السياحة البيئية في السودان: بناء الواقع قبل تسويق الصورة (2)
من عمق المشهد
د. ست البنات حسن
يقف السودان اليوم أمام استحقاق مصيري يتجاوز إعادة بناء ما هدمته الحرب من مبانٍ وطرق ومنشآت، إلى إعادة اكتشاف ثروات ظل كثير منها خارج دائرة الاستثمار الحقيقي، وفي مقدمتها الطبيعة والمحميات والحياة البرية والبيئات البحرية. وبينما تتجه الأنظار إلى القطاعات القادرة على تحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل في مرحلة التعافي، تبرز السياحة البيئية بوصفها قطاعًا يمكن أن يجمع بين التنمية والحماية، وبين تحسين دخل المجتمعات المحلية وصون الموارد الطبيعية.
لكن قبل أن نسأل: كيف نسوّق السودان سياحيًا؟ ربما ينبغي أن نسأل سؤالًا أكثر أهمية: أي سودان نريد أن نعرضه للعالم؟
هل نعرض محمية تفتقر إلى الحماية والخدمات؟ أم شاطئًا جميلًا تحيط به مخاطر التلوث؟ أم قرية محلية لا يصل إليها الطريق ولا تستفيد من عائد الزوار؟ أم نريد أن نقدم للعالم نموذجًا سودانيًا جديدًا للسياحة، يقوم على بيئة مصانة، ومجتمع مستفيد، وزائر آمن، وإدارة تعرف أن الطبيعة أصل من أصول الاقتصاد وليست مادة للاستهلاك السريع؟
هنا تكمن القضية.
السياحة البيئية الحقيقية لا تبدأ من الإعلان، وإنما من المكان. ولا تبدأ من السائح، وإنما من حماية الموئل. ولا تقاس بعدد الزوار فقط، وإنما بما تتركه الزيارة من أثر في المكان والإنسان.
فالسودان لا يحتاج بعد الحرب إلى حملة علاقات عامة تخفي هشاشة الواقع، بقدر حاجته إلى بناء واقع جديد يجعل الصورة الإيجابية نتيجة طبيعية لما يحدث على الأرض.
لقد كانت الطبيعة في السودان دائمًا أكثر من مجرد مساحة جغرافية. كانت موردًا للعيش، وذاكرة للمجتمعات، وامتدادًا للثقافة المحلية، وملجأً للحياة البرية، ومكوّنًا من مكونات الهوية الوطنية. ومن الدندر في الشرق إلى ردوم في الغرب، ومن صحارى الشمال إلى جبال النوبة، ومن النيل وبيئاته إلى الشعاب المرجانية في البحر الأحمر، تتعدد البيئات وتتعدد معها فرص التنمية.
لكن الحرب أضافت إلى التحديات القديمة تحديات جديدة؛ فضعف الرقابة، والنزوح، وتراجع الخدمات، وتغير أنماط استخدام الأرض، وتوقف بعض المؤسسات عن أداء أدوارها، كلها عوامل يمكن أن تزيد الضغط على الموارد الطبيعية. ولذلك فإن إعادة تأهيل المحميات ليست مهمة تجميلية تضاف إلى برنامج إعادة الإعمار، بل جزء من استعادة قدرة الدولة على إدارة مواردها وحماية مصالح مواطنيها.
والخطوة الأولى هنا هي المعرفة.
لا يمكن أن نعيد تأهيل ما لا نعرف حالته. ولذلك تحتاج المحميات السودانية إلى مسوحات ميدانية حديثة تحدد بدقة ما الذي بقي سليمًا، وما الذي تضرر، وما الذي يحتاج إلى تدخل عاجل. نحتاج إلى معرفة حالة الغطاء النباتي، ومصادر المياه، وأعداد وأنواع الحيوانات والطيور، وحالة الشعاب المرجانية والموائل البحرية، ومواقع التعديات، وحركة الصيد، وأثر النزوح والأنشطة البشرية.
