📰 العدد اليومي | شبكة أخبار وادي النيل | الجمعة، 29 مايو 2026

164

📰 العدد اليومي | شبكة أخبار وادي النيل
الجمعة، ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م | الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ

صوت الوطن والوادي.. الحقيقة بلا تزييف

✍️ افتتاحية العدد: “ثبات المؤسسات وتطلعات الشعوب.. معادلة البناء والاستقرار”
بقلم: المحرر السياسي والتحريري

تمر الأوطان بمنعطفات تاريخية تمحص صمود مجتمعاتها وصلابة مؤسساتها الوطنية. وفي هذا اليوم الصاخب بالمتغيرات، تبرز الدولة السودانية، بمؤسساتها وقواتها المسلحة، لتؤكد أن السيادة الوطنية والقرار المستقل هما صمام الأمان الوحيد في وجه العواصف الإقليمية والدولية ومحاولات التدخل الخارجي. إن التصريحات الحاسمة التي أطلقتها القيادة العسكرية تكشف بوضوح عن رؤية إستراتيجية لا مساومة فيها: المضي قدماً نحو بسط الأمن والاستقرار وتطهير البلاد من دنس التمرد والارتزاق العابر للحدود، مع إبقاء أبواب المراجعة والتوبة مفتوحة لمن ضل الطريق السياسي.

وعلى الضفة الأخرى من النهر، لا ينفصل أمل الاستقرار والأمن الداخلي عن تطلعات المواطن البسيط؛ فرغم مرارة النزوح واللجوء وتحديات الحرب الإنسانية، تشرق “بشريات العودة الطوعية” لترسم لوحة وفاء متبادل بين أبناء وادي النيل، عبر تيسير رحلات العودة لقضاء الأعياد وإعمار الديار.

إننا في شبكة أخبار وادي النيل، نؤكد أن مواجهة التهديدات الأمنية المحدقة بالإقليم—سواء كانت حشوداً للمرتزقة أو تحديات لوجستية وسياسية عبر الحدود—تتطلب أعلى درجات الوعي الشعبي والتلاحم مع الأجهزة الأمنية والمخابراتية، لتفويت الفرصة على محترفي التزييف والذكاء الاصطناعي وصناع الأزمات. إن دماء الشهداء في القرى المكلومة وأنين الضحايا سيبقى المحرك الأساسي لتحقيق العدالة الناجزة وبناء سودان المستقبل.

🔴 الحدث الأبرز والخبر الرئيس
البرهان من القيادة العامة: ماضون بكل حزم حتى إنهاء التمرد تماماً، وننفي جملة وتفصيلاً صحة المزاعم والتقارير التي تحدثت عن “مشاورات البحرين” (واصفاً إياها بكلام الهواء وكاذباً تقرير ميدل إيست).
رئيس مجلس السيادة يعلن مفتاح النصر: الجيش متمسك بتجربته التاريخية، وسنصل قريباً إلى إقليم دارفور “مدينة مدينة“، مع وضع الباب مفتوحاً لتوبة السياسيين.

🎖️ الشأن العسكري والأمني والعملياتي
اختراق نوعي ومكاسب ميدانية: القوات المسلحة تبسط سيطرتها الكاملة على منطقة “الزريبة” وتتقدم بثبات نحو “الكرمك“، آخر معاقل الميليشيا المتمردة في إقليم النيل الأزرق.
صد هجوم وتكبيد خسائر: الجيش ينجح في صد هجوم غاشم على محطة “أمورا” العسكرية ويستولي على 4 مركبات قتالية بكامل عتادها.
إرهاب عابر للحدود: مدير المخابرات العامة (الفريق أول مفضل) يحذر: ميليشيا الدعم السريع تستجلب مرتزقة من أكثر من 17 دولة، مما يشكل خطراً حقيقياً على الأمن العالمي ووجهاً جديداً للإرهاب.
خطة أمنية غير مسبوقة: لأول مرة بهذا الانتشار المكثف، الأجهزة الأمنية تنفذ خطة محكمة وشاملة لتأمين العاصمة الخرطوم خلال أيام العيد.
هلاك قيادات التمرد: تأكيدات بمصرع القائد الميداني للميليشيا المدعو “خلا حسن قجة“.
حشود عسكرية في نيالا: وصول تعزيزات عسكرية ضخمة تابعة للدعم السريع تشمل مئات المدرعات إلى مدينة نيالا.

