الحارث إدريس: سفير بقامة وطن

25

 

 

 

من عمق المشهد
د. ست البنات حسن

تفرض الأزمات الكبرى على الأوطان أن تخوض معاركها في أكثر من ميدان في الوقت نفسه؛ فبينما تُحسم المعارك العسكرية في الأرض بقوة السلاح وحسن التخطيط، تدور في قاعات مجلس الأمن ومنابر الأمم المتحدة ووسائل الإعلام العالمية معارك أخرى لا تقل أثرًا وخطورة. ففي تلك القاعات تُصاغ الروايات، وتُحدَّد المسؤوليات، وتُبنى المواقف الدولية، وتصدر القرارات التي قد تفرض العقوبات، أو تمنح الشرعية، أو تعيد تعريف النزاع وموقع أطرافه أمام العالم.
ولذلك لم تعد الدبلوماسية في زمن الحروب مجرد نشاط بروتوكولي، ولا وظيفة تقوم على تبادل المجاملات وإلقاء البيانات المحسوبة، بل أصبحت امتدادًا للجبهة الوطنية بأدوات مختلفة. وسلاحها ليس المدفع، وإنما المعلومة الدقيقة، والحجة القانونية، واللغة القادرة على كشف الوقائع، والحضور الذي يمنع الآخرين من احتكار الحديث عن الوطن أو التحدث باسمه.
وفي خضم الحرب التي تعصف بالسودان منذ أبريل 2023، برز اسم السفير الحارث إدريس الحارث، مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، بوصفه أحد أكثر الوجوه الدبلوماسية السودانية حضورًا في الدفاع عن سيادة البلاد، وشرح موقف الدولة، ونقل ما يتعرض له المواطنون من قتل وتهجير وانتهاكات إلى أعلى منبر دولي معني بالسلم والأمن.
ولم يبدأ حضور الحارث إدريس مع الحرب الراهنة، فقد قدّم أوراق اعتماده مندوبًا دائمًا للسودان لدى الأمم المتحدة في مايو 2022، في مرحلة كانت البلاد تعيش فيها اضطرابًا سياسيًّا وانتقالًا بالغ التعقيد. ومنذ ذلك الوقت ظهرت في خطاباته ملامح رؤية دبلوماسية تتجاوز التعامل مع الوقائع المنفردة إلى مساءلة بنية النظام الدولي نفسه، ولا سيما طرائق عمل مجلس الأمن والعلاقة غير المتكافئة بين الدول الكبرى والدول التي توضع قضاياها على طاولته.
ومن المواقف الدالة على ذلك انتقاده، في يونيو 2022، نظام «حامل القلم» في مجلس الأمن، وهو النظام الذي تنفرد بموجبه دولة معينة بصياغة مشروعات القرارات والبيانات المتعلقة بدولة أخرى. وقد طرح يومها سؤالًا بالغ الدلالة: كيف نضمن ألا يتحول «حامل القلم» إلى «حامل عصا»؟ وكان يقصد بذلك أن تتحول سلطة صياغة القرارات من أداة إجرائية إلى وسيلة ضغط، ولا سيما حين تكون الدولة التي تحتكر صياغة الملف هي القوة الاستعمارية السابقة للدولة المعنية.
تكشف هذه المداخلة المبكرة عن أن الحارث إدريس لم يدخل قاعة مجلس الأمن بمنطق الدفاع الاضطراري وحده، وإنما دخلها بوعي قانوني وسياسي بطبيعة القوة داخل المؤسسات الدولية. فمجلس الأمن ليس ساحة محايدة تمامًا، وصياغة القرار فيه ليست عملية لغوية بريئة؛ لأن من يملك صياغة العبارة الأولى يملك، إلى حد بعيد، تحديد زاوية النظر إلى القضية، وترتيب المسؤوليات، وتسمية الفاعلين والضحايا.
وعندما اندلعت الحرب، انتقل هذا الوعي من نقد بنية المؤسسة الدولية إلى الدفاع المباشر عن الدولة السودانية وروايتها. ففي جلسة مجلس الأمن المنعقدة في أغسطس 2023، رفض الحارث إدريس اختزال ما يجري في السودان في وصف مبسط يجعله مجرد حرب بين طرفين متساويين في المركز القانوني والمسؤولية. وطرح أمام المجلس رؤية الحكومة السودانية لطبيعة الحرب، وتحدث عن التدخل الخارجي، والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، والعنف الجنسي، ونهب الممتلكات، وضرورة احترام سيادة السودان عند البحث عن أي تسوية سياسية أو إنسانية.