كما يجب التعامل بجدية مع مخلفات الحرب ومخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة حيثما توجد مؤشرات عليها. ولا ينبغي افتراض أن كل محمية ملوثة أو أن كل مسار سياحي خطر؛ كما لا ينبغي افتراض العكس. المعيار هو المسح المتخصص، وليس التخمين.
وهذا مهم ليس للسائح وحده، بل للسكان المحليين أولًا.
فلا معنى للحديث عن عودة السياحة إلى منطقة لا يستطيع سكانها أنفسهم التحرك بأمان فيها.
بعد المعرفة تأتي الحماية.
والحماية لا تعني زيادة عدد الحراس فقط، وإن كان وجودهم ضروريًا. إنها تعني بناء منظومة متكاملة تشمل التأهيل والتدريب والمراقبة، وتوفير وسائل الحركة والاتصال، وتحديث الخرائط وقواعد البيانات، وتشديد الرقابة على الصيد الجائر وقطع الأشجار والاتجار غير المشروع بالحياة البرية، إلى جانب التعاون مع المجتمعات التي تعيش حول المحميات.
وهنا ينبغي أن نتوقف عند حقيقة كثيرًا ما تُغفل في خطط حماية البيئة: المجتمع المحلي ليس مشكلة ينبغي السيطرة عليها، بل شريك ينبغي تمكينه.
فالناس الذين يعيشون حول المحمية يعرفون مساراتها ومواسمها ومصادر مياهها وحركة حيواناتها، وهم أول من يلاحظ التغيرات التي تطرأ عليها. وإذا شعر المجتمع أن المحمية أغلقت عليه أبواب رزقه، فسوف تتحول الحماية إلى صراع. أما إذا شعر أن بقاء الطبيعة يعني بقاء فرصة العمل وتحسن الخدمات وارتفاع الدخل، فسوف يصبح هو الحارس الأول لها.
ومن هنا ينبغي أن يكون للمجتمعات المحلية نصيب واضح من اقتصاد السياحة: في الإرشاد، والنقل، والضيافة، والطعام، والحرف اليدوية، والمنتجات المحلية، والخدمات المختلفة. والأهم أن تكون هناك آلية واضحة وشفافة لعودة جزء من عائدات السياحة إلى المنطقة في صورة خدمات وتنمية وحماية.
فالبيئة التي لا يستفيد أهلها من حمايتها يصعب أن تستمر حمايتها طويلًا.
أما ترميم الطبيعة، فلا ينبغي أن يتحول هو الآخر إلى نشاط شكلي. فإعادة تأهيل المحمية ليست مجرد زراعة أشجار أو إطلاق بعض الحيوانات أمام الكاميرات. الطبيعة نظام متكامل، وأي تدخل فيه يحتاج إلى معرفة علمية بطبيعة المكان. فقد يؤدي إدخال أنواع غير ملائمة إلى الإضرار بالتوازن البيئي، كما يمكن لمشروع بنية تحتية غير مدروس أن يغير مسارات المياه أو يضر بالموائل الحساسة.
وفي البيئات البحرية، تبدو المسألة أكثر حساسية. فالشعاب المرجانية، والأعشاب البحرية، والمانغروف، والسلاحف، والأطوم وغيرها من الكائنات تحتاج إلى بيئة شديدة الحساسية تجاه التلوث وحركة القوارب والرسو العشوائي والصيد غير المنظم.
وقد نبهت اليونسكو، في شأن موقع سنقنيب وخليج دونقناب وجزيرة مكوار البحرية المدرج على قائمة التراث العالمي، إلى ضرورة إدارة مخاطر التلوث والأنشطة البحرية ومراقبة أثر السياحة على النظام البيئي والمجتمعات المحلية. وهذه ليست عقبة أمام السياحة، بل هي في الحقيقة شرط لاستمرارها؛ لأن السائح الذي يأتي لرؤية الشعاب المرجانية لن يعود إذا كانت الشعاب نفسها قد تضررت بسبب السياحة غير المنضبطة.
