السودان بعد الحرب: ترميم الطبيعة وعودة الروح إلى المحميات
من عمق المشهد
د. ست البنات حسن
حين نتحدث عن إعادة إعمار السودان، تتجه الأنظار إلى المنازل التي تهدمت، والمستشفيات التي تعطلت، والمدارس التي غاب عنها الأطفال. غير أن هناك وجهًا آخر للخسارة لا يظهر بالوضوح نفسه في صور الدمار: الطبيعة التي أنهكتها الحرب، والموارد التي اشتد الضغط عليها، والمحميات التي تحتاج إلى الحماية بقدر ما تحتاج المدن إلى الترميم. فالوطن ليس مباني وطرقات وحدها؛ إنه أيضًا نهر يحتفظ بعافيته، وغابة تستعيد توازنها، وطيور تجد مأواها، ومجتمعات تستطيع العيش من موارد أرضها دون أن تضطر إلى استنزافها.
ومن هنا، فإن التفكير في السودان بعد الحرب ينبغي ألا يحصر البيئة في هامش خطط التعافي، أو يجعل الاهتمام بها ترفًا ينتظر اكتمال البناء. فحماية الطبيعة جزء من حماية شروط الحياة، والسياحة البيئية يمكن أن تكون إحدى الوسائل التي تربط صون الموارد بفرص العمل وتنمية المجتمعات، إذا قامت على تخطيط واقعي وإدارة مسؤولة.
يمتلك السودان مقومات طبيعية تستحق هذا الاهتمام. ففي جنوب شرقي البلاد تمتد محمية الدندر الوطنية، التي أُنشئت عام ١٩٣٥، وتبلغ مساحتها، وفق الملف السوداني المنشور لدى مركز التراث العالمي، نحو ١٠٬٢٩١ كيلومترًا مربعًا. ويصف الملف تنوع نظمها البيئية بين الغابات والبيئات النهرية و«الميعات»، وهي منخفضات تجمع مياه الفيضانات وتوفر موارد مهمة للحياة البرية، كما يورد نحو ١٦٠ نوعًا من الطيور. وهذه بيانات تعريفية توضح قيمة المحمية، لكنها لا تغني عن مسح حديث لتحديد حالتها بعد سنوات النزاع. مركز التراث العالمي: محمية الدندر
وتأتي ردوم ضمن هذا الثراء، ببيئتها التي تجمع التلال والمجاري المائية ومناطق السافانا المشجرة. وتورد قاعدة برنامج الإنسان والمحيط الحيوي باليونسكو مساحة تقارب ١٫٢٥ مليون هكتار لمحمية ردوم للمحيط الحيوي، أي نحو ١٢٬٥٠٠ كيلومتر مربع؛ وهي مساحة تبيّن حجم المسؤولية التي تتطلبها حماية هذا المجال الطبيعي وإدارته. اليونسكو: محمية ردوم للمحيط الحيوي
وعلى البحر الأحمر، يمتلك السودان رصيدًا عالمي القيمة يتمثل في الموقع المتسلسل الذي يجمع محمية سنقنيب البحرية ومحمية خليج دونقناب وجزيرة مكوار البحرية، المدرج على قائمة التراث العالمي منذ عام ٢٠١٦. وتبلغ مساحة الموقع المسجل ٢٦٠٬٧٠٠ هكتار، أي ٢٬٦٠٧ كيلومترات مربعة، دون احتساب نطاقه العازل. ويضم بيئات من الشعاب المرجانية والمانغروف والأعشاب البحرية، وموائل لأطوم البحر، المعروف ببقر البحر، وللسلاحف والدلافين وغيرها من الكائنات. نحن إذن أمام إرث طبيعي اعترف العالم بقيمته، وليس مجرد شواطئ تصلح لصور الترويج السياحي. اليونسكو: سنقنيب وخليج دونقناب وجزيرة مكوار
ولا تختزل هذه المواقع خريطة الجمال السوداني؛ فهناك وادي هور، والبيئات الجبلية، وصحاري الشمال، ومناطق أخرى تتداخل فيها الطبيعة مع التاريخ والثقافة المحلية. لكن امتلاك المقومات لا يعني امتلاك صناعة سياحية جاهزة؛ فبين جمال المكان وقدرته على استقبال الزوار مسافة تصنعها المعرفة والأمن والخدمات وحسن الإدارة.