وقد يختلف الناس سياسيًّا في تقييم بعض المواقف أو في توصيف جذور الحرب ومسؤوليات أطرافها، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أساسية: لا يجوز أن يغيب صوت السودان عن المنبر الذي تُبنى فيه المواقف الدولية تجاهه، ولا أن تترك الدولة روايتها نهبًا للتقارير الناقصة، والمصالح المتقاطعة، وحملات العلاقات العامة التي تمولها جهات تمتلك نفوذًا سياسيًّا وإعلاميًّا يفوق ما يمتلكه السودان.
وفي ديسمبر 2023، تقدم مندوب السودان أمام مجلس الأمن بمطالبة واضحة بفرض حظر على تدفق السلاح والعتاد إلى القوات المتمردة والمرتزقة، معترضًا على أن تؤدي نظم العقوبات الدولية إلى تقييد القوات الحكومية، بينما تستمر الجماعات المسلحة في الحصول على الإمداد والتمويل. ولم يكن جوهر هذه المطالبة دفاعًا عن موقف عسكري فحسب، بل إثارة لمسألة قانونية وأخلاقية تتعلق بالتناقض بين قرارات حظر السلاح وبين استمرار تدفقه عبر الحدود إلى ساحات الحرب.
أما المواجهة الأكثر وضوحًا، فقد شهدتها جلسة مجلس الأمن في 18 يونيو 2024، عندما اتهم الحارث إدريس دولة الإمارات بدعم قوات الدعم السريع بالأسلحة، وهي اتهامات ظلت الإمارات تنفيها. ولم يكتف بعرض الاتهام بصيغة عامة، وإنما ربط الدعم الخارجي، وفق موقف الحكومة السودانية، باستهداف القرى والمدن وباستمرار الحرب واتساع رقعة معاناة المدنيين.
وتكتسب هذه المواجهة أهميتها من أن تقريرًا لوكالة رويترز أشار في ذلك الوقت إلى أن خبراء مراقبة العقوبات التابعة للأمم المتحدة وصفوا بعض الاتهامات المتعلقة بوصول دعم عسكري إلى قوات الدعم السريع بأنها ذات مصداقية، مع استمرار الإمارات في نفي تقديم أي دعم عسكري إلى أي من طرفي الحرب. كما كان مجلس الأمن قد أصدر قرارًا يدعو الدول إلى الامتناع عن التدخل الخارجي الذي يؤجج الصراع، ويذكّرها بالتزاماتها إزاء حظر نقل السلاح إلى دارفور.
لم يكن السفير الحارث في تلك الجلسة يخاطب مندوب دولة بعينها وحده؛ بل كان يخاطب نظامًا دوليًّا كثيرًا ما يدين نتائج الحروب، بينما يتردد في مواجهة شبكات تمويلها وتسليحها. فالحديث عن حماية المدنيين يفقد كثيرًا من معناه إن لم يصحبه عمل جاد لوقف وصول السلاح والمال والمقاتلين إلى ساحات النزاع. ولا يكفي أن يصدر المجتمع الدولي بيانات الأسف بعد سقوط المدن وتشريد السكان، إذا كان عاجزًا عن تعطيل الوسائل التي تجعل استمرار الحرب ممكنًا.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات أداء الحارث إدريس: الانتقال من موقع المتلقي للاتهام إلى موقع المبادر بتوجيه السؤال. فالدول الضعيفة في ميزان القوة الدولي كثيرًا ما تُدفع إلى تقديم إجابات متواصلة عن أزماتها، بينما تُعفى القوى المتدخلة من الإجابة عن أثر سياساتها. وقد سعى السفير إلى قلب هذه المعادلة، مطالبًا المجتمع الدولي بألا يكتفي بمساءلة الدولة السودانية، بل أن يسائل أيضًا كل من يسهم في إطالة أمد الحرب، أو يمد أطرافها بالسلاح والغطاء السياسي والإعلامي.
ويجمع أسلوبه بين المعرفة بالقانون الدولي، والقدرة على استدعاء نصوص ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، وبين لغة وطنية مباشرة تصل إلى المواطن العادي. وهذه معادلة دقيقة؛ لأن الدبلوماسي إذا أغرق خطابه في المصطلحات القانونية فقد تأثيره الشعبي، وإذا استسلم للانفعال والشعارات فقد حجته أمام المؤسسات الدولية. وقد استطاع الحارث إدريس، في كثير من مداخلاته، أن يتحرك بين المستويين: أن يخاطب المجلس بلغته القانونية، وأن يخاطب السودانيين بلغة الكرامة الوطنية.
