تقييم نقدي لمقال بعنوان القرآن لا يبحث عن دولة إسلامية بل يبني أمة مستخلفة

تقييم نقدي من الدكتور خالد حسين محمد

9

 


تقييم نقدي  للمقال
القرآن لا يبحث عن دولة إسلامية بل يبني أمة مستخلفة للبروفسور طارق الصادق عبد السلام  يتناول الدكتور خالد حسين في قراءة نقدية تفكيك الافكار الواردة فى المقال مع قراءة دقيقة لتحديد نقاط القوة والماخذ التى  قد تضعف الطرح .
د . خالد حسين محمد
أولا”: مدخل نقدي عام:-
يقدم المقال أطروحة إصلاحية تسعي الي إعادة ترتيب أولويات المشروع الإسلامي متنقلا” من سؤال الدولة الي سؤال الأمة والاستخلاف ، وعلي الرغم من نبل المقصد وسلامة التوجه العام ، فان قراءة نقدية متأنية تكشف عن جملة من الاخطاء المنهجية والمعرفية التى تضعف قيمته العلمية وتجعله أقرب إلى الخطاب الوعظى المتأمل منه الي البحث الفكري المؤسسي .
ثانيا”: نقاط الضعف المنهجية:- الأخطاء المنهجية والمعرفية والصياغة التي تضعف قيمته العلمية وتجعله أقرب الي الخطاب الوعظي
1- الانتقائية من الاستدلال القرآني ، حيث اعتمد الكاتب علي آية واحدة محورية (اني جاعل في الأرض خليفة) وسورة النمل وبني عليها نظرية كلية وهذا قصور استقرائي واضح اذ أن آيات الحكم والسلطة والولاية في القرآن كثيرة (النساء 59 ، المائدة 44-47 ، النور 55 ، لم يحاورها الكاتب ولم يدمجها في نسقة ، النظرية الكلية لا تبني علي عينة انتقائية .
2- غياب المنهج المقارن ، لم يستعرض الكاتب المدارس المخالفة ( المودودي – سيد قطب حسن البنا ، الخميني وغيرهم ، ولم يفند أطروحاتهم في أولوية الحاكمية ، تجاهل الخصم الفكري يفقد الأطروحة قوتها الجدلية .
3- الكاتب يقول أبنو الأمة قبل الدولة ولكنه لا يجيب كيف تبني الأمة في غياب الدولة الحامية ، من يحمي التعليم والاقتصاد والقضاء والأمن ؟أثناء عملية بناء الأمة ، فهذه ثغرة إجرائية جوهرية تسقط الأطروحة عند التطبيق .
4- الكاتب يستدل بأن الوحي بدأ في مكة بالعقيدة قبل الدولة ، ثم يحول هذا الترتيب الوصفي الي قانون معياري ملزم لكل العصور ، فالسياق النبوي الفريد لا يشرع منه قانون كوني مطلق .
5- المقال خال من أي هوامش أو مراجع أو احالة مع ان أفكاره تتقاطع بشكل واضح مع عدد من المفكرين الإسلاميين مثل مالك بن بني وراشد الغنوشى وغيرهم ، وهذا يوقع النص في شبهة إعادة انتاج أفكار الآخرين دون نسبتها اليهم .
ثالثا”: الأخطاء المعرفية والمفاهيمية:-
1- الكاتب يتعامل مع الدولة ككيان حديث بمعناها الوستفالي بينما القرآن لا يعرف هذا المفهوم أصلا” ، فاسقاط مفاهيم معاصرة علي النص القرآني خطأ منهجي كلاسيكي .
2- كثير من العبارات معممة تعميم غير علمي مثل (كثير من التجارب الإسلامية المعادة) (وبعض المشاريع) ، مجملة ولا يحدد أي تجربة يقصد ، فكان الأوفق أن يسمي الحالات ومنها مثلا” ( السودان ، ايران ، طالبان ، الأخوان) .
3- هناك خلط واضح بين مفاهيم الأمة والمجتمع والجماعة ، فالكاتب يستخدمها بشكل تبادلي علي الرغم من أن لها حمولات ودلالات مختلفة ، مما يدفع القارئ في ارتباك اصطلاحي.
4- قرأ الكاتب سورة النمل قراءة انتقائية بما يوافق أطروحته وتجاهل ما يعارضها ففي سورة النمل دولة سليمان القوية بالجيش والسلطة ( وحشر لسليمان جنوده …) وفيها الاستخدام الحاسم للقوة (تهديد بلقيس بالجيش ) .
5- القول بأن الانسان قبل الأسرة قبل المجتمع قبل الأمة قبل الدولة ، تسلسل نظري تجريدي لا واقع له . في التاريخ الفعلي ، هذه الكيانات تتشكل بالتوازي وبالتفاعل المتبادل لا بالتتابع الخطي .
رابعا”: الأخطاء الفكرية الجوهرية:-
1- الكاتب يفترض مسبقا” أن التجارب الإسلامية تعثرت بسبب تقدم الدولة علي الأمة ويستدل بهذا الافتراض علي صحة نظريتة ، ولكن هذا غير دقيق فتعثر التجارب له أسباب متعددة كالاستبداد الداخلي أو التدخل الخارجي أو الفساد الإداري أو من فقر اقتصادي وليس بالضرورة ترتيب الأولويات .
2- فكرة بناء أمة شاهدة قبل الدولة ، فكرة مثالية غير قابلة للتطبيق في عالم يقوم علي الدولة القومية والمنافسة الجيوسياسية . من يحمي عملية البناء الطويل من التدخلات والحروب والاختراقات .
3- المقال يتحدث عن الانسان والأمة والقيم دون أي إشارة للبعد الاقتصادي والطبقي والمصلحي في تشكيل المجتمعات . وهذا يفقد النص واقعيته .
4- الحديث عن الحضارة التي تولد من الدولة ، التي تولد من الأمة ، لا تصمد أمام المعطيات التاريخية ، فالحضارات الكبرى كالفارسية والرومانية والعباسية قامت بالفتح والقوة قبل أن تتشكل الأمة بمعناها الثقافي .
5- بغياب معايير القياس تصبح الأطروحة قابل للتأجيل للأبد ، فما هي المؤشرات الكلية والنوعية التي بواسطتها نقول أن الأمة اكتملت فيصبح تأسيس الدولة ؟ وهذا أخطر ما فيها سياسيا” .
فكرة المقال المتمثلة في أولوية الاستخلاف علي السلطة صحيحة في جوهرها ، لكن معالجتها جاءت متسرعة وعظية مفتقرة للصرامة الاكاديمية .
المقال يمثل نية طيبة وفكرة نبيلة لكن المعالجة بنقصها الكثير ، ويصلح المقال لأن يكون مسودة أولي لبحث لا نصا” نهائيا” .

Leave A Reply

Your email address will not be published.