولة قادرة عبر أذرعها المصرفية على توفير الجازولين والتقاوي المحسنة، وهي رسالة تستهدف تشجيع المزارع المتردد على وضع البذرة في الأرض وعدم مغادرة دائرة الإنتاج
التعويل على المرونة المناخية: يراهن الخطاب على دورات الخريف السوداني المتقلبة، حيث كثيراً ما تعوّض هطولات شهر أغسطس وسبتمبر شح البدايات، مع التعويل على أصناف المحاصيل سريعة النضج التي تتواءم مع قصر الموسم.

ثالثاً: الفجوة بين الوعد المكتبي والواقع الميداني
المعضلة الجوهرية ليست في نبل المقاصد، بل في “فجوة التنفيذ”. فالأرقام والتطمينات التي تُنسج في المكاتب الرسمية تصطدم في الحقول بأسئلة شائكة يطرحها أصحاب الوجعة:
ما جدوى التمويل إذا كانت تكلفة التشغيل والنقل قد قفزت إلى أرقام فلكية تبتلع أرباح المزارع قبل الحصاد؟
كيف تُستثمر التقاوي والوقود إذا كانت مسارات الإمداد تعترضها المخاطر الأمنية وإغلاق الطرق الحيوية؟
وهل يملك البنك الزراعي بالفعل السيولة الكافية والتغطية الجغرافية الآمنة للوصول إلى صغار المزارعين الذين يمثلون حجر الزاوية في الزراعة المطرية التقليدية؟

كلمة أخيرة.. في الميزان
إن التفاؤل مطلوب لبث الأمل في نفوس المنهكين، لكن التفاؤل غير المشروط بالإنجاز العملي يتحول إلى فخ يُضاعف الصدمة عند موسم الحصاد. إنقاذ الموسم الزراعي لن يتحقق بالبيانات والتصريحات الجزافية، بل بتدابير فورية وميدانية تقيس توفر الوقود بالجالون في الموقع، وتضمن وصول التقاوي للمزارع في وقتها بلا إبطاء، وتوفر شبكات أمان تمنع المزارع من الإفلاس إذا ما تقلب الطقس.
يبقى الرهان الأصدق والأبقى—كما كان دوماً عبر تاريخ هذا البلد—على عزم ذلك المزارع السوداني الكادح وقدرته الخارقة على الصبر والتكيف، متطلعاً إلى السماء بيقين، وممسكاً بمحراثه رغم الحرب والفاقة، أملاً في أن تخضرّ الأرض وتنتصر سلة الغذاء على كل العثرات.
لمتابعة التقرير التحليلي حول تحديات الأمن الغذائي وإنتاج الحبوب في السودان، يمكن مشاهدة هذا التقرير: تقرير الفاو حول انخفاض إنتاج الحبوب في السودان، حيث يسلط الضوء على تراجع معدلات الإنتاج وتأثير الحرب والمدخلات على تأمين الغذاء.

رابط الفيديو

.

Leave A Reply

Your email address will not be published.