صحيفة النيل الدولية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……… الرئة المنسية: الأراضي الرطبة ومعركة التعافي في سودان ما بعد الحرب
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
الرئة المنسية: الأراضي الرطبة ومعركة التعافي في سودان ما بعد الحرب
بينما تنشغل السياسة بصياغة الاتفاقات، وتنشغل الهندسة بترميم الجسور، ثمة “هندسة” من نوع آخر تجري بصمت في أروقة المجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم. إنها معركة استعادة النظم البيئية، وتحديداً الأراضي الرطبة، التي لا تمثل مجرد مساحات خضراء أو ممرات مائية، بل هي “صمام الأمان” الحقيقي لمستقبل السودان في مرحلة إعادة الإعمار.
السودان، الذي يضم مواقع “رامسار” عالمية وأراضٍ رطبة فريدة على ضفاف النيل وفي وديانه، يواجه اليوم تحدياً مزدوجاً. بجانب التغيرات المناخية، خلفت الحرب آثاراً بيئية عميقة طالت الموارد الطبيعية.
يأتي الاحتفال باليوم العالمي للأراضي الرطبة هذا العام تحت شعار “حماية الأراضي الرطبة من أجل مستقبلنا المشترك” ليدق ناقوس الخطر؛ فهذه الأراضي هي التي تنقي مياهنا، وتحمي مدننا من الفيضانات، وتوفر سبل العيش لملايين السودانيين. وفي ولاية الخرطوم، القلب النابض للدولة، يصبح الحفاظ عليها جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والغذائي.
ما حدث في ورشة عمل “استعادة وتعافي النظم البيئية” التي انطلقت مؤخراً في الخرطوم، ليس مجرد حراك بروتوكولي، بل هو اعتراف صريح بأن “التعافي البيئي” هو الحجر الزاوية في “الاستقرار المجتمعي“.
لقد وضعت الأستاذة منى زين العابدين، مدير مكتب الأمم المتحدة للبيئة (اليونيب) في السودان، يدها على الجرح حين تحدثت عن “تشتت الجهود“. فالسودان لا يعاني من نقص في الموارد أو العقول، بل يعاني من “جزر معزولة” في العمل. إن إعادة البناء بطريقة تقلل المخاطر المستقبلية تتطلب توحيد الرؤية بدمج الجهود الاتحادية والولائية في منصة حوار واحدة، والاهتمام بالبيانات المفتوحة وتبادل المعلومات لسد الفجوات التي خلفتها سنوات الصراع، بجانب الشراكة مع المجتمع وتمكين المجتمعات المحلية التي تعيش في هذه الأراضي الرطبة لتكون هي خط الدفاع الأول.
الأوراق العلمية التي قُدمت، خاصة تلك المتعلقة بالتعديات على الغابات والبساتين والمراعي، تكشف عن حجم الضغط الذي تعرضت له الموارد الطبيعية خلال فترة النزوح والحرب. إن الحل لا يكمن فقط في غرس الأشجار، بل في غرس “القانون“.
إن توصية المشاركين بإنشاء “شرطة متخصصة للشأن البيئي” هي قفزة نوعية في التفكير الاستراتيجي السوداني. فبدون قوة رادعة تحمي الأراضي الرطبة من الزحف العمراني العشوائي أو الاستغلال الجائر، ستظل خطط التعافي حبراً على ورق.
“إن استعادة النظم البيئية ليست ترفاً علمياً، بل هي ضرورة بقاء لمجتمعات منهكة تطمح للأمان.”
إن شعار (معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة) يجب أن يتحول إلى عقيدة في عمل لجان إعادة الإعمار. لا يمكننا بناء مدن إسمنتية صماء وتجاهل الأراضي الرطبة التي تمدها بالحياة.
على الجهات المانحة والمنظمات الدولية أن ترى في “مبادرة الخرطوم البيئية” نموذجاً قابلاً للتطبيق في بقية الولايات السودانية. البيئة لا تعرف الحدود الإدارية، وتعافي النيل في الخرطوم هو تعافٍ للسودان أجمع.