ومن هنا تظهر مفارقة مهمة:
قد تكون السياحة وسيلة لحماية الطبيعة، لكنها يمكن أن تصبح وسيلة لتدميرها إذا أُديرت بعقلية الربح السريع.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج إلى سياحة جماهيرية عشوائية في البداية، وإنما إلى سياحة نوعية ومدروسة تستهدف المهتمين بالطبيعة والحياة البرية والغوص والتصوير ومراقبة الطيور والثقافة المحلية والرحلات العلمية. هؤلاء الزوار قد يكون عددهم أقل، لكن إنفاقهم أعلى نسبيًا، واهتمامهم بالمكان أكبر، وأثرهم البيئي يمكن التحكم فيه بصورة أفضل.
وهنا أيضًا ينبغي أن نتحرر من فكرة أن نجاح السياحة يقاس بعدد الفنادق والمنشآت الضخمة.
قد يكون المشروع السياحي الناجح في محمية ما نُزلًا بيئيًا صغيرًا تديره شركة محلية بالتعاون مع المجتمع، بدل منتجع إسمنتي ضخم يستهلك المياه ويستنزف البيئة ويستحوذ على معظم العائد خارج المنطقة.
ليست كل بنية تحتية تنمية، وليست كل منشأة سياحية إضافة.
المعيار هو: ماذا أضافت للمكان ولأهله، وماذا أخذت منه؟
ومن الضروري كذلك ألا نربط تمويل المحميات بالسياحة وحدها. فالمحمية ثروة وطنية، وحمايتها مسؤولية الدولة والمجتمع، حتى في السنوات التي يقل فيها عدد السياح. ويمكن للسياحة أن توفر جزءًا من التمويل من خلال رسوم الدخول، والتصاريح، والخدمات، والشراكات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحمل عبء حماية مساحات طبيعية شاسعة.
ومن هنا فإن المطلوب إنشاء صندوق أو آلية وطنية مستدامة لتمويل حماية المحميات، تتجمع فيها موارد الدولة والمنح والشراكات والاستثمارات السياحية البيئية، مع قدر عالٍ من الشفافية والمساءلة، بحيث يعرف المواطن أين تذهب أموال الحماية، وما الذي تحقق بها.
والأهم من ذلك أن نعيد تعريف نجاح المشروع.
لا ينبغي أن يكون السؤال: كم سائحًا زار السودان؟
بل:
كم هكتارًا من الموائل تمت حمايته؟
هل تحسنت حالة الحياة البرية؟
هل انخفض الصيد الجائر؟
هل أصبحت الشعاب المرجانية أكثر سلامة؟
كم أسرة محلية استفادت من النشاط السياحي؟
كم شابًا وامرأة حصلوا على فرص عمل؟
هل تحسنت الخدمات في القرى المحيطة؟
وهل أصبح المجتمع نفسه أكثر قدرة على حماية موارده؟
هذه هي المؤشرات التي تخبرنا إن كنا نبني سياحة مستدامة أم نستهلك الطبيعة باسم السياحة.
ويبقى التحدي الأكبر هو الصورة الذهنية للسودان.
فالحرب تركت في أذهان كثير من الناس خارج البلاد صورة مرتبطة بالعنف والنزوح والأزمات. ولا يمكن تغيير هذه الصورة بمجرد إعلان سياحي جميل. الصورة الجديدة يجب أن تُبنى على واقع جديد، ثم يأتي الإعلام ليكشفه للعالم.
يمكن للسودان أن يقدم عبر السياحة البيئية قصة مختلفة: بلدًا يمتلك سواحل وشعابًا مرجانية، وحياة برية، وصحارى وجبالًا، ونظمًا بيئية متنوعة، ومجتمعات محلية ذات ثقافات عريقة. لكن هذه القصة لن تكون مقنعة إذا وجد الزائر فجوة كبيرة بين الإعلان والواقع.
أقوى دعاية للسودان ليست الفيلم السياحي؛ بل الزائر الذي يعود إلى بلده ويتحدث عن تجربة آمنة وجميلة ومحترمة.
