خطاب وزير الخارجية السوداني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

30

 

 

خطاب وزير الخارجية السوداني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة):

 

السادة الوفود الكريمة يطيب لي بداية أن أتقدم بالتهنئة للسيد خليل الرحمن لانتخابه رئيساً للجمعية العامة للدورة، متمنياً له كل النجاح والتوفيق.

كما أتقدم بالشكر والتقدير للسيدة أنالينا بيربوك على حسن إدارتها لرئاسة الدورة السابقة، ولا يفوتنا في هذا المقام أن نزجي التقدير لمعالي السيد أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة وهو يدافع عن القضايا المشروعة وحماية الميثاق، وقد بذل جهده في دفع مسيرة الإصلاح وتقديم المبادرات لجعل الأمم المتحدة أكثر فاعلية وتأثيراً وتمثيلاً.

أقف أمام جمعكم الموقر اليوم في ظرف بالغ الأسف لم يكن السودان يتمنى أن يشهده في رحاب منظمة أنشئت على مبادئ المساواة في السيادة بين الدول، واحترام القانون الدولي، وضمان المشاركة المتكافئة لجميع أعضائها.

كان مقرراً أن يقف أمامكم اليوم فخامة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن رئيس مجلس السيادة الانتقالي لجمهورية السودان ليخاطب الجمعية العامة باسم شعب السودان وحكومته، إلا أن الدولة المضيفة حالت دون ذلك بعدم إصدار تأشيرة الدخول اللازمة لفخامته للمشاركة في أعمال الشق الرفيع المستوى للجمعية العامة.

والأشد مدعاة للأسف أن هذا الوضع استمر رغم المساعي التي بذلتها الأمانة العامة ورغم دعوة الأمين العام للدولة المضيفة إلى إصدار التأشيرة وفقاً للالتزامات المترتبة عليها بموجب اتفاق المقر لعام 1947.

عليه؛ فإن جمهورية السودان تدعو الأمين العام والجمعية العامة ولجنة العلاقات مع الدولة المضيفة إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير لصون حرمة اتفاق المقر، كما يطالب السودان توثيق هذه الواقعة رسمياً والنظر فيها من خلال الآليات المختصة في الأمم المتحدة المعنية بتنفيذ اتفاق المقر.

سيد الرئيس؛ لا تزال الحاجة قائمة وملحة لإصلاح شامل وعاجل ومنصف للنظام الدولي في ظل هذه المتغيرات والتحديات، ولإدارة سياسية من خلال الحوار واحترام القانون الدولي وتسوية النزاعات سلمياً والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وعدم فرض العقوبات القسرية لمجرد الخلافات السياسية أو استغلالها أداة لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية محددة.

إن السودان يعيش تحت ظل عقوبات مفروضة تحت الفصل السابع منذ أكثر من عقدين، ساهمت سلباً في الاضرار باقتصاده وأمنه وسلامة أراضيه، وأثرت سلبياً على السيادة السودانية وفاقمت متوالية العنف التي تستهدف حماية المدنيين والقطاعات الهشة وعرقلة المصالحة الوطنية.

إن استمرار تجاهل وانتهاك مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة باستخدام القوة والتهديد بها في العلاقات الدولية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول بأشكالها المختلفة وتجاهل مبادئ القانون الدولي الراسخة، يهدد بتراجع الثقة في النظام الدولي المتعدد الأطراف وميثاق الأمم المتحدة.

ومن هنا تبرز الحاجة لإصلاح الأمم المتحدة لاسيما مجلس الأمن وتمثيل إفريقيا بمقعدين دائمين وتحسين وسائل عمله بما يتماشى مع التطورات والأوضاع الحالية، واصلاح النظام المالي الدولي بما يحقق المساواة في الفرص والحصول على وتمويل وتنفيذ أهداف الألفية والتنمية المستدامة والتغير المناخي.

