5

 

 

 

 

د.طارق الصادق: تعليق على مقال السفير د. كرار التهامي الموسوم ب
تاجيل الالم ….. الحكومة التي يستحقونها (١-٢)
دكرار التهامي ٧-٨-٢٠٢٦

كتبت ذات العنوان في مقال سابق نشرته الرواية الاولى بتاريخ ٥-٥-٢٠٢٥ وتحدثت عن ماهية الحكومة التي يستحقها الشعب السوداني ولكن سؤال الراهن يطرح فرضية مضادة اذ ماهو الشعب الذي تستحقه الحكومة؟
▪️ ان فكرة “الحكومة التي يستحقونها” وردت في كتاب بالإنجليزية للمفكر الراحل منصور خالد بعوان
“The Government They Deserve ”
يتناول دور النخب السودانية في التطور السياسي والحكومات التي لم تشف غليل الشعب السوداني وتوقه للحوكمة والدولة الرشيدة والديمقراطية
▪️والعبارة ليست من بنات افكار منصور فهي كانت متداولة في ادبيات السياسة منذ عقود طويلة قالها ونستون تشرشل قبل سبعين عام “كل شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحقها.” وسبقه توماس جيفرسون الرئيس ال…
[ د.طارق الصادق: وادناه تعليقي عليه
د.طارق الصادق: تعليق على مقال السفير د. كرار التهامي الموسوم ب
تاجيل الالم ….. الحكومة التي يستحقونها (١-٢)
أثار السفير الدكتور كرار التهامي قضية بالغة العمق، وهي العلاقة بين المجتمع والسلطة، وهل تُصلح الدولة المجتمع أم أن المجتمع هو الذي يصنع دولته. وهذه القضية تمثل في الحقيقة أحد المحاور الرئيسة التي نعالجها في مشروع النظام المعرفي القرآني وعلم العمران الاستخلافي السنني.
ولعل من حسن التوافق أن المقال الأول من سلسلتنا التي بدأت صحيفة وادي النيل الإلكترونية نشرها في 25 يوليو تحت عنوان «التمكين بين القرآن والخطاب السياسي» انطلق من الفكرة نفسها، وهي أن القرآن لا ينظر إلى السلطة بوصفها غايةً يتنافس عليها الناس، وإنما بوصفها ثمرةً لبناء الإنسان والأمة وإقامة العدل.
ولهذا جاءت المقالات اللاحقة لتبين أن القرآن يعكس ترتيبًا مختلفًا تمامًا عما اعتاده الفكر السياسي؛ فبعد الحديث عن التمكين جاء عنوان «القرآن لا يبحث عن دولة إسلامية… بل يبني أمةً مستخلفة»، ثم «العلم قبل السلطة: لماذا بدأ سليمان بالمعرفة؟»، ثم «القيادة في القرآن: صناعة الإنسان قبل صناعة الحاكم»، ثم «المعلومات وصناعة القرار»، ثم «الشورى»، لتتوالى بقية المقالات السبع عشرة المستخرجة من الوحدة المضمونية في سورة النمل، وكلها تؤكد أن السلطة في القرآن ليست بداية المشروع الحضاري، وإنما هي إحدى نتائجه.
ومن هنا فإن قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل هو قانون سنني يحكم العلاقة بين المجتمع والدولة. فالتغيير يبدأ من الإنسان، ثم الأسرة، ثم المجتمع، ثم تنعكس آثاره على مؤسسات الحكم. ولهذا لم يبدأ القرآن مع سليمان عليه السلام بوصف عرشه أو جيشه، وإنما بدأ بقوله تعالى:
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 16].
فكانت المعرفة قبل السلطة، والعلم قبل التمكين.
ولذلك فإن الحديث المشهور: «كما تكونوا يُولَّى عليكم» – مع ما قيل في درجته من جهة الإسناد – ينسجم في معناه مع هذا القانون القرآني، دون أن يكون هو الأصل المؤسس، لأن الأصل هو القرآن نفسه.
وقد سبق ابن خلدون إلى تقرير أن الدول انعكاس لقوة المجتمع وعصبيته وقيمه، وأكد مالك بن نبي أن أزمة الأمة تبدأ من قابلية المجتمع لا من شكل السلطة، كما انتهى ألكسيس دو توكفيل إلى أن المؤسسات الديمقراطية لا تعيش إلا إذا استندت إلى أخلاق المجتمع، وقرر فرانسيس فوكوياما أن الثقة المجتمعية هي الأساس الحقيقي لنجاح الدولة.
غير أن القرآن يضيف بعدًا أعمق؛ إذ يجعل الإيمان والقيم والسنن الإلهية هي المرجعية التي تنتج الإنسان، ويُنتج الإنسان المجتمع، ويُنتج المجتمع الدولة. فالحكومة ليست صانعةً للشعب ابتداءً، كما أن الشعب ليس معذورًا في فساد حكامه؛ بل كلاهما يخضع لسنن الله في العمران.
ولهذا فإن ما طرحه السفير الدكتور كرار حول «القدرة الأخلاقية على تأجيل الألم» زمن الأزمات ينسجم مع قوله تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
وقوله سبحانه:
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: 104].
وفي الحديث الشريف: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً».
غير أن الصبر في المنهج القرآني لا يعني تعطيل المحاسبة، كما أن المحاسبة لا تعني هدم الدولة؛ فلكل مرحلة أخلاقها، ولذلك كان من أعمق ما انتهى إليه المقال أن أخلاق الحرب ليست هي أخلاق السلام، وهي فكرة يؤكدها القرآن في تدرجه بين حفظ الكيان زمن الخطر، ثم إقامة العدل والمساءلة بعد استقرار الأوضاع.
وأحسب أن الحوار الذي افتتحه الدكتور كرار يمثل فرصة لإعادة بناء فلسفة السلطة في السودان على أسس أعمق من مجرد التنافس السياسي؛ وهو ما نسعى إليه في هذه السلسلة المستمدة من الوحدة المضمونية في سورة النمل، والتي تحاول أن تنقل النقاش من سؤال: «من يحكم؟» إلى سؤال أكثر جوهرية:
“كيف يبني القرآن الإنسان والأمة القادرين على إنتاج الحكم الراشد؟”.
وهذا هو، في تقديري، مفتاح الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحضارة.
ولعل من أهم ما تكشفه الوحدة المضمونية في سورة النمل أن القرآن لا يؤسس نظرية في الحكم بقدر ما يؤسس نظرية في الاستخلاف والعمران. فالسلطة ليست هي البداية، ولا هي النهاية، وإنما هي إحدى أدوات تحقيق رسالة الأمة.