📈 المتابعات السياسية والملفات الدولية
تحركات غربية متجددة: الحراك الغربي بشأن السودان يعود للواجهة، وأنباء عن إعادة إحياء “مؤتمر برلين” الدولي لبحث الأزمة.
حزب المؤتمر السوداني: قوى إعلان المبادئ تنشر رسمياً وثيقة “خارطة الطريق” المُجازة في اجتماعها الثاني (22-23 مايو 2026) كمسار عملي لوقف الحرب وإنهائها.
موقف حزب الأمة القومي: الأمة القومي يعلن تحفظه رسمياً على بند «فصل الدين عن الدولة» الوارد في ميثاق نيروبي.
العدل والمساواة تضع شروطاً: الحركة تشترط تجريد كل من حمل السلاح من السلاح كشرط أساسي للمشاركة في أي حوار سياسي مستقبلي.
تنديد وإقصاء: القيادي عمر الدقير ينتقد بشدة محاولات إقصاء القوى السياسية المدنية من أي تسويات مطروحة.
واشنطن وباريس على الخط: مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس يؤكد خلال لقائه بمدير شؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط بالخارجية الفرنسية أن الرئيس دونالد ترمب يولي أهمية قصوى لإنهاء الأزمة السودانية باعتبارها أسوأ أزمة إنسانية عالمياً.

🔍 رصد التزييف، الجدل والتقارير الإعلامية
جدل الفيديوهات والذكاء الاصطناعي: المستشار الإعلامي بقال يؤكد أن الفيديوهات المنتشرة لحميدتي واللواء عثمان عمليات هي دبلجة عبر تقنيات “الذكاء الاصطناعي“، مشيراً إلى أن عثمان يتنقل بين الإمارات والهند منذ عامين ونصف للعلاج من السرطان ولا يتحرك إلا بكرسي متحرك.
تصريحات مثيرة للجدل: القيادي أبو شوتال يشعل منصات التواصل بإعلانه عدم الاعتراف باستقلال السودان عام 1956م ولا بالزعيم إسماعيل الأزهري.
ملاحقة نجل حمدوك: تقارير إعلامية تثير تساؤلات حول ارتباط نجل رئيس الوزراء السابق بشركة أمنية متهمة بتقديم دعم لوجستي لصالح الحرب في السودان.
فخ المكالمات المفبركة: تقارير تتحدث عن استدراج قياديين من خلال مكالمات منسوبة هاتفياً لقائد الميليشيا محمد حمدان دقلو.
تحليل سياسي: الكاتب ياسين عمر يواصل انتقاد خطاب حميدتي الأخير الصادر في يوم العيد، مشيراً إلى أنه يحمل “22 صفعة” سياسية وميدانية للميليشيا.

🚨 الوضع الإنساني، الميداني والانتهاكات بدارفور والولايات
مجزرة قرية المُرة: ارتفاع حصيلة الضحايا المدنيين الأبرياء جراء الهجوم الغاشم للميليشيا على القرية (غرب مدينة بارا) إلى أكثر من 40 شهيداً في هجمات مساء الخميس.
قصف مسيّر في أول أيام العيد: سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى المدنيين في بلدة “خزان باساو” بشمال دارفور جراء قصف بطائرات مسيرة تابعة لمليشيا الدعم السريع مساء الأربعاء.
المحكمة الجنائية الدولية: فريق الدفاع عن (علي عبد الرحمن كوشيب) يقدم طلباً رسمياً للقضاة لإلزام الحكومة السودانية بالمساهمة في تعويض ضحايا جرائم إقليم دارفور إلى جانب الصندوق الاستئماني للمحكمة.
قضية رشان أوشي: في أول عيد لها خلف القضبان، والد الصحفية رشان أوشي يشن هجوماً عنيفاً على من وصفهم بـ”مهندسي ومخططي القضية”.
انفلات أمني في أبو حمد: تصاعد شكاوى المواطنين في مدينة أبو حمد من حالة فوضى وانفلات أمني وخدمي، وسط مطالبات عاجلة للسلطات بالتدخل الفوري وفرض هيبة الدولة.

