تلخيص كتاب  دايلما “dilemma” الدولة والثورة في السودان بين عفوية الغضب الجماهيري وهندسة الصراع النخبوي

7

كتاب دايلما الدولة والثورة في السودان_ الاخير الموثق (تم الإصلاح) (تم الاسترداد تلقائياً) (1)

تلخيص كتاب 

دايلما “dilemma” الدولة والثورة في السودان

بين عفوية الغضب الجماهيري وهندسة الصراع النخبوي

“دراسة سياسية وعسكرية وجيوسياسية في ضوء النظام المعرفي القرآني وعلم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني”

                            أ.د. طارق الصادق عبد السلام

أستاذ علم الاجتماع والتأصيل الإسلامي للعلوم

 

أولًا: الفكرة العامة للكتاب

ينطلق الكتاب من سؤال يتجاوز السؤال التقليدي عن أسباب الانقلابات والثورات في السودان: لماذا استطاع السودانيون مرارًا إسقاط الحكام، لكنهم لم يستطيعوا بالقدر نفسه بناء الدولة التي تمنع إعادة إنتاج الأزمة؟

فالكتاب لا يرى المشكلة في الثورة وحدها، ولا في الانقلاب وحده، ولا في الأحزاب وحدها، ولا في المؤسسة العسكرية وحدها، ولا في التدخل الخارجي وحده؛ وإنما في سلسلة مترابطة من التفاعلات تتكرر بأشكال مختلفة عبر التاريخ السياسي السوداني.

ويبدأ الكتاب من فكرة أساسية هي أن انهيار الدولة لا يبدأ بالرصاصة الأولى أو باندلاع الحرب، وإنما تسبقه فترة طويلة تتراكم فيها القرارات الخاطئة، وتضعف المؤسسات، وتتعدد مراكز القوة والولاء، ويختلط مفهوم الدولة بمفهوم السلطة، ويختلط إسقاط النظام بإضعاف الدولة نفسها. 

دايلما الدولة والثورة في السودان مسودة تأسيسية:

ومن هنا فإن “دايلما الدولة والثورة” ليست مجرد وصف لتكرار الثورات، بل هي محاولة لاكتشاف الآلية التي تجعل الثورة، بعد نجاحها في إسقاط السلطة، عاجزة عن الانتقال المنظم إلى بناء الدولة.

ثانيًا: المقدمة — من “المؤامرة” إلى تحليل السلسلة السببية

تضع المقدمة منذ البداية منهج الكتاب: لا يقبل الروايات السياسية باعتبارها حقائق لمجرد ورودها في خطاب سياسي، ولا يرفضها لمجرد مخالفتها للرواية الشائعة. وإنما يميز بين الوقائع الموثقة، والشهادات، والروايات المتقاطعة، والادعاءات التي تحتاج إلى تحقق. 

وهذه النقطة مهمة جدًا؛ لأن الكتاب يتعامل مع قضية حساسة هي هل كانت بعض الثورات أو الأزمات السودانية مصنوعة أو موجهة؟

لكن الكتاب يعيد صياغة السؤال. فبدلًا من السؤال المغلق:

من صنع الثورة؟

يسأل:

كيف تتفاعل المظالم مع أفعال منظمة، ومع النخب، والقوى الداخلية والخارجية، بحيث يخرج الشعب مطالبًا بالتغيير ثم يجد نفسه خارج صناعة النظام الجديد؟ 

دايلما الدولة والثورة في السودان مسودة تأسيسية.

وهنا تظهر واحدة من أهم أفكار الكتاب:

الأزمة قد تكون حقيقية في أصلها، لكنها قد تتعرض للتضخيم أو التوجيه أو الاختطاف في مآلاتها السياسية.

لذلك يرفض الكتاب تفسيرين متقابلين:

تفسير يجعل كل شيء نتيجة فشل السلطة.

وتفسير يجعل كل شيء نتيجة مؤامرة خارجية.

ويطرح بدلًا منهما التفسير المركب الذي يرى أن العامل الخارجي لا يعمل في فراغ، وأن التدخل الخارجي يحتاج إلى قابلية داخلية، وأن الأخطاء الداخلية قد تفتح المجال للتدخل الخارجي. 

وهذه من أقوى مقدمات الكتاب؛ لأنها تنقل النقاش من البحث عن متهم واحد إلى تحليل شبكة الأسباب والفاعلين والآليات.

