من أدب العلاقات الشعبوية النبيلة بين السودان ومصر
أميرة الملاح
من فترة جت أسرة سودانية سكنوا عندنا في العمارة.. من أول ما سكنوا بدأت ألاحظ نظافة مميزة مع ريحة جميلة على السلالم.. ريحة ممزوجة بحاجة حلوة… يمكن بخور… يمكن دعاء… سلالم العمارة اللي اتعودنا عليها باهتة فجأة بقت بتلمع… حاجة صغيرة بس حستها زي نفس جديد دخل المكان.. كنت كل ما أطلع أو أنزل أبتسم من غير ما أعرف ليه… مكنتش أعرفهم… بس كنت ممتنة… ممتنة لناس لسه ما شوفتهمش..

بعد أسبوعين بالظبط… كانت ماما واخوتي مسافرين.. جرس الباب رن.. فتحت لاقيت بنت أختي… وشها شاحب… عينيها مليانة خوف مش مفهوم… بتقوللي: “فيه ستات كتير… سودانيات… واقفين تحت وبيبكوا …” بصيت على السلم… واللي شوفته عمري ما هنساه.. السلم كله ستات على كل درجات السلم… عند باب الشقة… كلهم بيبكوا بكاء مكتوم… بكاء مش صاخب… بكاء تقيل… زي حجر على الصدر. نزلت كام درجة… بنت أختي الصغيرة شدتني جامد وهي بتترجاني: “لا يا خالتو متنزليش… إحنا بنقرا عالنت إنهم أشرار وبيكرهونا…” وقفت لحظة.. الخوف اللي في صوتها كان أكبر من سنها. سيبت إيدها… ونزلت. سألتهم: “في إيه؟” واحدة بصتلي بعينين منهارين وقالت: “البنت الصغيرة… بنت الأسرة اللي ساكنة هنا… اتوفت..
” في اللحظة دي حسيت قلبي وقع في رجلي.. الكلمة تقيلة… “اتوفت” دي بتكسر ضهر بيوت كاملة. قلت: “فين مامتها؟” شاوروا جوه الشقة. دخلت.. الشقة مليانة ستات… كلهم بيبكوا… بس ميزت الأم بسهولة.. كانت ساكتة… ساكتة بطريقة مرعبة.. السكوت اللي بييجي بعد ما الروح تتسحب فجأة من الحياة.. قاعدة على طرف السرير… ماسكة آخر فستان لبنتها… كل شوية تقربه من وشها… تشمه… وكأنها بتحاول تسرق آخر نفس منها. .قربت… حطيت إيدي على كتفها… وطبطبت عليها.. ما قالتش كلمة… بس اتلاقت عيونا في وجع مفهوم.. خرجت للأهل حكولي… قالوا البنت كان عندها مشكلة في القلب… محتاجة عملية. لكن الحرب في السودان عطلت كل حاجة.. اتأخروا. اضطروا يسافروا مصر. سفر بري طويل… الطريق تعبها أكتر من مرة. اتنقلوا من مكان لمكان. لحد ما استقروا هنا. وكان عندها كمان حساسية مزمنة في صدرها.. وتطورت لالتهاب رئوي. دخلت العناية المركزة.. كام يوم بس… وخلاص.. سألتهم: “دفنتوها فين؟” قالوا: “ناس سودانيين مقيمين من سنين طويلة في مصر دفنوها عندهم.” وقتها فهمت معنى الغربة الحقيقي. إنك تموت بعيد.. وتتدفن بعيد.. وأمك تفضل عايشة بعيد..
السلم والشقة بقوا زحمة. كل شوية ناس تيجي.. حضن… بكاء… دعاء… تكاتف صادق… حب حقيقي بينهم.. طلعت فوق.. ناديت بنت أختي اللي كانت خايفة.. قولتلها: “خدي كرتونة مياة ومناديل… وانزلي مع اخوتك وزعوا المياة عالناس و عزي طنط.” نزلت مع اخوتها، ورجعتلي وهي بتبكي.. قالتلي: “طنط حضنتني جامد وبكت… وأنا معرفتش أعمل إيه… فبكيت.
” الخوف اتحول لإنسانية في لحظة”….

