مدخل قراني لمشكلات المجتمع السوداني
سلسلة مقالات الوحدة المضمونية الثالثة لسورة النمل.
مقال رقم (4 )
بروفسور طارق الصادق عبد السلام
حين تُطرح قضية القيادة في الفكر السياسي، ينصرف الذهن غالبًا إلى سؤالين: من يتولى الحكم؟ وكيف يصل إليه؟ لكن القرآن يوجه أنظارنا إلى سؤال يسبق ذلك كله:
كيف يُصنع القائد الذي يستحق أن يحمل أمانة الاستخلاف؟
وهنا يكمن أحد الفروق الجوهرية بين الرؤية القرآنية وكثير من الأدبيات السياسية؛ فالقرآن لا يبدأ بالسلطة، وإنما يبدأ بالإنسان الذي سيحمل السلطة.
ومن خلال مشروع التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني، تكشف سورة النمل أن سليمان عليه السلام لم يصبح قائدًا لأنه ورث ملكًا، وإنما لأنه سبق ذلك بإعداد طويل جمع بين العلم، والإيمان، والشكر، والانضباط، وحسن إدارة النفس قبل حسن إدارة الدولة.
ولذلك افتتحت السورة بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾
فلم يقل: آتيناهما ملكًا.
ولم يقل: آتيناهما سلطانًا.
بل بدأ بما هو أسبق من ذلك كله.
فالعلم هو الذي يؤهل الإنسان لحمل السلطة، أما السلطة فلا تصنع عالمًا، ولا تصنع قائدًا.
ولذلك لم يكن أعظم ما يميز سليمان كثرة جنوده، ولا سعة ملكه، وإنما قدرته على إدارة كل ذلك بعقل منظم، ونفس شاكرة، وبصيرة ترى أن كل نجاح امتحان جديد.
قال تعالى على لسانه:
﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾
إنها عبارة قصيرة، لكنها تكشف فلسفة كاملة في القيادة.
فالقيادة ليست شعورًا بالتفوق، وإنما شعور دائم بالمسؤولية.
وليست امتيازًا، وإنما تكليف.
وليست مجالًا لإظهار القوة، وإنما ميدان لمحاسبة النفس.
ولهذا لم ينسب سليمان نجاحًا إلى عبقريته، ولا إلى مؤسساته، ولا إلى قوة جيشه، بل أعاد كل ذلك إلى فضل الله، ثم تذكر مباشرة أن هذا الفضل امتحان.
وهنا يقدم القرآن علاجًا لواحدة من أخطر آفات القيادة في التاريخ؛ وهي تضخم الذات.
فما أكثر القادة الذين بدأوا مشاريعهم بخدمة شعوبهم، ثم انتهوا إلى خدمة سلطتهم.
وما أكثر الحركات التي بدأت رسالية، ثم تحولت مع الزمن إلى مؤسسات هدفها الأول المحافظة على النفوذ.
ولا يبدأ هذا الانحراف غالبًا بفساد الأنظمة، وإنما يبدأ بفساد التصور الذي يحمله القائد عن نفسه.
ولهذا يربي القرآن القائد على الشكر قبل أن يربيه على الإدارة.
ويغرس فيه مراقبة الله قبل أن يمنحه مراقبة الناس.
ولعل هذا ما افتقدته كثير من التجارب المعاصرة.
فقد انشغلنا بإعداد البرامج السياسية، واللوائح التنظيمية، والهياكل الإدارية، لكننا لم نعطِ القدر نفسه من العناية لبناء الإنسان الذي سيدير هذه المؤسسات.
ومن هنا يمكن أن نفهم جانبًا من الإخفاقات التي أصابت عددًا من المشاريع الإسلامية، ومنها التجربة السودانية؛ إذ أثبت الواقع أن إصلاح الهياكل لا يكفي إذا لم يصاحبه إصلاح دائم للنفوس التي تدير تلك الهياكل.
فالسلطة تكشف معادن الرجال أكثر مما تغيرها.
ولهذا كان القرآن يصنع الإنسان قبل أن يصنع الدولة.
ويصنع الضمير قبل أن يصنع النظام.
ويصنع التقوى قبل أن يصنع السلطة.
وهذا لا يعني الاكتفاء بصلاح الفرد، فالمؤسسات ضرورة لا غنى عنها، كما بينا في المقال السابق، لكنه يعني أن المؤسسات مهما بلغت دقتها لا تستطيع أن تعوض غياب الإنسان المؤهل لحمل الأمانة.
ومن هنا نستطيع أن نصوغ أحد القوانين الكلية في النظرية العمرانية الاستخلافية:
كل مشروع يبدأ ببناء السلطة قبل بناء الإنسان يحمل في داخله بذور تعثره، وكل مشروع يبدأ ببناء الإنسان القادر على حمل الأمانة يضع الأساس الصحيح للعمران.
إن القرآن لا يبحث عن الحاكم الأقوى، بل عن الإنسان الأقدر على أداء الأمانة.
ولذلك فإن أول سؤال ينبغي أن يسبق كل مشروع إصلاحي ليس: من سيحكم؟ وإنما: من هو الإنسان الذي أعددناه ليحمل مسؤولية الحكم؟
وهنا يلتقي بناء الإنسان مع بناء الدولة، ويصبح إصلاح النفس جزءًا من إصلاح العمران، لا قضية فردية معزولة عن الشأن العام.
وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يسعى إلى إعادة بناء المفاهيم القرآنية الكبرى، واستخراج القوانين السننية التي تحكم الإنسان والمجتمع والدولة، من خلال القراءة المضمونية المتكاملة للقرآن الكريم.
