شئ للوطن | صلاح غريبة يكتب: ماذا لو عاد الأزهري؟ صرخة وطن أضاعه أبناؤه

شئ للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
ماذا لو عاد الأزهري؟ صرخة وطن أضاعه أبناؤه
في السادس والعشرين من أغسطس عام 1969، رحل زعيم استثنائي، إسماعيل الأزهري، في صمت وحزن، تاركًا وراءه وطنًا حرره بيده، وسجونًا دخلها لأجل حريته، وذاكرة شعبية تحتفظ له بقصص عن النزاهة والإخلاص. يومها، كان السودان يودعه بأبيات تلامس القلب: “كم من سجون خشيتا.. يا الحررتها وخليتا”، لتلخص قصة رجل أعطى كل ما يملك لبلاده دون أن ينال منها شيئًا.
رحل الأزهري سجينًا بعد ثلاثة أشهر فقط من انقلاب مايو 1969 الذي قاده جعفر النميري، يتغير وجه السودان الذي عمل الأزهري على بنائه. لم يكن وداعه يليق بمكانته، فقد نعاه الإعلام باهتًا، بوصف “المعلم بالمدارس الابتدائية”، في محاولة لطمس دوره العظيم، لكن العظيم علي شمو استدرك الموقف، وطلب من الشعب قراءة الفاتحة على روحه، فبكى الجميع بصمت. كان نظام الحكم الجديد يخشى جماهيريته، فمنع تشييع جنازته، لكن الشعب خرج عن بكرة أبيه، والتحمت الأيدي في مشهد مهيب، ليعلنوا عن حبهم الأبدي لرجل كان مثالًا للأبوة والنزاهة.
كانت حياة الأزهري شهادة على بساطته، وتفانيه، وعفة يده. هو الذي لم يجد 32 جنيهًا ليسدد رسوم منزله، ويدفعها عنه أصدقاؤه التجار، ويسجلها دينًا عليه. هو الذي كان يصلي الليل بطوله في السجن، متوسلًا إلى الله أن يعين السودانيين على نيل الاستقلال. لم يكن مجرد سياسي، بل كان أبًا وقائدًا تربويًا، أدرك أن الحرية “نور ونار، من أراد نورها، فليحتمل نارها”.
يأخذنا هذا المشهد التاريخي إلى حاضر السودان المأساوي. ماذا لو عاد الأزهري اليوم؟ أي مشاعر ستتملكه وهو يرى وطنه الذي حرره يترنح على حافة الهاوية؟ كيف سيكون شعوره وهو يرى بلادًا كان علمها يرفرف عاليًا، أصبحت مرتعًا للمرتزقة من الخارج، وملعبًا لأطماع دول الشتات؟.
سيرى الأزهري وطنًا ممزقًا، يعاني من صراع دامٍ بين أبنائه، صراع لا هدف له سوى السلطة على حساب دماء المواطنين. سيرى المدن التي بناها تحولت إلى ركام، وشعبًا كانت كرامته خطًا أحمر، أصبح نازحًا يبحث عن مأوى. وسيشعر بالمرارة وهو يرى بعض أبناء وطنه يتعاونون مع الغرباء، يبيعون أرضهم، ويستعينون بالمرتزقة لتحقيق مكاسب شخصية، تاركين وراءهم وطنًا يتهاوى.
لم يكن الأزهري يؤمن بالصراع، بل بالحوار والتفاوض. كان لديه حنكة سياسية وقدرة عالية على استيعاب الاختلافات. في ظل الأزمة الحالية، نجد أن الأزهري كان سيقود مفاوضات صادقة لإعادة بناء السودان. كان سيجمع أبناء الوطن حول طاولة واحدة، ويذكرهم بأن السودان أولًا، وأن المصالح الشخصية يجب أن توضع جانبًا.
كان الأزهري مثالًا للوحدة، رغم انتمائه إلى عائلة دينية عريقة، إلا أنه كان قريبًا من كل الفئات والمكونات، وجمع بين الأمة والاتحاديين تحت راية واحدة هي الاستقلال. اليوم، يرى السودان انقسامات لم يشهدها من قبل، انقسامات تقوم على أساس قبلي وإقليمي وسياسي. سيعود الأزهري ليشعر بالغضب والحسرة، وهو يرى الأجيال الشابة التي لم تعرف سوى الدمار والتشرد، بينما كان هو يكافح ليعيش السودانيون في عز وكرامة.
في ذكرى وفاة الأزهري، يجب أن نتأمل إرثه ونتعلم منه. لقد ترك لنا الأزهري دروسًا خالدة في الوطنية، والتضحية، والنزاهة. دروس تقول إن الوطن أغلى من أي شيء آخر، وأن الحرية ليست هبة، بل ثمرة تضحيات. يجب أن نعود إلى هذه المبادئ، وأن ندرك أن السودان لن يعود إلى سابق عهده إلا إذا توحد أبناؤه، ونبذوا خلافاتهم، ووضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
إن عودة السودان إلى ما كان عليه، ليس مستحيلًا، بل يتطلب من الجميع، كل في موقعه، أن يكون أزهريًا جديدًا. أن يكون نزيهًا، ومخلصًا، ومحبًا لوطنه. أن يتذكر أن السودان ليس ملكًا لفئة أو قبيلة، بل هو ملك لجميع أبنائه، الذين يجب أن يتعاونوا من أجل بنائه، لا من أجل تدميره.
هل سيجد السودان من يعيد له مجده، ويجعل من ذكرى الأزهري حافزًا لإعادة بناء وطن بات على وشك الضياع؟

لتصفح صحيفة النيل الدولية الإلكترونية اليومية العدد 1519 الصادر يوم الخميس 28 أغسطس 2025، مستخدما تطبيق Google drive، أضغط هنا……..!!