غير أن القيمة الحقيقية لتجربته لا ينبغي أن تُختزل في صوته المرتفع أو ردوده الحادة، على ما لها من وقع وتأثير. فالدبلوماسية ليست مسابقة في الفصاحة، ولا تُقاس قوتها بمقدار التصفيق الشعبي الذي تحصده المقاطع المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي. إنما تُقاس بقدرتها على تحويل الخطاب إلى موقف، والمعلومة إلى وثيقة، والوثيقة إلى قرار، والقرار إلى ضغط سياسي وقانوني يحد من الحرب ويحمي المواطنين.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي القول إن أي سفير، مهما بلغت كفاءته، لا يستطيع وحده أن يعوض غياب استراتيجية وطنية متكاملة. فنجاح المندوب الدائم يحتاج إلى مؤسسات تمده بالمعلومات الموثقة في وقتها، وفرق قانونية توثق الانتهاكات وفق المعايير الدولية، وأجهزة إعلامية تخاطب الرأي العام العالمي بلغاته المختلفة، وتحرك منسق في العواصم المؤثرة، وتواصل منظم مع المنظمات الإقليمية والدولية والجاليات السودانية في الخارج.
إن المعركة الدبلوماسية لا تُدار بخطاب واحد مهما كان قويًّا، بل بمنظومة كاملة لإدارة الرواية الوطنية. وهذه المنظومة مطالبة بأن تميز بين الدفاع عن الدولة والدفاع عن الأشخاص، وبين حماية السيادة وحجب الأخطاء، وبين رفض التدخل الخارجي ورفض المساءلة. فالدبلوماسية الرشيدة لا تنكر الوقائع التي تثبتها الأدلة، ولا تحوّل الوطنية إلى إعفاء لأي طرف من المسؤولية؛ وإنما تدافع عن البلاد وهي أكثر حرصًا على أرواح مواطنيها وحقوقهم من حرصها على تبرئة المؤسسات أو تلميع المواقف.
ومن هنا تتجاوز تجربة الحارث إدريس شخصه لتطرح سؤالًا عن مستقبل الدبلوماسية السودانية: كيف نحول هذا الحضور الفردي إلى مدرسة مؤسسية؟ وكيف نُعد جيلًا من الدبلوماسيين يجمع بين قوة الانتماء، ودقة المعرفة، وإجادة اللغات، وفهم القانون الدولي، والقدرة على التعامل مع الإعلام العالمي وتقنيات التوثيق الحديثة؟ وكيف تستعيد وزارة الخارجية موقعها بوصفها مستودعًا للخبرة الوطنية لا ساحة للمحاصصة والتجاذب السياسي؟
لقد عُرف السودان تاريخيًّا بدبلوماسيين امتلكوا التأهيل الرفيع والحضور المتميز في المنظمات الإقليمية والدولية. وما تحتاج إليه البلاد اليوم ليس مجرد الاحتفاء بأسماء لامعة، بل استعادة شروط الصناعة التي أنتجت تلك الأسماء: الاختيار على أساس الكفاءة، والتدريب المستمر، وحفظ ذاكرة الدولة، والفصل بين الخدمة الدبلوماسية وتقلبات الولاء السياسي.
لقد أثبت الحارث إدريس أن الدولة التي تتعرض للحرب لا يكفيها من يحمل سلاحها في الميدان، بل تحتاج كذلك إلى من يحمل قضيتها في المحافل الدولية؛ وأن السيادة لا تُحمى بالحدود وحدها، وإنما تُحمى أيضًا بمنع تزوير الوقائع، ومواجهة محاولات فرض الروايات الجاهزة، وإجبار المؤسسات الدولية على سماع صوت الشعب الذي تُناقش قضيته.
ومع ذلك، فإن أعظم وفاء لتجربته ليس أن نجعل منها مناسبة للمديح، بل أن نستخلص منها درسًا في بناء الدولة: الأوطان لا ينبغي أن تنتظر بطلًا فردًا في كل أزمة، وإنما عليها أن تبني مؤسسات قادرة على إنتاج الكفاءة واستدامة أثرها. فالأشخاص المتميزون يصنعون اللحظات الفارقة، لكن المؤسسة وحدها هي التي تحفظ تلك اللحظات وتحولها إلى تقليد وطني راسخ.
وختاما، لم يكن الحارث إدريس في قاعات الأمم المتحدة مجرد موظف يقرأ بيانًا مكتوبًا، بل كان صوتًا سودانيًّا حاضرًا في زمن سعى فيه كثيرون إلى الحديث عن السودان من دون أن يسمعوا أهله. حمل القضية بلغة القانون حين احتاجت إلى القانون، وبقوة الموقف حين أصبح الصمت تفريطًا، وبحس وطني أدرك أن الدفاع عن السودان في المنابر الدولية جزء أصيل من الدفاع عن أرضه وشعبه.
ولهذا استحق أن يوصف بأنه سفير بقامة وطن؛ لا لأن الوطن يُختزل في رجل، ولكن لأن الرجل، في اللحظات الصعبة، قد يرتفع بأدائه إلى مستوى المسؤولية التي يضعها الوطن على عاتقه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.