ثالثًا: “الدولة ليست السلطة” — المفهوم الذي يقوم عليه الكتاب

من أهم المفاهيم المؤسسة في الكتاب التمييز بين الدولة والسلطة.

الدولة هي المؤسسات والقانون والإقليم والمجتمع السياسي والذاكرة الإدارية والقدرة على تقديم الخدمات وحماية الحدود وتنظيم القوة.

أما السلطة فهي المواقع المؤقتة التي تشغل مؤسسات الدولة وفق قواعد شرعية. 

ومن هنا يضع الكتاب قاعدة مهمة:

إسقاط السلطة لا ينبغي أن يعني إسقاط الدولة.

فالسلطة يمكن أن تتغير، أما مؤسسات الدولة فينبغي أن تستمر.

ولهذا فإن المعارضة التي تضرب قدرة الدولة على الإنتاج أو الأمن أو الدفاع لا تضعف الحاكم وحده؛ كما أن السلطة التي تفكك المؤسسات لأنها تشك في ولائها لا تحمي الدولة، بل تضعفها. 

وهذا المفهوم يصبح لاحقًا أساس تفسير ثورة ديسمبر والحرب التي اندلعت في أبريل 2023.

رابعًا: مفهوم “دايلما الثورات”

الكتاب لا يستخدم مفهوم “دايلما الثورات” لنفي صدق الثورة أو معاناة الناس.

بل يقصد به مفارقة بنيوية:

تكون أسباب الاحتجاج حقيقية في وعي المشاركين، لكن المعرفة بالخطة السياسية وبدائل ما بعد السقوط تظل محتكرة لدى دوائر أضيق.

وهنا تنشأ فجوتان:

  1. فجوة المعرفة

الجماهير تعرف بدرجة كبيرة ما الذي ترفضه، لكنها لا تمتلك بالضرورة المعرفة نفسها حول البنية التي ستخلف النظام.

  1. فجوة التنظيم

الجماهير واسعة وموزعة، بينما القوى المنظمة أقل عددًا وأكثر قدرة على صياغة الوثائق والاتفاقات وشغل مواقع السلطة. 

وهكذا قد تتحمل الجماهير كلفة الثورة، ثم تنتقل عملية التفاوض وصناعة النظام الجديد إلى قوى لم تحصل بالضرورة على تفويض انتخابي مباشر.

وهنا تتبلور فكرة الكتاب الأساسية:

الثورة ليست لحظة إسقاط، وإنما عملية تبدأ بإسقاط السلطة وتنتهي فقط عندما تنتج نظامًا سياسيًا قادرًا على بناء الدولة. 

خامسًا: الدورة السودانية المتكررة

يقترح الكتاب نموذجًا لتفسير الدورة السياسية السودانية المتكررة في تسع حلقات:

أزمة معيشية وسياسية تأطير الغضب توسع الاحتجاج تدخل أو انحياز عسكري سقوط الحكم تقاسم انتقالي إقصاء ومحاصصة تعطل الدولة وتفاقم الحرب أو الاقتصاد انقلاب أو انتفاضة جديدة. 

وهذه الصيغة هي التي تسمح للكتاب بربط:

نوفمبر 1958

أكتوبر 1964

مايو 1969

أبريل 1985

الديمقراطية الثالثة

يونيو 1989

ديسمبر 2018

25 أكتوبر 2021

ثم حرب 15 أبريل 2023.

لكن الكتاب لا يقول إن هذه الأحداث متطابقة؛ وإنما يبحث عن البنية المتكررة خلف اختلاف الأحداث. 

سادسًا: أكتوبر 1964 — إسقاط الحكم دون حسم سؤال الدولة

يمنح الكتاب أكتوبر أهمية خاصة لأنها تقدم النموذج المبكر للمشكلة.

فقد استطاعت قوى مختلفة أن تتفق على إنهاء الحكم العسكري، لكنها لم تستطع بالقدر نفسه الاتفاق على قواعد مستقرة لما بعده.

ومن هنا يطرح الكتاب مفهومًا مهمًا:

“التحالف السلبي”

أي أن القوى تستطيع أن تتحد ضد خصم مشترك، لكن هذا الاتفاق لا يعني أنها تمتلك مشروعًا إيجابيًا مشتركًا لبناء النظام البديل.

وبالتالي:

وحدة الإسقاط لا تعني وحدة البناء. 

\وهذه الفكرة هي إحدى اللبنات الأساسية التي سيعود إليها الكتاب عند تحليل ديسمبر 2018.