كل ليلة بعدها… في هدوء الليل… كنت أسمع صوت أم ياسمين بتبكي بمرارة… صوت بكاء مش عالي… بس بيخبط في القلب. ليلة من الليالي… بعد ما ابني نام… نزلت لها.. خرجتلي وهي بتبكي. قعدنا على السلم.. السلم اللى كان شاهد على كل حاجة. قالتلي: “أنا خلاص… انكتب عليا أعيش في مصر… مستحيل أمشي وأسيب ياسمين مدفونة هنا لوحدها…” بصيتلها وقلت: “ياسمين مش هنا… ياسمين في الجنة.” حكيتلها عن ابني. عن “مصطفى”. عن إني بعد ما دفنته مقدرتش ازوره روحت المقابر مرة واحدة بس. وقفت من بعيد وقلت لنفسي: مستحيل يكون ابني هنا في المكان الساكت دا.. ابني مدفون في قلبي. وكل ما أحب أزوره… بحط إيدي على قلبي… وأسلم عليه. بصتلي… وكأنها وجدت ملاذها.. وحطت إيديها على قلبها. وقالت: “كيفك يا ياسمين؟” وفضلت تتكلم معاها. كأنها سمعاها. كأنها قريبة… أقرب من أي وقت… تاني يوم جبتلها زهرة ريحان. قولتلها: “الريحان بيفكرني بمصطفى… ريحة الجنة… خليه معاكي.”.. انا اى حد بلمس فيه نقاء روحه بهاديه بالريحان. قعدنا كذا يوم نحكي… كانت تحكيلي عن ياسمين… عن ضحكتها… عن شعرها… عن خوفها من الإبر… عن كل حاجة صغيرة كانت عاملة حياة كاملة.. وقالتلي إنها مش قادرة تعيش في الشقة.. الأوضة فيها نفسها وهى مريضة في آخر أيامها.. الحيطان صدى صوت لوجعها. قالتلى هتمشي مع أولادها وأختها عند قرايبهم.. يوم ما مشيت… ادتني بخور جميل ملقتش زيه خالص.. وقالتلي: “ياسمين أمانة في قلبك… افتكريني بالدعاء.” مشيت… وسابت ريحة بخور في السلم… وسابت أثر في قلبي… وأكتر واحدة كانت منهارة بوداعهم؟ بنت أختي الصغيرة… اللي كانت خايفة تنزل.
كل ما أشوف حد بيعمم بكلام سلبي عن السودانيين في مصر بفتكر السلم. والأم. وفستان ياسمين الوردي. وإيد اتحطت على قلبي اوصتني بالدعاء..
يا أهل بلادي… فيه اوجاع حوالينا أكتر ما تتخيلوا.. في قلوب بتبكي في غربتها.. رققوا لها السمع.
#أميرة_الملاح
#يارب_سهل_حياتنا
ولاحقا كتبت اميرة الملاح
إلى إخوتي وأخواتي من السودان 🤍
من بعد نشر القصة وصلتني رسائل كتير من قلوب سودانية جميلة… كلام مليان دعاء ومحبة وامتنان.
والحقيقة إني أنا اللي ممتنة… لأنكم استقبلتوا الحكاية بقلب مفتوح ودعاء جميل كنت محتجاه..
ويمكن اللي خلاني أكتب أصلًا مش موقف واحد…
أنا بشوف ولادكم أيام الامتحانات في مجمع المدارس القريب مننا.. بيمتحنوا فترة مسائية… عدد كبير بشكل يلفت القلب قبل العين..
كنت فخورة جدًا بالإصرار دا… إن رغم الحرب والغربة والوجع.. لسه فيه تمسك بالتعليم… لسه فيه أمل بيتكتب في ورقة امتحان.
وأنا بعدي وسط الأهالي المنتظرين خروج أولادهم… بسمع دعاء الأمهات… وكلامهم الطيب… ولما يوسعوا لي الطريق عشان أعرف أعدي من وسطهم.. كنت بحس اد إيه الطيبة دي حقيقية وبسيطة ومش محتاجة كلام كبير.. والله اتمنيت لو سلمت بيدي على كل طالب بيمتحن وقلت له انى فخورة بكم ..وفخورة بأهلكم..
يمكن حكايتي امبارح خرجت من وجع شخصي… لكن واضح إن الوجع واحد،..والإنسانية واحدة.. والقلوب الطيبة بتتعرف من غير مقدمات.
شكرًا لكل رسالة وصلتني… لكل دعوة صادقة… لكل قلب قال لي الله يجبر خاطرك..
المحبة متبادلة بصدق، والسودان في قلبي له مكانة خاصة..
ربنا يلم الشمل… ويجبر القلوب… ويحفظ كل بيت من الفقد والحرب والغربة…
ويكتب لنا ولكم أيامًا أخف وأجمل 🤍 شكرا لكم من أعماق قلبي .
#أميرة_الملاح
#يارب_سهل_حياتنا