صحيفة صوت الشمالية | شئ للوطن | صلاح غريبة يكتب ……… جسور الوطن: السودان الذي لا تفرقه الأزمات

352

شئ للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

جسور الوطن: السودان الذي لا تفرقه الأزمات

في قلب المنعطف التاريخي الذي تمر به بلادنا، تبرز ملاحم إنسانية وسياسية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية، لترسم لوحة من التضامن الشعبي والرسمي الذي يثبت يوماً بعد يوم أن “الهوية الوطنية” هي الحصن الأخير المتبقي في مواجهة رياح التشرذم. وما الزيارة الرسمية التي شهدتها الولاية الشمالية مؤخراً من قبل قيادة ولاية شمال دارفور إلا برهان ساطع على أن الدولة السودانية، بمؤسساتها ونسيجها الاجتماعي، لا تزال قادرة على الابتكار في إدارة الأزمات رغم ثقل التحديات.

لم تكن هذه الزيارة مجرد “بروتوكول” عابر، بل كانت تجسيداً لنهج التواصل الميداني الذي تحتاجه البلاد في هذه المرحلة الدقيقة. إن انتقال المسؤولين من غرب البلاد إلى شمالها للوقوف على أحوال المواطنين الذين أجبرتهم الظروف على مغادرة ديارهم، يبعث برسالة طمأنة مفادها أن “المواطن السوداني هو الأولوية” أينما حل.

لقد كشفت اللقاءات الرسمية في مدينة “دنقلا” عن تنسيق رفيع المستوى يتجاوز مجرد توفير المأوى؛ نحن نتحدث عن رؤية مشتركة لمعالجة قضايا النزوح من منظور خدمي وإنساني شامل. هذا التكامل بين الولايات يضع لبنة أساسية في جدار الاستقرار المجتمعي، ويؤكد أن معركة البناء وتوفير الخدمات الأساسية لا تقل أهمية عن معركة استرداد الأمن.

اللافت في هذا الحراك هو التحول النوعي في ادارة ملف النازحين. المشاهدات الميدانية في مناطق مثل “محلية الدبة” وتحديداً “معسكر العفاض“، تكشف عن نموذج سوداني فريد؛ حيث لم تعد هذه المواقع مجرد خيام للاستضافة، بل تحولت إلى ما يشبه المدن المتكاملة التي تتوفر فيها الخدمات الصحية والتعليمية.

إن هذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا التلاحم بين الجهد الرسمي والجهد الشعبي. فالمجتمع المحلي في الولاية الشمالية قدم دروساً في “أدب الاستضافة“، محولاً شعارات الأخوة إلى واقع ملموس، وهو أمر يستحق الإشادة والتوثيق كجزء من الصمود الوطني.

أكثر ما يبعث على التفاؤل في هذه الزيارة هو لغة “الثقة” التي سادت التصريحات. فالحديث عن أن العودة إلى الديار في دارفور باتت “على مرمى حجر” ليس مجرد استهلاك إعلامي، بل هو انعكاس لواقع ميداني وخطط حكومية تهدف إلى تهيئة الظروف لعودة كريمة وآمنة.

إن التنسيق بين مفوضيات العون الإنساني وأمانات الشؤون الاجتماعية في الولايات المختلفة، يضمن أن تظل احتياجات النازحين تحت المجهر حتى آخر يوم قبل عودتهم إلى قراهم ومدنهم.

ختاماً، إن هذه الزيارة هي تأكيد على وحدة المصير السوداني. ففي الوقت الذي يراهن فيه البعض على تمزيق النسيج الاجتماعي، تأتي مثل هذه اللقاءات لتؤكد أن الشمال والشرق والغرب والوسط، جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والإيواء والدعم. هي “هبّة وطنية” بامتياز، تبرهن أن السودان سيخرج من هذه المحنة أكثر تماسكاً وعزيمة.

لتصفح صحيفة صوت الشمالية العدد 453 الصادر بتاريخ الاثنين 26 يناير 2026، مستخدما تطبيق Google drive، أضغط هنا ………!

Leave A Reply

Your email address will not be published.