سابعًا: 1985 والديمقراطية الثالثة — مشكلة ما بعد الانتقال

يرى الكتاب أن تجربة أبريل 1985 قدمت نموذجًا مختلفًا جزئيًا؛ إذ نجح الانتقال العسكري في الوفاء بمدة انتقالية محددة وتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة.

وهذه التجربة مهمة للكتاب لأنها تثبت أن المؤسسة العسكرية يمكن أن يكون لها دور انتقالي محدود إذا كانت المهمة واضحة، والمدة محددة، والنهاية مرتبطة بالانتخاب.

لكن نجاح الانتقال نفسه لم يحل مشكلة الدولة؛ فقد عادت المحاصصة والأزمة الاقتصادية والحرب، وظلت العلاقة بين الأحزاب والجيش مفتوحة على التدخل. 

وهنا يظهر الفرق بين:

نجاح الانتقال
و
نجاح بناء النظام السياسي.

ثامنًا: ديسمبر 2018 — صدق الغضب وهندسة المآلات

لا ينكر الكتاب حقيقة المعاناة التي دفعت المواطنين إلى الشارع.

بل يؤكد أن:

صدق معاناة المواطنين لا يتعارض مع احتمال أن تستثمر قوى منظمة تلك المعاناة في اتجاهات سياسية معينة. 

وبعد سقوط البشير في 11 أبريل 2019 تغير السؤال:

لم يعد السؤال:

من أسقط النظام؟

بل أصبح:

من يمثل الثورة؟ ومن يحدد شكل الدولة؟ ومن يحدد مدة الانتقال؟ ومن يملك مؤسسات السلطة؟

وهنا نشأت الشراكة المدنية–العسكرية، التي يفسرها الكتاب باعتبارها علاقة احتياج متبادل:

المدني يحتاج إلى القوة العسكرية لتأمين الانتقال.

العسكري يحتاج إلى الشرعية المدنية والخارجية.

وفي الوقت نفسه يخشى كل طرف أن يحتكر الطرف الآخر الدولة. 

ومن هنا بدأت مشكلة جديدة: انتقال بلا تفويض انتخابي واضح، وشراكة بلا ضامن نهائي، ومنافسة على تعريف الشرعية.

تاسعًا: القوة الموازية — من أداة إلى مركز قوة

هذه من أهم قضايا الكتاب.

الفكرة ليست مجرد وجود قوة مسلحة خارج الجيش، وإنما كيفية تحول القوة الموازية تدريجيًا من أداة يستخدمها مركز الدولة إلى فاعل يمتلك موارده وقيادته وشبكاته وعلاقاته وقدرته التفاوضية.

وبحلول الفترة 2019–2023، يرى الكتاب أن القوة الموازية لم تعد مجرد تشكيل تابع، بل أصبحت طرفًا في قمة السيادة، ولها انتشار وشبكات اقتصادية وعلاقات خارجية ودور في التفاوض حول مستقبل المؤسسة العسكرية. 

ومن هنا تصبح مسألة الدمج العسكري أكثر من مجرد مسألة فنية؛ لأنها أصبحت مرتبطة بموازين القوة ومصالح البقاء.

عاشرًا: المعضلة الأمنية — كيف يمكن أن يقود الخوف إلى الحرب؟

يستخدم الكتاب مفهوم المعضلة الأمنية لتفسير الانتقال من المنافسة إلى الحرب.

فكل طرف يرى تسلحه وسيلة للدفاع عن نفسه، بينما يفسره الطرف الآخر بوصفه استعدادًا للهجوم.

فيزيد الأول قواته، فيرد الثاني بزيادة قواته، فتتأكد مخاوف الأول، وهكذا.

وفي الحالة السودانية تصبح المشكلة أكثر خطورة لأن الدولة نفسها لم تعد ضامنًا محايدًا خارج الصراع، بل أصبحت ساحة للتنافس بين مراكز قوة مسلحة. 

وهنا يصل الكتاب إلى الفكرة الأشد أهمية:

الحرب لم تبدأ فجأة في 15 أبريل 2023 من فراغ؛ بل كانت النتيجة النهائية لمسار طويل من تعدد القوة، وتآكل الثقة، وتأخر الحسم المؤسسي، والحشد المتبادل.

الحادي عشر: “المفاجأة التي لم تكن مفاجئة”

هذا مفهوم مهم آخر.

