صحيفة صوت الشمال | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……. هوية لا تندثر: استعادة الذاكرة في زمن النسيان
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
هوية لا تندثر: استعادة الذاكرة في زمن النسيان
ليس التراث مجرد حكايات نرويها عن الأجداد، أو قطعٍ أثرية صامتة تقبع خلف زجاج المتاحف؛ بل هو “الشيفرة الوراثية” التي تمنح الشعوب ملامحها وتحدد مسار مستقبلها. وفي ظل التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، تبرز الحاجة الملحّة للتحرك الجاد نحو حفظ وتبويب هذا الموروث، وهو ما جسدته الحراك العلمي والثقافي الأخير الذي وضع التراث المادي وغير المادي تحت مجهر التشريح والبحث.
من الخطأ الفادح حصر التراث في خانة “الماضي” فقط. إن الورقة العلمية التي ناقشت هذا الملف وضعت يدها على الجرح؛ فالتراث الثقافي غير المادي—من أهازيج، وعادات، وقيم اجتماعية—هو صمام أمان لاستدامة السلام. حينما تعي الأجيال جذورها المشتركة، يصبح التراث جسراً للتواصل بدلاً من أن يكون جداراً للعزلة. إن استثمار هذا الموروث في خطط التنمية ليس “ترفاً فكرياً”، بل هو استثمار في الوعي الوطني الذي يحمي المجتمع من ذوبان الهوية.
يمتاز السودان، وخصوصاً الولاية الشمالية، بفيض من المورثات التي تزاوج بين الحجر والبشر. لكن الحفاظ على هذا الإرث يتطلب ما هو أكثر من “الإعجاب العاطفي“؛ إنه يتطلب منهجية علمية في التبويب. الورش العلمية التي تجمع بين الأكاديميين والممارسين الثقافيين هي الخطوة الأولى نحو تحويل التراث من مجرد “ذاكرة عشوائية” إلى “قاعدة بيانات منظمة” يمكن استغلالها سياحياً ومعرفياً.
إن التوصيات التي خرجت بها النقاشات الأخيرة تمثل “خطة إنقاذ” حقيقية إذا ما وجدت طريقها للتنفيذ، وأبرزها أنسنة المناهج التعليمية بإدراج مفاهيم التراث في المناهج الدراسية بالشراكة بين قطاعي التعليم والثقافة هو الضمانة الوحيدة لنقل هذه الأمانة إلى الأجيال القادمة. الطالب الذي يدرس قيمة تاريخه، سيتحول مستقبلاً إلى حارس لهذا التاريخ.
دعم حراس الذاكرة الباحثين والمشتغلين في الحقل التراثي هم “الجنود المجهولون” الذين يحتاجون إلى مظلة رسمية تدعم دراساتهم وتوفر لهم الإمكانيات المادية واللوجستية، بالاضافة الى المعارض التفاعلية بتحويل التراث إلى تجربة بصرية ومجتمعية من خلال المعارض المتخصصة يسهم في تقليص الفجوة بين النخبة الأكاديمية والجمهور العام.
إن الحفاظ على التراث هو معركة وعي قبل أن يكون مجرد أرشفة الوثائق. إن الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والجهات التنفيذية، كما رأينا في الحراك الأخير، هي حجر الزاوية لبناء جبهة ثقافية متماسكة. فالتراث ليس ملكاً لنا لنفرط فيه، بل هو أمانة الأجيال السابقة في أعناقنا، وحق أصيل للأجيال القادمة لتتعرف على وجهها الحقيقي في مرآة التاريخ.