وقد كشفت الحرب مدى اتصال الضغوط الإنسانية بالمخاطر البيئية. ففي بيان صدر في فبراير ٢٠٢٥، أشار برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى وجود نحو ١٫٤٥ مليون نازح في ولايات النيل الأزرق وسنار والقضارف المحيطة بالدندر آنذاك، وإلى ما يرافق النزوح والتوسع في الاستيطان من ضغط على الموارد والموائل الطبيعية. والرقم يخص الولايات المذكورة، لا المقيمين داخل المحمية، لكنه يوضح اتساع المجال الإنساني والبيئي الذي ينبغي أن تنظر إليه خطط الحماية. برنامج الأمم المتحدة للبيئة: الدندر واحتياجات المجتمعات المحيطة
ولا يجوز أن تتحول هذه الحقيقة إلى اتهام للنازحين أو للفقراء بأنهم أعداء للطبيعة. فالأسرة التي فقدت بيتها ودخلها تحتاج إلى الطعام والماء ووقود الطهي قبل أن تستطيع الاستجابة لأي خطاب عن الاستدامة. ولهذا فإن حماية المحميات لا تنجح بالمنع والعقوبات وحدهما؛ إنها تحتاج أيضًا إلى بدائل معيشية، وطاقة مناسبة، وتنظيم عادل للانتفاع بالموارد، ومساندة المجتمعات المستضيفة والنازحة معًا.
وفي هذا الاتجاه، أُعلنت في فبراير ٢٠٢٥ مبادرة مشتركة بين الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، تستهدف دعم نحو ٢١ ألف أسرة عبر ٢٣ تجمعًا قرويًا في الولايات المحيطة بالدندر، من خلال تحسين الأمن الغذائي وسبل العيش والإدارة المستدامة للموارد. وتكمن قيمة هذه المبادرة في المنطق الذي تقوم عليه: حماية الإنسان والطبيعة في برنامج واحد. وهي أهداف معلنة للمشروع، وليست حصيلة إنجاز نهائية. تفاصيل مبادرة الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة
أما السياحة البيئية، فليست كل رحلة إلى غابة أو شاطئ جديرة بهذا الاسم. المقصود سياحة تحترم حدود المكان، وتحد من الأضرار، وتسهم في تمويل الحماية، وتعود بمنفعة عادلة على السكان. وقد يأتي الزائر إلى موقع طبيعي جميل، بينما تترك زيارته مخلفات وضغطًا على المياه وإزعاجًا للحيوانات، وتذهب معظم عائداتها إلى خارج المنطقة؛ عندها تكون الطبيعة قد استُخدمت دون أن تستفيد هي أو أهلها.
ولإدراك الحجم الاقتصادي الممكن لهذا المجال، قدّرت دراسة منشورة في مجلة «PLOS Biology» عام ٢٠١٥ الإنفاق المباشر داخل البلدان المرتبط بزيارات المناطق المحمية البرية عالميًا بنحو ٦٠٠ مليار دولار سنويًا، بأسعار عام ٢٠١٤. وهو تقدير تقريبي تاريخي لزيارات المحميات البرية، وليس رقمًا حديثًا لحجم سوق السياحة البيئية كله، ولا إيرادًا تحصل عليه إدارات المحميات، فضلًا عن أن يكون توقعًا لعائد السودان. لكنه يكشف أن صون الطبيعة يمكن أن يرتبط بنشاط اقتصادي معتبر، متى توافرت شروطه. دراسة تقدير الزيارات والقيمة الاقتصادية للمناطق المحمية
والسؤال الأهم بالنسبة إلينا ليس كم ينفق العالم، وإنما كيف يبقى نصيب عادل من إنفاق الزائر داخل المجتمع السوداني؟ يمكن للإرشاد السياحي، والنقل المحلي، والضيافة الصغيرة، والمنتجات الغذائية والحرفية، وخدمات الرحلات أن تفتح مجالات للعمل. لكن ذلك يحتاج إلى تدريب وتمويل مناسبين، وفرص فعلية للمشروعات المحلية، وعقود واضحة تمنع احتكار العائد أو إقصاء أهل المنطقة.
