مغتربو السودان ودورهم في الإعمار: رأس المال الوطني المعطل وجسر الخلاص القادم
د. ست البنات حسن
في أوقات المحن الكبرى التي تمر بها الأمم، لا تُقاس ثروات الشعوب بما تملكه في خزائنها المركزية من نقد أجنبي، بل بما تذخره من عقول وطاقات بشرية قادرة على صنع الفارق وتحويل الركام إلى نهضة. واليوم، وبينما يمر السودان بواحدة من أعقد وأقسى مراحل تاريخه الحديث عقب التدمير الممنهج لمؤسساته وبنيته التحتية، تتجه الأنظار مجدداً نحو “الجيش الموازي” المرابط خلف الحدود؛ نحو مغتربي السودان وطيوره المهاجرة، ليس باعتبارهم مجرد مصدر للدعم المالي والإغاثة العابرة، بل كركيزة أساسية وصناع قرار في معركة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي المرتقب.
إن الحديث عن دور المغتربين في مرحلة ما بعد الحرب ليس ترفاً فكرياً أو دغدغة للعواطف الوطنية، بل هو استحقاق تنموي تفرضه لغة الأرقام وتجارب الشعوب. فالمغترب السوداني الذي ظل تاريخياً “صمام الأمان” للاقتصاد الأسري عبر تحويلاته التي كانت تسد رمق ملايين العائلات، مُطالب اليوم —وفق معادلة جديدة— بأن يكون صمام الأمان للاقتصاد الكلي للبلاد. فالكفاءات السودانية المنتشرة في بقاع الأرض، من علماء، ومهندسين، وأطباء، وخبراء اقتصاد، وإداريين، تمثل “بنكاً حياً” من الخبرات العالمية.
الشواهد والتجارب الدولية: دروس في استثمار “الشتات”
إن تجارب الدول التي خرجت من أزمات طاحنة أو حروب أهليّة توضح أن “رأس المال المهاجر” كان القاطرة الأولى للبناء:
التجربة الهندية: اعتمدت الهند في تسعينيات القرن الماضي على إصدار “صكوك المغتربين” (Resurgent India Bonds)، والتي جمعت مليارات الدولارات في أسابيع معدودة، مستفيدة من ثقة جاليتها في الخارج لدعم الاحتياطي النقدي وتطوير البنية التحتية.
التجربة الإثيوبية: في مشروع سد النهضة، استطاعت أديس أبابا تعبئة أكثر من نصف مليار دولار من إثيوبيّي المهجر عبر “صكوك تمويل قومية” استهدفت البنية التحتية مباشرة.
التجربة الإيرلندية والإسرائيلية: أثبتت التجربتان أن ربط الجاليات بالوطن الأم عبر “الدبلوماسية الاقتصادية الشعبية” نقل التكنولوجيا وخلق شبكات ضغط (Lobbying) جذبت كبريات الشركات العالمية للاستثمار المحلي.
وعليه، فإن التقديرات تشير إلى أن التدفقات المالية للمغتربين السودانيين، إذا ما تم تحويل جزء منها عبر قنوات استثمارية رسمية ومقننة، قادرة على تغطية نسبة مقدرة من فاتورة تمويل مشاريع الطاقة، والموانئ، والمطارات. فالأمر لا يتوقف عند التحويلات النقدية الفردية، بل يمتد إلى “التحويلات المعرفية” (Knowledge Remittances)؛ حيث تمتلك الجاليات السودانية في المهاجر الأوروبية والأمريكية ودول الخليج شبكات علاقات واسعة مع صناديق سيادية ومؤسسات تمويل دولية، تُمكنهم من لعب دور الدبلوماسية الاقتصادية لفتح أبواب الشراكات العالمية.
تحويل المغترب من “مانح” إلى “شريك استراتيجي”
إن هذا التدفق المعرفي والمالي لن يحدث تلقائياً أو عبر النداءات العاطفية الفضفاضة، بل يستلزم رؤية وطنية شجاعة تبدأ من الداخل؛ إذ تقع على عاتق الدولة مسؤولية تهيئة “التربة الجاذبة” عبر حزمة من الحوافز والتشريعات:
1. الشفافية والحماية القانونية: توفير ضمانات سيادية تحمي أموال ومدخرات المغتربين من التضخم ومن الروتين الإداري.
2. القنوات المالية الرسمية: إنهاء حالة التشوه المالي وتوفير قنوات بنكية سلسة تضمن وصول الاستثمارات إلى مشاريع التنمية المستدامة مباشرة دون معوقات.
ولتحقيق هذه الشراكة الاستراتيجية على أرض الواقع، بات من الضروري تبني خريطة طريق عملية فورية ترتكز على الخطوات التالية:
تأسيس “مفوضية وطنية مستقلة للإعمار”: تتبع للرئاسة مباشرة، وتكون حلقة الوصل المباشرة مع المغتربين بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية.
إطلاق “صكوك إعادة الإعمار الوطنية” بضمانات حكومية: تتيح للمغتربين الاكتتاب المباشر في مشاريع قومية ذات عائد استثماري وتنموي (مثل المطارات، الموانئ، ومحطات الكهرباء والمياه).
إنشاء منصة رقمية موحدة لنقل المعرفة (Digital Brain Bank): تتيح للعقول السودانية في الخارج تقديم الاستشارات، والمخططات الهندسيّة، والحلول التكنولوجية والإدارية عن بُعد في مرحلة التخطيط الأولي.
تفعيل أدوار الجاليات ذات الدخل المحدود: عبر توظيف “رأس المال المعرفي” والجهد الميداني، والتطوع الرقمي لإعادة إعمار المدارس والمستشفيات.
الركائز الثلاث لرؤية الإعمار المقترحة
تعتمد خريطة العبور نحو السودان الجديد على ثلاث ركائز أساسية:
الأولى: الإعمار الرقمي الفوري، للبدء في وضع الاستراتيجيات والتصاميم قبل التمويل المالي.
الثانية: صكوك الاستثمار الوطنية للمغتربين، لاستلام التحويلات المالية وتحويلها من استهلاك إلى إنتاج.
الثالثة: اللامركزية التنموية، عبر دعم مبادرات الأحياء المحلية ربطها بالجاليات المهاجرة منها مباشرة.
إن مغتربي السودان هم “جسر العودة والبناء” الذي سيربط البلاد بالمستقبل، وتحويل المغترب من مجرد “مانح لمساعدات مؤقتة” إلى “شريك استراتيجي في الإعمار” فهو المفتاح الحقيقي لبداية النهضة. إنهم لا يملكون المال والخبرة فحسب، بل يحملون الوجع الوطني والدافع الأقوى لرؤية وطنهم ينهض من وسط الرماد؛ والاستثمار في عقولهم وأموالهم هو أولى خطوات العبور نحو السودان الذي نحلم به جميعا.