سيد الرئيس؛ إننا في السودان أمة مسالمه محبة للسلام، ولكننا نسعى للسلام العادل، ومن هنا منبر الأمم المتحدة نؤكد مجدداً أنه لا يمكن تحقيق السلام الشامل والدائم والعادل في السودان والذي يضمن عدم تجدد النزاع دون وقف التدخلات الخارجية المضطردة، ووقف تدفقات الأسلحة والذخائر والمرتزقة إلى السودان، وتفكيك المليشيا الإرهابية وتوقفها عن مهاجمه المدنيين والمدن والأعيان المدنية والبنى التحتية والسدود والمراكز الطبية والمستشفيات، ولا بد من نزع سلاحها وإبقاء سلاحها حظراً في يد الدولة ومؤسساتها الوطنية الشرعية الراسخه، ودعم التقدم المضطرد الذي تحرزه الحكومة السودانية في حماية المدنيين وعملية بناء السلام.

سيد الرئيس؛ لا يمكن الحديث عن السلام والاستقرار في السودان مع استمرار حرب ميليشيا دقلو الإرهابية المدمرة المفروضة على شعب السودان.

إن صمت المجتمع الدولي وعدم اتخاذ خطوات لردع فضائع وانتهاكات المليشيا المتمردة في السودان بعد توفر الأدلة الموثوقة والموثقة، وتجاهل المطالبات العادلة والمشروعة بتصنيفها منظمة إهابية، وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة للحد من تدفقات السلاح والعتاد والمرتزقة الداعمين للمليشيا الإرهابية عبر حدودنا، هو وحده الذي يطيل أمد الحرب ويشجعها على مواصلة العدوان.

وإن الصمت تجاه الفضائع التي ارتكبتها المليشيا الإرهابية في السودان ليس مخزياً وغير أخلاقي وتواطؤاً فحسب، بل هو خذلان للضحايا المدنيين والنساء والفتيات الذين يبدون صموداً غير مسبوق في تحمل معاناة لا توصف بالمقاييس المجردة ولشعب بأكمله.

سيد الرئيس؛ إن الدعوة إلى الحوار السوداني السوداني الشامل القائم على الملكية الوطنية لتحقيق السلام تمثل إحدى الركائز المهمة والطريق الأمثل لحل الأزمة الراهنة، ولكن لابد من تهيئة البيئة الموائمة لنجاحه ليفضي إلى النتائج المرجوة على النحو التالي:

  1. اتخاذ إجراءات متزامنة قابلة للقياس لحماية المدنيين وخفض حدة الاستقطاب ووقف التصعيد واحتواء القطيعة السياسية بين القوى المدنية والسياسية والعسكرية.
  2. تدابير بناءة لبناء الثقة لمنح الحوار مصداقية ومشروعية.
  3. تحقيق الحوار بإرادة سودانية خالصة خالية من التدخلات الخارجية وبعيداً عن المساومات والترهيب والترعيب الذي تقوم به بعض الدوائر هذه الأيام.
  4. ضرورة تنفيذ بنود اعلان جده بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع المليشياوية، الذي يتضمن الالتزامات الأساسية بموجب القانون الدولي الإنساني وتيسير العمل الإنساني وتلبية احتياجات المدنيين والمتضررين والمرور الآمن للمدنيين المغادرين لمناطق الأعمال العدائية وعلى أساس طوعي.

سيد الرئيس؛ لقد علمتنا التجارب السابقة والحروب التي فرضت على السودان خوضها، أن تحقيق السلام ليس مجرد توقيع اتفاقيات سلام بدون مخاطبة جذور الأزمة والقضاء على مسبباتها وعوامل تجددها مرة أخرى، وإنما هو عملية تتطلب قدراً من الصبر والعزيمة والحرص على معالجة جذور النزاع وإزالة عوامل عدم الاستقرار ونزع السلاح وحصره في يد الدولة وبناء السلام.