وهذا يعني أن التسويق ينبغي أن يأتي في الوقت المناسب، وأن يكون صادقًا. لا نبيع للعالم صورة مثالية لا وجود لها، وإنما نقدم ما أصبح السودان قادرًا على تقديمه بالفعل، ثم نوسع الدائرة تدريجيًا.
إن مرحلة ما بعد الحرب يمكن أن تكون فرصة لإعادة التفكير في نموذج التنمية نفسه. فبدل العودة إلى اقتصاد يستنزف الموارد الطبيعية دون حساب كافٍ لقيمة الأجيال المقبلة، يمكن أن تكون الطبيعة أحد الأصول التي نبني عليها اقتصادًا أكثر تنوعًا واستدامة.
والسياحة البيئية، إذا أحسنّا بناءها، يمكن أن تلتقي فيها ثلاثة أهداف تبدو منفصلة: حماية البيئة، وتمكين المجتمعات، وتنشيط الاقتصاد.
لكنها لن تفعل ذلك تلقائيًا.
فالسوق لا يحمي الطبيعة وحده، والاستثمار لا يضمن العدالة وحده، والترويج لا يصنع الأمن وحده. ولذلك فإن الدولة مطالبة بوضع القواعد التي تجعل الاستثمار السياحي خادمًا للمصلحة العامة، لا بديلًا عنها.
وفي النهاية، فإن القضية أعمق من مجرد استعادة قطاع سياحي.
إنها تتعلق بعلاقتنا بالأرض.
فحين ننظر إلى المحمية باعتبارها أرضًا لا قيمة لها إلا إذا دخلها السائح، نكون قد أخطأنا فهمها. قيمتها قائمة قبل السائح وبعده؛ في الماء الذي تحفظه، والتربة التي تحميها، والحيوان الذي يجد فيها مأواه، والمجتمع الذي يعيش حولها، والذاكرة التي تحملها للأجيال.
أما السياحة، فهي إحدى الوسائل التي يمكن أن تجعل هذه القيمة محسوسة اقتصاديًا واجتماعيًا، وأن تحول حماية الطبيعة من عبء مالي إلى استثمار طويل المدى.
ولذلك فإن السودان لا يحتاج أولًا إلى أن يسوّق صورته، وإنما إلى أن يبني الواقع الذي يجعل الصورة صادقة.
فإذا أمّنا المحمية، وأصلحنا طريقها، وأهلنا كوادرها، وحمينا الحياة البرية، وراعينا حساسية البيئة البحرية، وأشركنا المجتمعات المحلية، وضمنّا عدالة توزيع العائد، عندها فقط يمكن أن نفتح أبواب السودان للعالم بثقة.
وحين يأتي الزائر إلى السودان فلا يجد مجرد طبيعة جميلة، وإنما يجد وطنًا يحترم أرضه وأهله وموارده، فإن السياحة لن تكون مجرد مصدر للعملة الصعبة أو فرص العمل؛ ستصبح رسالة من السودان إلى العالم بأن هذا البلد، رغم جراحه، يعرف كيف يبدأ من جديد.
فالتعافي الحقيقي لا يعني أن تعود المدن إلى ما كانت عليه فقط، وإنما أن تعود الأرض إلى عافيتها، وأن يعود الإنسان إلى علاقته بها، وأن تتحول ثروات الطبيعة من موارد مستنزفة إلى أصول تحفظها الدولة وينتفع بها المجتمع.
وحين تستعيد المحمية عافيتها، ويجد أهلها رزقًا كريمًا في حمايتها، ويعود الطائر إلى موطنه، وتستعيد الشعاب المرجانية ألوانها، ويصل الزائر إلى المكان فيجد الأمن والجمال والكرامة، عندها لا تكون الحياة قد عادت إلى الأشجار والطيور والمياه وحدها؛ بل يكون السودان نفسه قد بدأ يستعيد شيئًا من روحه.