ويجب أن تكون النساء والشباب في قلب هذه الفرص، لا مجرد أسماء ترد في خطط التنمية. ومن الشواهد المشجعة أن بعثة لليونسكو زارت خليج دونقناب ومحمد قول في ٩ مايو ٢٠٢٦، وناقشت مع المجتمعات المحلية أولويات تشمل التمكين من خلال السياحة البيئية وتسويق المنتجات المحلية، والتدريب المهني، وإدارة الموقع ومراقبته، وتحسين الوصول إلى المياه النظيفة. وهذا الربط بين الحماية والخدمة العامة وسبل العيش يستحق أن يتحول إلى نهج ثابت. اليونسكو: بعثة تقييم دونقناب، مايو ٢٠٢٦
غير أن الطريق إلى هذا المستقبل لا يبدأ بحملة إعلانية تدعو العالم إلى زيارة السودان قبل التحقق من جاهزية المواقع. فالترويج لا يعوض غياب الأمان، والصورة الجميلة لا تقوم مقام خدمات الإنقاذ والاتصال والرعاية الأساسية. ينبغي أن تبدأ الخطوة الأولى بتقييم ميداني لكل موقع: ما حال موارده؟ وما الذي تضرر من منشآته؟ وما احتياجات العاملين فيه؟ وهل توجد مخاطر تستوجب المسح المتخصص لمخلفات الحرب وتطهير المواقع التي يثبت تلوثها؟
ولا يصح افتراض أن جميع المحميات تضررت بالدرجة نفسها، أو أن جميع المسارات ملوثة بالألغام، كما لا يصح الاطمئنان إلى سلامتها دون فحص. إن المعرفة الدقيقة هي التي تحدد ما يمكن فتحه، وما يحتاج إلى تأهيل، وما يجب إبقاؤه بعيدًا عن الزيارة حتى يستعيد توازنه.
وتأتي بعد ذلك استعادة القدرة على الحماية: دعم العاملين المختصين، وتأهيل محطات المراقبة، ومتابعة الصيد والقطع الجائرين، وتقييم مصادر التلوث. أما ترميم الطبيعة نفسها، فلا يختزل في حملات تشجير أو إطلاق حيوانات؛ فلكل بيئة خصائصها، وقد يضر التدخل المتعجل إذا أدخل أنواعًا غير مناسبة أو غيّر مجاري المياه دون دراسة.
ثم يمكن بناء نشاط سياحي تدريجي يتناسب مع قدرة كل موقع على الاحتمال. ففي البيئات الحساسة، قد يكون الحد من أعداد الزوار وتحديد مساراتهم ومواسم الزيارة أهم من زيادة المنشآت. وتشير اليونسكو، في متطلبات حماية الموقع البحري السوداني، إلى مخاطر محتملة من التلوث ومراسي القوارب والأنشطة البحرية غير المنضبطة، وإلى ضرورة مراقبة أثر السياحة في النظم البيئية والمجتمعات المحلية. فالسياحة قد تمول الحماية، لكنها قد تصبح مصدرًا للضرر إذا غابت الضوابط. اليونسكو: متطلبات حماية الموقع البحري وإدارته
ومن الضروري أن تُخصص حصة معلومة وشفافة من الرسوم والعائدات للحماية ولخدمات المجتمعات المحيطة، مع نشر أوجه الصرف والنتائج. لكن تمويل المحميات لا ينبغي أن يُربط بالسائح وحده؛ فالحماية مسؤولية عامة تحتاج إلى موازنة مستقرة وشراكات مساندة، لأن الطبيعة لا تستطيع انتظار انتعاش الحجوزات لكي تبقى حية.
كما أن نجاح هذا القطاع لن يقاس بأعداد الزوار وحدها. علينا أن نسأل: هل تحسنت حالة الموائل؟ هل انخفضت التعديات؟ هل زاد دخل الأسر المحلية؟ وهل استفادت القرى من المياه والخدمات والتدريب؟ فهذه المؤشرات أقرب إلى معنى التعافي المستدام من افتتاح منشأة كبيرة لا يعرف السكان ماذا أضافت إلى حياتهم.
إن السودان لا يحتاج إلى تجميل صورته أمام العالم بقدر حاجته إلى بناء واقع يستحق صورة جديدة. وحين يرى الزائر موقعًا مصانًا، وعاملًا مؤهلًا، ومجتمعًا يشارك في إدارة موارده وينتفع بها، فإن السمعة الطيبة تصبح ثمرة للعمل، لا بديلًا عنه.
وختاما، ليست المحميات مساحات فائضة عن حاجات الوطن، ولا الطبيعة زينة تُستعاد بعد الفراغ من القضايا الكبرى. إنها جزء من ثروته وأمنه المعيشي وذاكرته ومسؤوليته تجاه الأجيال المقبلة. ويمكن للسياحة البيئية أن تسهم في إعادة الحياة إلى هذا الإرث، بشرط أن يكون الإنسان شريكًا في الحماية، وأن تظل سلامة الطبيعة مقدمة على الربح العاجل.
فحين تستعيد المحمية عافيتها، ويجد أهلها رزقًا كريمًا في حمايتها، لا تكون الحياة قد عادت إلى الأشجار والطيور والمياه وحدها؛ يكون السودان قد استعاد شيئًا من روحه.
