التحليل المضموني لسورة النمل
مدخل قراني لمشكلات المجتمع السوداني
أ . د طارق الصادق عبد السلام
رئيس مركز البحوث والدراسات الاجتماعية
منذ بدايات النهضة الإسلامية الحديثة، ظل مفهوم التمكين أحد أكثر المفاهيم تداولًا في الخطاب الإسلامي.
وكثيرًا ما ارتبط في الوعي العام بالوصول إلى السلطة، حتى أصبح النجاح أو الفشل يقاس بامتلاك الحكم أو فقدانه.
غير أن المتأمل في القرآن يلحظ مفارقة لافتة؛ فالقرآن لا يبدأ من سؤال: كيف نصل إلى السلطة؟ وإنما يبدأ من سؤال آخر أكثر عمقًا: كيف تتحول السلطة إلى أداة لتحقيق رسالة الاستخلاف العمران؟ فالإنسان مستخلف في الارض- (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ) – ليعمرها وفقا للمهام التي كلفه الله تعالى بها، فهو مخلوق لعبادة الله تعالى وإعمار الأرض أحد أهم جوانب تعبده هذا.
وهنا تكشف سورة النمل عن تحول معرفي بالغ الأهمية.
فالقرآن لا يعرض ملك سليمان بوصفه إنجازًا سياسيًا، ولا يتحدث عن الوسائل التي أوصلته إلى الحكم، وإنما يبدأ بعد أن أصبح ممكَّنًا، ليبين كيف تُدار السلطة، وكيف تتحول القوة إلى عدل، والعلم إلى قيادة، والملك إلى عبادة.
ولهذا افتتحت القصة بالعلم قبل القوة، ثم عرضت حسن التنظيم، وإدارة المعلومات، واتخاذ القرار، وإدارة العلاقات الدولية، لتنتهي بأعلى مراتب السلطة جميعًا، وهي الهداية.
إنها رسالة واضحة:
ليست قيمة الدولة في اتساع سلطانها، وإنما في قدرتها على هداية الإنسان وإقامة العدل.
ومن اللافت أن سليمان عليه السلام، كلما ازداد سلطانًا، ازداد تواضعًا، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾
فالقرآن لا يقدم التمكين بوصفه جائزة يمنحها الله لأوليائه، بل بوصفه ابتلاءً يزداد ثقله كلما اتسعت دائرة السلطة.
ومن هنا يمكن إعادة قراءة كثير من التجارب الإسلامية المعاصرة.
فقد انصب الجهد – في كثير من الأحيان – على بناء مشروع للوصول إلى السلطة، بينما بقي مشروع إدارة السلطة وفق السنن القرآنية أقل حضورًا. وغلب الاهتمام بالشعار السياسي على بناء الإنسان، و بالاستحواذ على أجهزة الدولة على ترسيخ قيم العدل، والعلم، والكفاءة، والمساءلة.
وتقدم التجربة السودانية في محاولات تطبيق الشريعة والتمكين مثالًا جديرًا بالدراسة الهادئة، فبعيدًا عن تقييم الأشخاص أو النوايا، فإن ما جرى يدعونا إلى إعادة النظر في المفهوم نفسه؛ إذ بدا واضحًا أن التمكين لا يصنع حضارة بمجرد الوصول إلى الحكم، ما لم يتحول إلى منظومة مؤسسية تحكمها السنن الإلهية في العلم، والعدل، والشورى، والأمانة، ومحاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين.
ولعل من أخطر ما يقع فيه العمل الإسلامي أن يتحول التمكين من وسيلة لإقامة الدين إلى غاية يُختزل فيها الدين.
فحين تصبح المحافظة على السلطة هدفًا مستقلًا، تبدأ الرسالة في التراجع أمام مقتضيات البقاء السياسي، وتفقد السلطة تدريجيًا مشروعيتها الأخلاقية، وإن احتفظت بأدوات القوة.
وهذا ما تعالجه سورة النمل بوضوح؛ فهي تنقلنا من مفهوم التمكين السياسي إلى مفهوم الاستخلاف الحضاري. فالسلطة ليست نهاية الطريق، بل بداية الامتحان، والدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لتحقيق مقاصد الرسالة في الإنسان والمجتمع والعمران.
ومن هنا يمكن صياغة أحد القوانين الكلية التي يكشفها التحليل المضموني للسورة:
كل مشروع يجعل الوصول إلى السلطة غايته النهائية يبدأ في الانحراف عن فلسفة الاستخلاف، أما المشروع الذي يجعل السلطة أمانة لإقامة العدل والعمران، فإنه يقترب من النموذج القرآني.
إننا بحاجة إلى الانتقال من فقه التمكين إلى فقه الاستخلاف؛ لأن القرآن لا يعلمنا كيف ننتصر في الانتخابات، وإنما يعلمنا كيف ننجح في الامتحان الذي يبدأ بعد الانتصار.
وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يسعى إلى استخراج القوانين المعرفية والسننية الحاكمة لحركة الإنسان والمجتمع والدولة من خلال القراءة المضمونية المتكاملة للسور القرآنية، بما يجعل القرآن مصدرًا لبناء النظريات الحضارية، لا مجرد كتاب للوعظ أو السرد التاريخي.