 


🚆 رحلة الأمل والعودة الطوعية (ملف خاص)
بشريات العودة في عيد الأضحى: أعلنت لجنة الأمل للعودة الطوعية عن اكتمال كافة التصديقات الرسمية لبدء رحلات المواطنين من مصر إلى السودان عبر مسار لوجستي متكامل (القطار من محطة رمسيس إلى السد العالي ⬅️ الباخرة “سيناء” إلى ميناء وادي حلفا ⬅️ البصات السفرية إلى الخرطوم).
إجراءات هامة: اللجنة تدعو الراغبين لتحديث بياناتهم إلكترونياً الأسبوع القادم، وتنوه بصرامة إلى أن الحد الأقصى للأمتعة هو 30 كيلوغرام فقط للفرد، ولن تُسمح أي حمولة إضافية حفاظاً على سلامة الأفواج.

🌦️ الشؤون المحلية، الصحية والخدمية
تحذير جوي عاجل: الراصد الجوي المنذر أحمد الحاج يحذر المواطنين من موجة حر قوية، شديدة وطويلة الأمد تضرب كافة أنحاء السودان ابتداءً من اليوم الجمعة وتستمر لعدة أيام.
مخاوف صحية بالبحر الأحمر: شبح العطش ونقص الإمداد المائي يهدد حياة الأهالي في ولاية البحر الأحمر.
تحذير طبي من “الشربوت“: مستشفى أم درمان الحكومي يوجه إرشادات صحية عاجلة ويحذر المواطنين من مخاطر تناول مشروب “الشربوت” السوداني التقليدي تجنباً للمضاعفات المعوية.
كارثة بيئية بأم درمان: غرف الطوارئ تطلق نداءً عاجلاً (“أدركوا أم درمان”) جراء غرق الشوارع بمخلفات ذبائح العيد قبل هطول الأمطار والخريف، وسط استمرار عمليات الإصحاح البيئي طوال أيام العطلة.
استعادة خدمات تخصصية: نجاح مستشفى أحمد قاسم في استعادة خدمات زراعة الكلى بكفاءة عالية.
أخبار سارة وفرص عمل: الخطوط الجوية القطرية تعلن فتح باب التوظيف لوظائف تشغيلية هامة في مطار بورتسودان الدولي، وإدارة الجوازات تحتفي بمنسوبيها المرابطين وتعلن عن ترقيات جديدة.
حراك أكاديمي: توقيع 13 اتفاقية تعاون بين جامعتي البطانة وبحري مع عدد من المنظمات والمؤسسات التركية.
الحركة الاقتصادية: أسواق الذهب بالسودان تسجل هبوطاً مفاجئاً وكبيراً في الأسعار خلال الساعات الماضية.
توبة هداية: فنان سوداني جماهيري معروف يعلن رسمياً إتمامه حفظ القرآن الكريم كاملاً والابتعاد عن الساحة الفنية.

🌍 الشؤون الإقليمية والدولية
تحالف صيني دولي لمكافحة الفقر: بكين تطلق تحالفاً ضخماً يضم السودان إلى جانب 52 دولة و9 منظمات دولية وإقليمية.
تحركات في مطار بحر دار: صور الأقمار الصناعية ترصد إنشاء حظيرة طائرات مسيّرة عسكرية جديدة داخل المطار شمال إثيوبيا، وسط تساؤلات حذرة عن طبيعة الأنشطة العسكرية هناك.
جوبا تحت التهديد: خبراء استراتيجيون بنيروبي يحذرون الرئيس سلفاكير من تهديدات أمنية متداخلة جراء عمليات تهريب أسلحة وتحركات مسلحة عابرة للحدود تحيط بالعاصمة جوبا.
الصومال تنتفض: الحكومة الصومالية تنفي بشكل قاطع وجود أي نشاط أو تواجد إسرائيلي على أراضيها.
عقوبات واشنطن: الولايات المتحدة الأمريكية تفرض عقوبات مشددة على مسؤولة أممية رفيعة وتدرجها بالقائمة السوداء، بالتزامن مع إدراج “هيئة إدارة مضيق هرمز” الإيرانية في قائمة العقوبات وتحذير المجتمع الدولي من التعامل معها.
الضربات الأمريكية: الجيش الأمريكي يعلن استهداف مركز تحكم حيوي للطائرات المسيرة داخل الأراضي الإيرانية.
كنز أثري في مصر: الإعلان عن اكتشاف أثري وتاريخي ضخم في مناطق مصرية قريبة من الحدود السودانية.
أنباء عن وفاة هادي: تداول أنباء وتقارير إعلامية غير مؤكدة في الرياض عن وفاة الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي.
جريمة النصب بنيروبي: فضيحة الذهب الوهمي تتصدر الواجهة بعد تعرض مواطن أمريكي لعملية نصب احترافية خطيرة خسر على إثرها 55 مليون شلن كيني.

