شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… فخ برلين: سيادة السودان بين حوار “الطرشان” والوصاية الدولية
شيء للوطن
م. صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
فخ برلين: سيادة السودان بين حوار “الطرشان” والوصاية الدولية
يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً وخطورة في تاريخه الحديث، حيث تتكالب الأجندات الدولية وتتقاطع المصالح الإقليمية فوق أنقاض الدولة ومؤسساتها. وفي خضم هذا الصراع، يبرز “مؤتمر برلين” كحلقة جديدة في سلسلة المحاولات الدولية التي ترفع شعارات إنسانية براقة، بينما تخفي في طياتها ملامح تدخل سافر يهدد السيادة الوطنية ويؤسس لمرحلة من الوصاية الخارجية المطلقة.
إن الحكم على نجاح أي مؤتمر سياسي يتوقف بالضرورة على ركنين أساسيين: أجندة واضحة ومشاركة فاعلة وشاملة. وبالنظر إلى حيثيات “مؤتمر برلين“، نجد أنه سقط في الاختبارين معاً. الجهة المنظمة لم تكتفِ بتجاوز الحكومة السودانية —التي تمثل السيادة القانونية والوحدة الوطنية— بل تعمدت تغييب القوى السياسية والكيانات الفاعلة في الداخل، والاكتفاء بدعوة أطراف “الاتفاق الإطاري” التي يرى الكثيرون أنها كانت الشرارة التي قادت البلاد إلى أتون الحرب.
هذا الإقصاء الممنهج لا يمكن تفسيره إلا بكونه “جهلاً مطبقاً” بالواقع السوداني المعقد، أو “عملاً مقصوداً” يهدف لفرض واقع سياسي مشوه. إن تغييب الطرف الرسمي (الحكومة) يعني ببساطة غياب نصف الحل، وتحويل المنصة الدولية إلى مجرد مساحة لاستنساخ الأزمات لا حلها.
ما يحدث في كواليس هذه المؤتمرات الخارجية ليس حواراً وطنياً، بل هو “حوار طرشان” بامتياز. فالمجتمع الدولي يصر على سماع صوت واحد، وتكرار سردية طرف بعينه، متناسياً أن العملية السياسية الجادة تتطلب الانفتاح على الفاعلين المتباينين، بل وحتى المشاكسين للتوجهات الدولية.
إن محاولة إعادة “المليشيا” وجناحها السياسي إلى المشهد العام عبر “بوابة العمل الإنساني” هي مغالطة أخلاقية كبرى. فكيف يمكن لمن تسبب في الكوارث الإنسانية، وأفقر المؤسسات، وشرد الملايين على مدار سنوات الحرب، أن يكون هو “الخصم والحكم” في آن واحد؟ إن محاولة غسل الجرائم بغطاء الإغاثة لا تمنح شرعية، بل تعمق جراح الوطن.
لا يمكننا إلقاء اللوم كاملاً على الخارج بينما يعاني الداخل من تصدعات بنيوية. القوى الوطنية والأحزاب الفاعلة في السودان، رغم تأثيرها المفترض، تعيش حالة من الشتات والتمزق، وفشلت حتى الآن في تقديم مشروع سياسي وطني جامع يغلق الباب أمام التدخلات الخارجية.
ومما يزيد الطين بلة، أن الحكومة السودانية نفسها تبدو وكأنها لا تولي القوى الداخلية الاهتمام الكافي، حيث تركز جل طاقتها في الاشتباك مع القوى الخارجية، مهملةً بناء جبهة داخلية صلبة تكون هي خط الدفاع الأول عن السيادة. هذا الفراغ السياسي هو الذي سمح للقوى الدولية بفرض وصايتها تحت مسميات “التسهيل” و”الوساطة“.
بينما يحقق الجيش السوداني انتصارات على الأرض، يظل الجناح السياسي والإعلامي غائباً أو مشلولاً. إن فشلنا في صياغة “سردية وطنية” مقنعة للمجتمع الدولي ليس مجرد قصور إعلامي، بل هو غياب لـ “غرفة عمليات مركزية” تدير الصراع بأبعاده السياسية والدبلوماسية. إن المجهودات المبعثرة هنا وهناك لن تصمد أمام آلة إعلامية دولية ضخمة تسعى لتثبيت واقع يخدم مصالحها لا مصلحة المواطن السوداني.
إن السيادة الوطنية ليست مجرد شعار، بل هي ممارسة تبدأ برفض أي اتفاقات غير شاملة تُطبخ في المطابخ الخارجية. إن أي محاولة لتحديد أطراف النزاع والحل من قِبل المنظمين الدوليين هي “تدخل سالب” ووصاية مقنعة يجب على الدولة السودانية رفض نتائجها جملة وتفصيلاً.
على الحكومة أن تعي أن “الحل” يبدأ من الداخل، عبر توحيد الصف الوطني وتقوية الجبهة الداخلية، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن عهد الوصاية قد ولى، وأن أي عملية سياسية لا تحترم سيادة الدولة وتستصحب جميع الفاعلين الحقيقيين لن تكون إلا حرثاً في البحر، واستمراراً لمعاناة شعب لا يطلب سوى السلام والعدالة والسيادة فوق أرضه.