وقد بدأت الدولة بالفعل في الترتيبات وتهيئة المناخ المناسب لهذا الحوار الذي يهدف إلى التوصل لأرضية مشتركة عبر النقاش الحر تضع البلاد على طريق الانتقال السياسي الأمثل والشامل الذي لا يستثني أحداً سوى المارقين والخونه، والذي يفضي في نهاية المطاف لقيام انتخابات حرة ونزهية يشارك فيها كل السودانيين بمراقبة دولية واقليمية يقرر فيها شعبنا من يحكمه في ختام مرحلة الانتقال الديمقراطي.

لقد انضم السودان لمنصة الدول المقترضة لأهمية تمويل التنمية ويشارك بفاعلية في عملها التأسيسي تمهيداً لدورتها الأولى في أكتوبر القادم، وينصب ذلك في إطار دعم جهود تنفيذ خارطة الطريق لإعفاء الديون، ويسعى لتحسين العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، ورفع السودان من حالة التعليق المؤقت مع صندوق النقد الدولي، ولتحقيق شراكات تنموية تمكنه من إدارة مرحلة التعافي.

ونود أن نتقدم بالشكر الجزيل لمجموعة الدول الأقل نمواً للثقة الممنوحة لنا وتوافقها على انتخابنا كنواب لرئاسة المجموعة التنسيقية الدولية للمجموعة، وسنعمل على تحقيق مصالحها التنموية وتعافيها الاقتصادي لضمان التخرج الآمن والسلس للمجموعة.

وعلى ذات النسق حرص السودان على أن يكون من أوائل الدول المنظمة لتحالف دول الجنوب العالمي والتعاون الثلاثي إيماناً منه بأهمية تعزيز مفهوم التضامن والمنفعة المتبادلة والشراكة الأفقية بديلاً للعلاقات الرأسية التقليدية القائمة على المساعدات، ونطمع أن يكون انضمامنا دافعاً للاستفادة من الثقل الكبير لهذا التحالف للمساهمة في تهيئة البلاد لمرحلة ما بعد الحرب بمتطلباتها المختلفة من تعافي اقتصادي وإعمار.

سيد الرئيس؛ وإذ نؤكد انفتاح السودان على أي جهد بناء ومخلص يؤدي لإنهاء الحرب المفروضة على شعبه بما يحقق السلام ويحفظ وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي، ويضمن عدم نشوب تمرد مسلح جديد، فإننا في ذات الوقت نؤكد مجدداً رفضنا القاطع لأي محاولات لفرض حلول أو إملاءات أو أجندات خارجية على شعبنا وهو صاحب القرار وهو من يحدد مستقبله دون تأثير أو ضغوط بموجب ملكيته الوطنية لصنع وبناء السلام والتي أكد عليها القرار 2736.

وانطلاقاً من هذه القناعة نؤكد استعدادنا للتعاون البناء مع المبادرات الهادفة لمخاطبة جذور الأزمة وإنهاء العدوان الظالم على شعبنا والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية وسياده البلاد ودعم جهودها لتحقيق السلام والتنمية وتجاوز التحديات الراهنة.

لقد دعمنا جهود المبعوث الشخصي للأمين العام للسودان ولقاءاته ومشاوراته الحوارية وتجاوبنا مع المقترحات والمبادرات البناءة لوقف حرب العدوان، وقدمنا جهداً سودانياً خالصاً للخروج من الأزمة واستعاده الاستقرار والبناء في خارطة الطريق التي قدمناها في ديسمبر 2025.

وفي موازاة تلك الجهود المستمرة يواصل السودان تعاونه الإيجابي مع الأمم المتحدة بما في ذلك مكتب ممثل العام للعنف الجنسي في النزاع المسلح، ومكتب منسق الشؤون الإنسانية، ومكتب ممثلة الأمين العام للأطفال في النزاعات المسلحة، وآليات حقوق الإنسان التي تحظى بتعاون حكومة السودان سواء عبر المكتب القطري أو الخبير المعين لحقوق الإنسان في السودان. وفي هذا المقام نجدد تقديرنا ودعمنا لمواقف الدول الشقيقة والصديقة الداعمة للسودان جميعها.