المفاجأة الاستراتيجية لا تعني دائمًا غياب المعلومات؛ فقد تكون مؤشرات الخطر موجودة، لكن القيادة:

ترفض تفسيرها باعتبارها استعدادًا للحرب.

تراهن على الوساطة.

تعتقد أن الخصم لن يقدم على التصعيد.

أو تقع في “وهم السيطرة” على القوة التي ساهمت في بنائها.

ولهذا يطرح الكتاب سؤالًا مهمًا:

لماذا لم تتحول التحذيرات المبكرة إلى مراجعة مؤسسية؟ 

وهذا يحول الكتاب من مجرد تفسير تاريخي إلى دراسة في فشل التعلم السياسي والأمني.

الثاني عشر: البعد الجيوسياسي

السودان بحكم موقعه وموارده يقع في مجال مصالح إقليمية ودولية متشابكة، لكن الجغرافيا لا تنتج الحرب بذاتها.

فالخارج يجد فرصته عندما توجد داخليًا:

انقسامات.

حاجة للتمويل.

ضعف في الشرعية.

قوى خارج المؤسسة.

اقتصاد غير شفاف.

تعدد مراكز القرار.

ولهذا يضع الكتاب قاعدة:

الخارج عامل ضغط، والداخل مجال الاستجابة؛ ولا يتحول الضغط الخارجي إلى تقرير للمصير إلا عندما تفقد الدولة وحدة القرار والقوة والشرعية. 

الثالث عشر: التحول من “فقه الاستيلاء” إلى “فقه الاستخلاف”

هنا ينتقل الكتاب من التحليل السياسي إلى الإطار المعرفي القرآني.

ويستخدم الوحدة المضمونية في سورة النمل بوصفها إطارًا لاستخراج معايير القيادة والدولة.

والفكرة المركزية هي أن قصة سليمان عليه السلام لا تبدأ بالسلطة والقوة، وإنما بـ:

العلم الشكر التنظيم المعلومة التثبت الشورى القرار القوة المنضبطة.

وبذلك يميز الكتاب بين:

فقه الاستيلاء على السلطة
و
فقه الاستخلاف وإدارة الدولة.

الأول يسأل: كيف أصل إلى الحكم وكيف أبقى فيه؟

والثاني يسأل: ماذا ستفعل القوة بالإنسان والعمران؟ 

وهذا هو الجسر الذي يربط الكتاب بمشروعك الأوسع في النظام المعرفي القرآني وعلم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني.

الرابع عشر: العلم قبل السلطة والمعلومة قبل القرار

من أبرز تطبيقات سورة النمل في الكتاب:

العلم قبل السلطة

السلطة التي تسبق المعرفة تجعل المجتمع ميدانًا للتجريب.

المعلومة قبل القرار

الهدهد يمثل قيمة المعلومة المخالفة التي تصل إلى مركز القرار.

التثبت قبل الفعل

ليس التثبت تعطيلًا للقرار، وإنما منع لتحويل الخبر إلى فعل قبل فحصه.

الشورى مؤسسة

ليست الشورى مجرد اجتماع شكلي، وإنما بنية تضمن تنوع المعلومات وإمكان الاعتراض والمساءلة.

الدولة منظومة لا شخصًا

صلاح القائد لا يمكن أن يكون بديلًا عن المؤسسة.

القوة المنضبطة

القوة لا تُلغى، لكنها تخضع للعدل والمقصد والمؤسسة. 

وهذه المبادئ كلها تُستخدم لمراجعة التجربة السودانية، لا بوصفها شعارات دينية، وإنما بوصفها معايير تفسيرية لبناء نموذج للدولة.

الخامس عشر: النموذج السنني المتكامل

يصل الكتاب في النهاية إلى بناء نموذج تفسيري مركب من أربع طبقات:

  1. الطبقة المرجعية

اختلال معنى الدولة والوطن والسلطة.

  1. الطبقة البنيوية

ضعف المؤسسات وتعدد القوة.

  1. طبقة الفاعلين

النخب والأحزاب والقيادات والقوى الخارجية.

  1. طبقة الآليات

وتشمل:

هندسة المعاناة تزييف الوعي السببي اختطاف الانتقال التحصين من الانقلاب المعضلة الأمنية الحشد المفاجأة الاستراتيجية. 

ثم يصوغ الكتاب السلسلة الكبرى:

أزمة حقيقية جزئيًا أو مصطنعة كليا → تعبئة تختزل أسبابها سقوط أو انتقال بلا تفويض محاصصة وإقصاء تفكيك مؤسسات وتقوية مراكز موازية تعدد الشرعية والقوة معضلة أمنية وحشد حرب.

