صحيفة النيل الدولية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……. مهارات العبور: لماذا لا تكفي “الشهادة” وحدها السودانيين؟
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
مهارات العبور: لماذا لا تكفي “الشهادة” وحدها السودانيين؟
لطالما كان “الزول” السوداني في أسواق العمل الخليجية والعالمية رمزاً للأمانة، والاستقامة، والتمكن المهني المتكئ على خلفية أكاديمية رصينة. فنحن نملك “المؤهل” الذي يفتح الباب، و”الأخلاق” التي تبقينا داخل الغرفة، لكننا اليوم أمام واقع عالمي جديد يطرح سؤالاً قاسياً: لماذا يتجاوزنا الآخرون في مضمار الترقي الوظيفي وريادة الأعمال رغم تفوقنا الفني؟
الإجابة تكمن في تلك الفجوة المسكوت عنها: المهارات الناعمة (Soft Skills).
من خلال مراقبة مسيرة السودانيين في الخارج لعقود، نجد أننا نعتمد بشكل مفرط على “الكفاءة الصلبة”؛ أي الشهادات الجامعية والسنوات الطويلة من الخبرة. نحن بارعون في التنفيذ، لكننا غالباً ما نفشل في “تسويق” هذا التنفيذ، أو في إدارة الصراعات المكتبية بذكاء، أو حتى في بناء شبكات العلاقات (Networking) التي تُعد عصب الحياة المهنية الحديثة.
المهارات الناعمة ليست “ترفاً” أو مجرد كلام معسول، بل هي أدوات بقاء تشمل ذكاء التواصل والقدرة على إيصال الفكرة باختصار وبراعة. وتشمل أيضا المرونة (Adaptability) وسرعة التكيف مع بيئات عمل متنوعة ثقافياً، بالاضافة الى العمل الجماعي والانتقال من عقلية “الفرد المبدع” إلى عقلية “الترس الفعّال” في الماكينة، وإدارة الصورة الذهنية وكيف يراك الآخرون مهنياً؟
نحن نفخر بـ “الأخلاق السمحة”، وهي كنز حقيقي، لكن في سوق العمل العالمي، تحتاج قيمنا لتحديث، والحياء الزائد قد يُفسر على أنه ضعف ثقة، والزهد في المطالبة بالحقوق قد يُرى كعدم طموح. إن التحدي الذي يواجه الشباب السوداني اليوم هو كيف يحافظ على موروثه القيمي مع تغليفه بمهارات “تواصل” عصرية تجعل هذا المعدن النفيس يلمع في أعين أصحاب العمل.
إن مستقبل التوظيف للسودانيين، سواء في ظل التحديات الراهنة داخل البلاد أو في رحلة الاغتراب، يتطلب خارطة طريقة وثورة في الوعي بمهارات الذات. إليكم ما نحتاجه، ففي مجال التسويق الذاتي، حيث تضيع فرص الترقي والحصول على المناصب القيادية، فنحتاج للتدريب على فن الإلقاء وعرض الإنجازات بوضوح، وفي مجال الذكاء العاطفي، حيث نفتقد صعوبة التعامل مع ضغوط العمل والنوع الثقافي، فنحتاج لتفهم لغة الجسد وفن إدارة الخلافات وفن التفويض، وفي مجال إدارة الوقت، حيث نتأخر بالانطباع النمطي عن التسويف، ويتطلب الأمر الالتزام بالدقة المتناهية كقيمة احترافية.
يا شبابنا، “الشهادة” هي مجرد تذكرة دخول للملعب، أما “المهارات الناعمة” فهي التي تحدد هل ستظل جالساً على مقاعد الاحتياط أم ستقود الفريق. العالم لا ينتظر الأكفاء الخجولين، بل يبحث عن الأكفاء الذين يملكون لسانًا فصيحًا، ومرونة عالية، وقدرة على بناء الجسور مع الآخرين.
حان الوقت لنخرج من عباءة “الخبير الصامت” إلى رحاب “المهني المتفاعل”. إن كفاءتنا السودانية تستحق غلافاً أفضل لتصل إلى القمة التي تليق بها.
