شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ….. ترميم البيت الوطني: دلالات التوحد الاتحادي ورهانات المستقبل السوداني – الجزء الأول

38

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

ترميم البيت الوطني: دلالات التوحد الاتحادي ورهانات المستقبل السوداني

الجزء الأول: قراءة في سياقات الخطوة ورسائل التوقيت

تعد الحركة الاتحادية في السودان أحد العمودين الفقريين للتاريخ السياسي الحديث في البلاد، حيث ارتبط نشوؤها وتطورها بصياغة الوجدان الوطني، وقيادة معركة الاستقلال، وتأسيس مفهوم الدولة المدنية القائمة على التعددية والديمقراطية. وإذا كانت عقود التشرذم والانقسامات المتتالية قد أضعفت الدور المحوري لهذه الحركة، وأقعدتها عن مجاراة التغيرات الهيكلية المتسارعة في الساحة السياسية، فإن المبادرة الأخيرة المتمثلة في توحيد فصيلين بارزين من التيارات الاتحادية وإعلان اندماجهما الكلي تشكل نقطة تحول ذات أبعاد استراتيجية عميقة في المشهد السوداني المأزق.
إن توقيع اتفاق الاندماج بين الكيانين المذكورين تحت مسمى تنظيم المرجعية التاريخية نفسها يعكس إدراكاً متأخراً – ولكنه حيوي – لخطورة استمرار حالة الشتات التنظيمي والفكري. لقد أدى تشرذم القوى الوسطية والوطنية التاريخية على مدى السنوات الماضية إلى إيجاد فراغ سياسي هائل، استغلته الاستقطابات الحادة والتيارات الراديكالية، مما أسهم في تعميق الأزمة الوطنية ووصول البلاد إلى حالة الصراع الراهن. ومن هنا، يكتسب الاتفاق أهميته السياسية ليس فقط باعتباره إجراءً تنظيمياً داخل بيت حزبي واحد، بل باعتباره محاولة لإعادة الاعتبار للتيار الوسطي العريض القادر على التوسط وصناعة التوافقات الكبرى.
وجاء هذا التطور التنظيمي حاملاً دلالات رمزية وسياسية تتجاوز الأطر الشكلية للتوقيع؛ إذ يمثل استجابة لمطالبات القاعدة الجماهيرية العريضة التي ظلت تدعو لجمع الصف والتسامي عن الخلافات الفردية والتكتلية. كما يتضمن التوافق تشكيل هيكل قيادي انتقالي، وأمانة عامة تنفيذية، ومكتب سياسي موحد يتولى رسم السياسات العامة والإعداد لمؤتمر عام يستعيد من خلاله الحزب شرعيته وقواعده التنظيمية. إن أهم ما يميز هذه الخطوة هو تبنيها منهجاً عملياً يبدأ بالدمج الفوري للأجهزة في الداخل والخارج، والاقرار بضرورة إدماج الشباب والمرأة وتجديد الدماء للتكيف مع المتغيرات المعاصرة.
علاوة على ذلك، فإن توقيت هذه الخطوة يأتي في لحظة دقيقة للغاية من تاريخ السودان، حيث تواجه البلاد تحديات وجودية تتطلب تكاتف جميع القوى الوطنية الحية. إن إنهاء الازدواجية التنظيمية داخل هذا الفصيل وإعادة ترتيب البيت الداخلي يرسلان رسالة إيجابية للقوى السياسية الأخرى مفادها أن الإرادة الوطنية قادرة على تجاوز حالة الانقسام والتشظي، وأن إصلاح الحياة السياسية يبدأ بإنهاء المحاصصات الصغيرة داخل الكيانات التاريخية لصالح مشروع وطني جامع.

Leave A Reply

Your email address will not be published.