شبكة أخبار وادي النيل | نقلٌ محايد.. قراءةٌ عميقة.. والتزامٌ وطني راسخ.

 

حدث اليوم

تجمع “صدى” بالخارج يهنئ بالأضحى: صمود شعبنا سينتصر ودعمنا للجيش ثابت لبناء سودان المستقبل

العواصم | المركز الإعلامي ل SADA

أصدر تجمع السودانيين بالخارج (صدى) بياناً صحفياً شاملاً بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، وجّه فيه أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى الشعب السوداني الصامد في الداخل ودول المهجر، وإلى الأمة الإسلامية جمعاء. وأكد التجمع في بيانه أن هذه المناسبة الدينية العظيمة تأتي في وقت يمر فيه الوطن بمنعطف تاريخي وظروف استثنائية معقدة، تتطلب رص الصفوف وتكامل الجهود الوطنية لتجاوز المحن وبناء مستقبل مشرق يليق بتضحيات الشعب السوداني.

أبرز محاور بيان تجمع السودانيين بالخارج (صدى):
التهنئة والتبريكات: تقديم أخلص الأمنيات للشعب السوداني والأمة الإسلامية، سائلاً المولى عز وجل أن يعيد هذه الأيام المباركة بالخير واليمن والبركات، وأن يتقبل من الجميع صالح الأعمال والطاعات.
اليقين بالانتصار وعودة الاستقرار: التأكيد على أن إرادة الشعب السوداني وعزيمته الراسخة قادرة على تحويل التحديات الجسام إلى بشائر نصر، وأن الوطن سيعود أكثر قوة، ووحدة، واستقراراً.
الدعم المطلق للقوات المسلحة: إعلان المساندة الكاملة للقوات المسلحة السودانية في معركتها الوطنية المقدسة للدفاع عن الأرض، والعِرض، وكرامة السيادة الوطنية.
الملف الإنساني والعودة الطوعية: التضرع بالدعاء من أجل عودة عاجلة وآمنة لجميع النازحين واللاجئين إلى ديارهم ومدنهم وقراهم، لتعود الحياة إلى طبيعتها أبهى وأجمل مما كانت.
الوفاء للتضحيات: الترحم على أرواح الشهداء الأبرار، والدعاء بشفاء الجرحى والمصابين، وفك أسر المفقودين والمختطفين لربط قلوب عائلاتهم بالطمأنينة.

أبعاد وطنية وإنسانية: التكاتف بين الداخل والخارج
شدد تجمع “صدى” على أن هذه الأيام المباركة يجب أن تشكل منطلقاً حقيقياً لتجديد قيم التراحم، والتعاضد، والتكاتف الاجتماعي بين أبناء الوطن الواحد في الداخل والخارج. وأشار البيان إلى أن المغتربين السودانيين يمثلون عمقاً استراتيجياً وسنداً حيوياً لإخوتهم في الداخل، سواء عبر الدعم المادي والإنساني أو من خلال المناصرة السياسية والإعلامية لقضايا الوطن العادلة.