ندعو المجتمع الدولي -وبعد الزخم العالمي للتضامن مع دارفور عقب استيلاء ميليشيا دقلو على الفاشر وتوفر الأدلة القاطعة والشهادة التي قدمها سلطان المساليت إلى مجلس الأمن- ندعوه إلى دفع المسارات القانونية لمحاسبة الجناة، وهذا أحد المسارات الفاعلة لوقف التصعيد والحد من موجة الانتهاكات التي ترتكبها المليشيا بدعم كبير من رعاتها الإقليميين والخارجيين. وهذا العامل وحده يقوض في مصداقية أي شراكة سياسية خلال ما تبقى من فترة الانتقال مع الجناح السياسي لميليشيا الدعم السريع بحكم التواطؤ المستمر والآفن.

وبالرغم من فشل مجلس الأمن في إدانة الرعاه وتسميتهم مما ساهم في التمادي على تلك الفضائع، وهؤلاء أيضاً سعوا باستخدام المرتزقة الأجانب بشكل مضطرد توفيراً للقطاع السياسي (الجناح السياسي للمليشيا)، وانبروا في تلفيق التهم ضد القوات المسلحة السودانية تسندهم منابر ممولة إقليمياً من رعاه المليشيا ممن يروجون للمعلومات المضللة والتهم الجزافية والإدانات الملفقة للنيل من سمعة قواتنا المسلحة المحترفة التي دافعت خلال الحرب العالمية الثانية وحاربت مع الحلفاء وكان الرد الجميل التخطيط لتدميرها وفرض العقوبات عليها والعمل على توسيع نطاق حظر السلاح الخاص باقليم دارفور ليعمم على كافه أقاليم السودان ليمهد لانتصار المليشيا والمرتزقة الأجانب الذين يشكلون 60% منها.

وقد التزمت القوات المسلحة خلال حرب العدوان بمبادئ منها: الالتزام بحمايه المدنيين وفق الخطة الوطنية المعتمده والتي قدمها السودان إلى مجلس الأمن، التمييز في كل الأوقات بين المقاتلين والمدنيين والأعيان المدنية والأهداف العسكرية، اتخاذ إجراءات الحيطة لتفادي وتقليل الأضرار الجانبية، وعدم استخدام المدنيين دروعاً بشرية، والامتناع عن تجنيد الأطفال، وعدم الانخراط في عمليات الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي للمدنيين، مع الالتزام بالهدن الإنسانية.

ولوقف الحرب لابد من ممارسة الضغط على الرعاة الإقليميين وبعض دول الجوار التي لم تكتف بتمرير الأسلحة والعتاد والمؤن إلى المليشيا عبر أراضيها، بل بفتح جبهات قتال واعتداءات متكررة تشنها المليشيا والمرتزقة من داخل أراضيها وفي وضح النهار وإنشاء مستشفيات في حدودها لعلاج جرحى المليشيا.

سيد الرئيس؛ تظل القضية الفلسطينية القضية المركزية في الشرق الأوسط، وينبغي تمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقله وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

كما يؤكد السودان على أهمية الاستقرار في البحر الأحمر وباب المندب وفي منطقة الخليج والتي تؤثر على كامل المنطقة، وإنهاء الوضع الحالي بما يجنب شعوب المنطقة ويلات الحرب وتداعياتها، ونؤكد دعمنا الكامل لدول المنطقة للحفاظ على سيادتها وأمنها واستقرارها، وأهمية احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحده والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

وقبل الختام؛ أرجو أن أنقل لكم تحيات السيد الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي الذي هو الآن بين جماهير شعبه في موجات متصلة وهم يهتفون: «جيش واحد، شعب واحد خلف القائد».

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

رابط المقطع على يوتيوب

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.