الثقافة السودانية: صمود أم اندثار في زمن الحرب؟

7

 

د. ست البنات حسن

يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي وإنساني بالغ القسوة، حيث لا تعصف الحرب بالبنية التحتية والاقتصاد وحدهما، وإنما تمتد آثارها العميقة إلى استهداف الهوية الوطنية، والتراث الثقافي، والذاكرة الجمعية للسودانيين. فالحروب لا تهدم المدن فقط، بل قد تهدم أيضاً ما هو أخطر؛ إذ تضرب الوعي المشترك الذي تتأسس عليه الأمم.
وفي ظل تدمير المؤسسات الثقافية، ونهب المتاحف، وتشريد المبدعين، يبرز سؤال ملح: هل تواجه الثقافة السودانية خطر الاندثار، أم أنها تمتلك من عوامل الصمود ما يمكنها من تجاوز هذه المحنة التاريخية؟
خسائر التراث والذاكرة… استهداف للهوية الوطنية

تعرض القطاع الثقافي في السودان خلال الحرب لخسائر غير مسبوقة. فقد تعرض المتحف القومي السوداني وعدد من المتاحف والمواقع الثقافية في الخرطوم لأعمال نهب وتخريب، وفقدت قطع أثرية تعود إلى حضارات كوش ومروي والممالك النوبية، وهي حضارات تمثل أحد أقدم الإرث الحضاري في إفريقيا.
كما تعرضت دور الوثائق والمكتبات والمؤسسات الثقافية لأضرار كبيرة، مما هدد وثائق تاريخية وأرشيفاً وطنياً يمثل ذاكرة الدولة والمجتمع. ولم تكن الخسارة مادية فحسب، بل مست المخزون المعرفي الذي يوثق لمسيرة السودان السياسية والثقافية والاجتماعية عبر عقود طويلة.
وتشير تقارير منظمات دولية، وفي مقدمتها اليونسكو، إلى أن حماية التراث أثناء النزاعات أصبحت إحدى أكثر القضايا إلحاحاً؛ لأن تدمير التراث لا يستهدف الماضي فقط، وإنما يستهدف مستقبل المجتمع وحق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها.
نزوح المبدعين… وتفكك جغرافية الإبداع

عرف السودان تاريخياً بحيوية حراكه الثقافي، حيث كانت الأحياء، والجامعات، ودور الثقافة، والمسارح، والمنتديات، والأسواق الشعبية، فضاءات طبيعية للإبداع وتبادل الأفكار.
لكن الحرب أدت إلى نزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، وكان من بينهم آلاف الأدباء، والفنانين، والباحثين، والإعلاميين، والموسيقيين، والتشكيليين. وتشير تقديرات المنظمات الإنسانية إلى أن الأزمة السودانية أصبحت من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث تجاوز عدد النازحين واللاجئين عدة ملايين، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الحياة الثقافية.
وقد أدى هذا التشتت إلى توقف العديد من المؤسسات الثقافية، وتعليق المهرجانات والمعارض والفعاليات الفنية، وانقطاع التواصل بين الأجيال، وهو ما أضعف البيئة المنتجة للإبداع، وإن لم يقض عليها.

الثقافة بوصفها مقاومة مدنية

ورغم قسوة المشهد، أثبتت الثقافة السودانية أنها ليست ترفاً اجتماعياً، وإنما إحدى أدوات الصمود الوطني.
ففي دول المهجر، نظمت الجاليات السودانية أمسيات شعرية، ومعارض تشكيلية، وفعاليات موسيقية، وندوات فكرية، كما ظهرت مبادرات شبابية لتوثيق الذاكرة الرقمية، وحفظ الأغاني الشعبية، والأمثال، والحكايات، والصور التاريخية.
كما أنتج الفنانون أعمالاً جديدة استلهمت معاناة الحرب وأحلام السلام، وأصبحت الأغنية والشعر والرسم وسائل للتعبير عن الألم، والمحافظة على الهوية، وتعزيز الانتماء الوطني.
وهذه الظاهرة ليست جديدة؛ فالتاريخ يبين أن كثيراً من الأمم أعادت بناء هويتها الثقافية بعد الحروب عبر الأدب والفنون أكثر مما أعادت بناءها عبر السياسة وحدها.

قوة التنوع الثقافي السوداني

يتميز السودان بتنوع ثقافي ولغوي وإثني يعد من أغنى صور التنوع في القارة الإفريقية.
فمن الثقافة النوبية في الشمال، إلى ثقافات الشرق، وثراء كردفان ودارفور، وإرث الجزيرة والبطانة والنيل الأزرق، تشكلت فسيفساء ثقافية نادرة صنعت الشخصية السودانية.
وهذا التنوع يمثل عنصر قوة لا عنصر ضعف؛ لأن الثقافة السودانية لا تقوم على مؤسسة واحدة أو مدينة واحدة، وإنما تعيش في الأغنية الشعبية، والحكاية، والأمثال، واللهجات، والحرف التقليدية، والزي، والعادات الاجتماعية، والذاكرة الشفوية التي تنتقل بين الأجيال.
ولهذا فإن تدمير المباني، مهما بلغ حجمه، لا يعني بالضرورة تدمير الثقافة نفسها.

من حماية الثقافة إلى إعادة بنائها

غير أن التعويل على قدرة الثقافة على الصمود لا ينبغي أن يقود إلى الاطمئنان؛ فالثقافة إذا تُركت دون حماية قد تفقد كثيراً من عناصرها مع مرور الزمن.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني متكامل لإعادة بناء القطاع الثقافي، يقوم على عدة محاور:
* إنشاء مشروع قومي لحصر وتوثيق جميع المقتنيات الثقافية والأثرية المفقودة أو المتضررة.
* رقمنة الوثائق والمخطوطات والأرشيف الوطني لحمايتها من الضياع مستقبلاً.
* دعم الفنانين والكتاب والباحثين المتضررين وتمكينهم من مواصلة إنتاجهم.
* إشراك الجامعات ومراكز البحوث في توثيق التراث المحلي والشفهي في جميع ولايات السودان.
* إدماج الثقافة في برامج إعادة الإعمار باعتبارها جزءاً من الأمن الوطني والتنمية المستدامة، لا قطاعاً ترفيهياً يمكن تأجيله.

الثقافة… حجر الأساس في إعادة بناء السودان

إن الحديث عن اندثار الثقافة السودانية يتجاهل عمقها الحضاري الممتد لآلاف السنين. فالحرب، مهما بلغت قسوتها، تستطيع أن تدمر المباني، لكنها لا تستطيع محو الذاكرة الجمعية لشعب ظل عبر تاريخه يعيد إنتاج ذاته بعد كل محنة.
غير أن هذا البقاء ليس قدراً تلقائياً، بل مسؤولية وطنية تتطلب عملاً منظماً لحماية التراث، ورعاية المبدعين، وإحياء المؤسسات الثقافية، وتوثيق الذاكرة الوطنية.
فالثقافة ليست مجرد سجل للماضي، وإنما هي الطاقة التي تبني المستقبل، والجسر الذي يربط بين أجيال السودان، والأداة الأهم لترميم النسيج الاجتماعي بعد الحرب.
ولعل أعظم ما يحتاجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب ليس إعادة بناء الحجر وحده، وإنما إعادة بناء الإنسان، ولن يتحقق ذلك إلا بثقافة حية تحفظ الذاكرة، وتعزز الهوية، وتؤسس لمستقبل أكثر تماسكاً وعدلاً وسلاماً

Leave A Reply

Your email address will not be published.