“إننا في تجمع السودانيين بالخارج (صدى) نرى في عيد الأضحى مساحة للأمل والعمل معاً؛ فالأوطان لا تبنى بالأمنيات فقط، بل بالجهد المخلص والتلاحم الوطني الذي يتجاوز كل الخلافات من أجل سيادة السودان وسلامة أراضيه.”

واختتم التجمع بيانه بتجديد العهد على البقاء في خندق الوطن، داعياً الله أن يعم الأمن والسلام والرخاء ربوع السودان كافة، وأن تجتمع الأمة قريباً في وطن معافى تسوده المحبة، والاستقرار، والعدالة.

عاش السودان حراً، عزيزاً، ومنتصراً
تجمع السودانيين بالخارج – صدى

 

مقال العدد

(الصور المرفقة مع المقال تعبيرية، معالجة بالذكاء الاصطناعي)

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

السودان وهندسة النظام الدولي الجديد: دلالات الحضور في قمة موسكو الأمنية

تشهد الجغرافيا السياسية العالمية مخاضاً عسيراً لإعادة صياغة موازين القوى، حيث تتراجع هيمنة القطب الواحد لحساب صعود تدريجي ومستمر لعالم متعدد الأقطاب. في قلب هذا التحول المتسارع، جاءت المشاركة السودانية رفيعة المستوى في الاجتماع الدولي لكبار المسؤولين المعنيين بالشؤون الأمنية في موسكو، بمشاركة وفود من 145 دولة، لتقدم رؤية استراتيجية تتجاوز البعد المحلى للأزمة السودانية، وتضعها في سياقها الصحيح كجزء من الصراع الدولي والإقليمي المحتدم.

تكتسب هذه المشاركة أهمية استثنائية، ليس فقط من حيث توقيتها وسياقها الدولي، بل من حيث الرسائل العميقة التي حملتها المنصة الروسية، والتي عكست تحولاً بليغاً في المقاربة الأمنية والسياسية للسودان، والانتقال من مرحلة الدفاع والاحتواء الداخلي إلى مرحلة الهجوم الدبلوماسي وتعرية الشبكات الإقليمية والدولية المغذية للصراع.

تنطلق الرؤية السودانية التي طُرحت في المحفل الدولي من قراءة دقيقة لاختلالات النظام الدولي الراهن. إن تبني مفهوم “العالم متعدد الأقطاب” ليس مجرد خيار سياسي عابر، بل هو ضرورة حتمية للدول التي عانت من سياسات القطب الواحد، والتي اتسمت بازدواجية المعايير، واستخدام العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية كأدوات قسرية لفرض أجندات خارجية على حساب سيادة الدول ومصالح شعوبها.

إن غض الطرف الدولي عن التدخلات السافرة لبعض القوى الإقليمية في الشأن السوداني، ومنحها نوعاً من الحصانة غير المعلنة، هو نتاج مباشر لغياب العدالة في آليات النظام الدولي الحالي. ومن هنا، جاءت الدعوة لإصلاح المؤسسات الدولية وتبني شراكات حقيقية تحمي الدول النامية و المستضعفة، لتشكل ركيزة أساسية لبيان السودان، الذي وضع التنمية والتكامل الاقتصادي كبديل استراتيجي للتنافس الصراعي المحموم.

لقد نجحت الدبلوماسية الأمنية السودانية في موسكو في تفكيك البنية الهيكلية للأزمة الراهنة أمام المجتمع الدولي، ناقلةً التوصيف من “حرب أهلية” أو “نزاع داخلي” إلى واقعها الحقيقي: عدوان ممنهج تقوده مليشيا متمردة مدعومة بمرتزقة من أكثر من 17 دولة.

هذا التوصيف يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية. بالانتهاكات الجسيمة التي تم استعراضها، بدءاً من تدمير البنى التحتية الحيوية، مرواً بالجرائم المرتكبة ضد المدنيين، وصولاً إلى المحاولات الخبيثة لإحداث تغيير ديموغرافي قسري عبر استبدال السكان الأصليين بمكونات وافدة من خارج الحدود، لا يمكن تصنيفها إلا كجرائم حرب مكتملة الأركان.