 

وهذه هي الخلاصة النظرية الأهم في الكتاب كله.

السادس عشر: ما الذي يقترحه الكتاب للخروج من الدايلما؟

لا يقترح الكتاب مجرد “ثورة أفضل” أو “انقلابًا أقل سوءًا”، وإنما يقترح قطع الآلية التي تعيد إنتاج الدورة.

وأهم عناصر ذلك:

جيش واحد لا تحالف جيوش.

انتقال محدود المهمة والمدة.

التسليم النهائي للتفويض الشعبي.

مجلس أمن قومي مهني.

نظام إنذار مبكر اجتماعي واستراتيجي.

منع هندسة المعاناة واستخدام حاجات الناس في الصراع السياسي.

التمييز بين الدولة والنظام.

سياسة خارجية واحدة للدولة.

العدالة والتعلم المؤسسي.

تحويل الدروس التاريخية إلى مؤشرات قابلة للقياس والمتابعة. 

السابع عشر: الخاتمة — من تغيير الحكام إلى بناء الدولة

الخاتمة تعود إلى جوهر المشكلة:

مأساة السودان ليست أنه ثار كثيرًا فقط، ولا أن العسكريين حكموا، ولا أن الأحزاب أخفقت وحدها؛ وإنما أن كل جولة بدت وكأنها تبدأ من الصفر، وأن الفاعلين كثيرًا ما أعادوا إنتاج الوسائل التي سبق أن رفضوها عندما كانوا في موقع المعارضة. 

ولهذا فإن الخروج من الدايلما لا يكون بمجرد:

ثورة جديدة تكرر فراغ ما بعد السقوط.

أو انقلاب جديد يعد بالتصحيح.

أو تسوية تجمع مراكز القوة وتؤجل أصل المشكلة.

بل يبدأ عندما تصبح هناك قاعدة وطنية واضحة:

الدولة أكبر من الحكومة، والجيش مؤسسة واحدة لا شريك حكم، والمعارضة لا تهدم مقومات المجتمع، والانتقال طريق قصير إلى التفويض لا موسمًا لتقاسم الدولة. 

ثم يصل الكتاب إلى مفهومه النهائي:

الدولة المستخلفة ليست دولة بلا صراع، وإنما دولة تحكم الصراع بالعدل والمؤسسة، فلا يتحول التنافس على السلطة إلى هدم للعمران، ولا تتحول تضحيات الشعب إلى وقود لمشروع لا يملكه. 

والخلاصة المكثفة للكتاب كله

يمكن اختزال الكتاب في هذه الصيغة:

المشكلة السودانية ليست في عجز الشعب عن الثورة، بل في انفصال الثورة عن بناء الدولة.

فقد نجح السودانيون مرارًا في إسقاط السلطة، لكنهم لم ينجحوا بالقدر نفسه في إعادة تأسيس الدولة على قواعد مستقرة. ومع كل سقوط تنشأ مرحلة سيولة، تتنافس فيها القوى على تمثيل الثورة وعلى امتلاك القرار، فتظهر المحاصصة والإقصاء، ويضعف الجهاز المؤسسي، وتُستدعى القوة لموازنة القوة، فتتعدد مراكز السلاح والشرعية. وعندما يستمر هذا الوضع دون تفويض شعبي وضامن مؤسسي، تتحول المنافسة السياسية إلى معضلة أمنية، ثم يصبح الصراع على السلطة صراعًا على الدولة نفسها.

فالثورة تسقط السلطة، لكنها لا تبني الدولة تلقائيًا؛ فإذا لم يتحول نجاح الثورة إلى عقد وطني ومؤسسات وتفويض شعبي ووحدة للقوة، فإن فراغ ما بعد السقوط يعيد إنتاج السلطة بأشكال جديدة، وينقل الصراع من إسقاط الحكم إلى اقتسام الدولة، ثم من اقتسام الدولة إلى التنافس على احتكار القوة، وقد ينتهي إلى الحرب على الدولة نفسها.

وهذا يجعل عنوان الكتاب “دايلما الدولة والثورة في السودان” دالًا على المشكلة الأعمق: ليست الدايلما أن السودان يثور، وإنما أن الثورة لا تنجح في كسر الحلقة التي تجعل إسقاط السلطة مقدمة لإعادة إنتاج أزمة الدولة.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.