ومن هنا جاءت المقالات السبع عشرة المستخرجة من هذه الوحدة متدرجة تدرجًا مقصودًا؛ فلم تبدأ بالحاكم، وإنما بدأت بالرؤية والتمكين، ثم بناء الأمة، ثم العلم، ثم القيادة، ثم المعلومات، ثم صناعة القرار، ثم الشورى، ثم إدارة القوة، ثم العلاقات الدولية، ثم الاقتصاد، ثم العدالة… وكأن القرآن يريد أن يقول: إذا بُنيت هذه المنظومة نشأت السلطة الراشدة تلقائيًا، أما إذا اختلت فلا يمكن إصلاح الدولة بمجرد تغيير الحكومات.

ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه الدكتور كرار: «ما الشعب الذي تستحقه الحكومة؟» يمثل في الحقيقة الوجه الآخر للسؤال الذي يطرحه القرآن: «كيف نصنع الإنسان الذي يستحق حمل أمانة الاستخلاف؟».
وهنا يلتقي التحليل السياسي مع السنن القرآنية؛ فإصلاح السلطة يبدأ من إصلاح منظومة المعرفة، وإصلاح منظومة المعرفة يبدأ من الوحي، ثم ينعكس على الإنسان، فالمجتمع، فالدولة، فالحضارة. وهذا هو المسار الذي نسعى إلى تأصيله في مشروع النظام المعرفي القرآني وعلم العمران الاستخلافي السنني.

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.