إن الطرح السوداني كان حاسماً في الربط بين استمرار هذه المليشيا وبين تمدد الخطر الإرهابي؛ فالأمر لم يعد مقتصراً على حدود الخرطوم أو دارفور، بل إن استجلاب المرتزقة وتدفق السلاح العابر للحدود يمثل وجهاً جديداً للإرهاب الدولي الذي سيمتد لهيبه ليزعزع استقرار الإقليم بأسره، ويمس مصالح الأمن الدولي في مناطق حيوية كالبحر الأحمر والقرن الإفريقي. ومن هذا المنطلق، أصبحت المطالبة الدولية بتصنيف هذه المليشيا المتمردة كـ “منظمة إرهابية” ضرورة أمنية ملحة لحماية السلم والأمن الدوليين، وليس مجرد توصيف سياسي داخلي.

في مقابل التهديدات، حملت المشاركة السودانية رسائل ثقة وقوة عكست التطورات الإيجابية على مسرح العمليات والواقع السياسي الداخلي. إن التفاف الشعب السوداني حول قواته المسلحة ومؤسسات دولته الشرعية شكل الصخرة التي تكسرت عليها مؤامرة تفكيك الدولة. هذا التلاحم لم يثمر فقط انتصارات عسكرية متتالية ودحراً للمليشيا في مختلف المحاور، بل أدى إلى تصدع في جبهة التمرد تجسد في انسلاخ العديد من قياداتها وعودتهم إلى حضن الوطن بعد تكشف زيف الشقاق.

ولعل المؤشر الأبرز على تعافي الدولة وبسط سيطرتها هو عودة الحكومة لممارسة مهامها من العاصمة الخرطوم، والمضي قدماً في تطبيع الحياة العامة وصيانة واستعادة الخدمات الأساسية. هذه الخطوة تمثل دليلاً عملياً على أن مؤسسات الدولة الشرعية هي الصمام الوحيد للأمن والاستقرار، وأن الرهان على إضعافها أو استبدالها كان رهاناً خاسراً منذ البداية.

على هامش المؤتمر، جاء اللقاء مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الروسي (مجلس الدوما) ليعزز هذا التوجه الاستراتيجي. إن الموقف الروسي الثابت والمبدئي في دعم وحدة وسيادة السودان، ورفضه القاطع لأي محاولات تستهدف الحكومة الشرعية، يمثل حجر زاوية في العلاقات الثنائية المستندة إلى الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
إن الإشادة السودانية بالمواقف الروسية، خاصة في مجلس الأمن الدولي، تعكس تقديراً لتوازن القوى الذي تتيحه موسكو في مواجهة محاولات التسييس والتدخل في الشؤون الداخلية. وقد أمن الجانبان على تفعيل الآليات القائمة وتبادل الزيارات لتطوير العلاقات في المجالات كافة، مما يفتح الباب واسعاً لمرحلة ما بعد الحرب.

وفي هذا السياق، جاءت الدعوة السودانية للدول الصديقة، وفي مقدمتها روسيا، للمشاركة في عملية إعادة الإعمار شاملة القطاعات الحيوية كافة. هذه الدعوة تؤكد أن السودان، ورغم جراح الحرب، يتطلع إلى المستقبل بعين الثقة، وينفتح على المجتمع الدولي كشريك فاعل وبناء يسعى لتحقيق السلام والاستقرار الإقليمي والدولي.

خلاصة القول : إن مشاركة السودان في قمة موسكو الأمنية، وطرحه لرؤية وطنية متماسكة ترتبط بإصلاح النظام الدولي، يمثلان تحولاً نوعياً في إدارة معركة السيادة. لقد أثبتت الدولة السودانية أنها، رغم التحديات الجسيمة، قادرة على صياغة تحالفات استراتيجية وازنة، وتعرية الإرهاب العابر للحدود، وتقديم مشروع متكامل للاستقرار يستند إلى حوار سوداني-سوداني خالص يعقد داخل البلاد وينأى عن الإملاءات الخارجية. إن هندسة المستقبل السوداني تصنع اليوم في الميدان وتلاحم الشعب مع قيادته، وتدعمها دبلوماسية أمنية واعية تعرف كيف تضع مصالح الوطن العليا في صدارة الأجندة الدولية.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.