شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……. سوبا الأثرية: إحياء عاصمة علوة وإرساء قواعد السياحة الذكية
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
سوبا الأثرية: إحياء عاصمة علوة وإرساء قواعد السياحة الذكية
تتجدد المناسبات وتتعدد المحطات، لكن الاحتفاء باليوم العالمي للسياحة يحمل في ربوع السودان طابعاً استثنائياً ينبض بعمق التاريخ وتجذر الحضارات الإنسانية في الذاكرة الوطنية. وفي خطوة رائدة تعيد رسم خريطة الاهتمام بالتراث الإنساني، احتضنت منطقة “سوبا” الأثرية – العاصمة التاريخية لمملكة علوة العريقة – انطلاقة فعاليات اليوم العالمي للسياحة بولاية الخرطوم، بتنظيم رفيع المستوى من الجهات الرسمية ذات الصلة بالشأن الثقافي والإعلامي والسياحي، بالتعاون المشترك مع الإدارات المحلية ومجتمعات المنطقة، وتحت شعار محوري يعانق لغة العصر: «الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم السياحة».
إن اختيار منطقة “سوبا” لتكون منطلقاً لهذه الاحتفالات لم يأتِ مصادفة، بل حمل في طياته دلالات عميقة ورسائل بالغة الأهمية تؤكد أن التراث الحضاري للبلاد يمثل ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية وموردًا استراتيجياً لا ينضب للنهوض بالاقتصاد والقطاع السياحي. فقد شهد الحدث حضوراً رسمياً وشعبياً واسعاً ضم قيادات الولاية التنفيذية، والوزراء المكلفين بقطاعات الثقافة والإعلام والسياحة، والمديرين التنفيذيين للمحليات، إلى جانب رموز العمل الأكاديمي والصحي، والقيادات الأهليّة والمجتمعية التي ضربت أروع الأمثلة في الصبر والالتفاف حول قضايا الوطن وصموده في مختلف المحاور.
لقد أفرزت هذه التظاهرة السياحية توجيهات استراتيجية حاسمة تهدف في المقام الأول إلى حماية إرث عاصمة علوة من أية تعديات أو تشوهات عمرانية، حيث صدرت التوجيهات الرسمية بضرورة إجراء معالجات عاجلة وفورية للأسوار المحيطة بالموقع الأثري، والعمل الجاد على حصر وجمع المقتنيات والآثار المتناثرة في المنطقة وحفظها في بيئة آمنة. وتتكامل هذه الجهود الميدانية مع مقترحات عملية أبرزها إنشاء متحف إقليمي متكامل يضم كافة الآثار والتحف التاريخية، بما يضمن إتاحتها للأجيال الناشئة والباحثين للاطلاع على تفاصيل الحقب التاريخية المتعاقبة.
ولا يقتصر طموح النهوض بالسياحة في هذه المنطقة الواعدة على الجوانب الإنشائية والأمنية وحدها، بل يمتد ليشمل الاستثمار الأمثل للتقنيات الحديثة وثورة الذكاء الاصطناعي في إعادة تصميم التجربة السياحية؛ إذ باتت الأجندة الرقمية ضرورة حتمية للترويج للآثار السودانية عالمياً، وتفعيل الدور السياحي والثقافي والديني للمنطقة، وتوثيق تاريخها عبر الدراسات والأبحاث الرصينة التي ترصد مراحل تطور الدولة والحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض الطيبة.
إن محلية شرق النيل، بما تكتنزه من مساحات واسعة وموارد إنتاجية وثقافية وتاريخية باذخة، تمتلك كافة المقومات التي تؤهلها لتكون قطباً سياحياً وثقافياً بارزاً على الخريطة الإقليمية والدولية. وتتوج هذه الجهود وتتواصل فعاليات اليوم العالمي للسياحة في الولاية لتشمل محطات أخرى ذات رمزية نضالية وتاريخية كبيرة، مثل “طابية الحتانة” بمحلية كرري، في تأكيد متجدد على أن الماضي العريق والحاضر الصامد يمثلان معاً البوصلة الحقيقية نحو مستقبل سياحي واعد ومستدام يعيد للسودان مكانته المستحقة في مصاف الأمم الحضارية.
