جمهورية البرهان الأولى ومطلوبات الساحة السياسية
يوسف عبد المنان
“الحفر العميق في بيت الذهب والبريق”
محمد طاهر وصف عقوبات الاتحاد الأوروبي بعديمة القيمة
(1)
عادت ليالي الخرطوم وعادت معها حلقات التنوير والمدارسة في الشأن العام والمؤتمرات الصحافية وأنس الليل القصير عن الاقتصاد والسياسة في شرق الخرطرم حيث ضاحية الفردوس التي تقع مابين شارعي الستين وعبيد ختم من حيث الجغرافيا ومابين الثراء وحد الكفاية في بيته استقبلنا مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية المهندس محمد طاهر بأبسط مظهر رغم جلوسه في قيادة شركة هي الأكثر ثراءًا من كل شركات القطاع العام، جاء محمد حامد جمعة نوار بصمته المهيب والأستاذ عابد سيد أحمد رفيق الدرب الطويل ، وسبقنا دكتور عمر كابو الذي يجمع بين الصحافة والقانون والسياسية ومقعد الاستاذ الجامعي وجلس الأستاذ أبوعاقلة أماسا الصحافي الشامل رياضة وسياسة وثقافة وحضر عبدالماجد عبدالحميد مثله والصحافي الشاب طلال إسماعيل متأخر قليلاً عن بقية الزملاء في جلسة كشف المهندس محمد طاهر فيها كيف نجحت المبادرة التي قادها الاسبوع الماضي لاحتواء النزاع الذي نشب بصورة مفاجئة بين ناظر الهدندوة ووالي كسلا ومن التفاصيل تبدّت شخصية محمد طاهر الاجتماعية والسياسية وجمعه بين الحداثة كرجل دولة من طبقة المثقفين ومابين الزعامة القبلية وظلال التربية والتنشئة وأثرها العميق في سوك الأفراد.
انتقلنا من صالون الإستقبال إلى غرفة مزودة بشاشة عرض كبيرة الحجم وجلس مساعدي المهندس محمد طاهر المهندس مقدام خليل مساعد المدير العام والمهندس حسن الصافي والمهندس دفع الله مدير التخطيط وحاتم البشري مدير شئون الولايات وبدأ تنوع السودان من سحنات قيادة الشركة ووزارة المعادن في الوقت الراهن تمثل أهم وزارة من حيث الموارد المالية ولايخفى أثر المال على الصراع المرير حول موقع وزير المعادن ومدير الشركة الذي ظل يتعرّض لاستهداف من كل طامع في الموقع أو ساعياً لمبتغى لم يجده ينهال على المدير العام ضرباً بغير خلق وأخلاق ولكن المدير العام في حديث مقتضب جداً رد على سؤال صحيفة “الكرامة” بأن العقوبات التي فرضها الاتحاد الاروبي أخيراً على مورد الذهب فقال انها بلا أثر مباشر على السودان لأن السودان كان فقط يستورد بعض المواد الكيمائية لمعالجة الذهب من دولة ألمانيا وللسودان خيارات وبدائل عديدة ومن دول غير منضوية تحت سقف الاتحاد الاروبي وتحدث الطاهر عن الزيادة الكبيرة في إنتاج الذهب في هذا العام حيث بلغ الإنتاج حتى الآن أي في ستة أشهر ٣٦ طن من الذهب بعائد يَبلغ مليار دولار و٦٥٠ مليون دولار أمريكي وبهذا يصبح صادر الذهب هو أعلى صادرات البلاد بعد تدهور انتاج البترول وضرب المليشيا لمناطق إنتاج الصمغ العربي.
وإذا كانت شركة الموارد المعدنية تجلس على هذا المعدن ذو البريق فإنها لم تصرف على نفسها وموظفيها ولكنها أنفقت فقط على برامج العودة الطوعية من دولة مصر وحدها بما أعاد ٣ الف مواطن ومع إشراقة كل يوم تنضم ولاية من ولايات السودان لولايات الإنتاج التي كانت في السابق ١٤ ولاية ولكنها اليوم سبعة ولايات.
ووضع المدير العام كل أصابع يديه على المشكلات التي تواجه التعدين في البلاد خاصة على صعيد الأمن وتهريب الذهب وممارسة بعض الشركات في تقديم قوائم مالية غير دقيقة لتثبت انها خاسرة وتتهرّب بذلك من مسولياتها الاجتماعية ومسؤولياتها في دفع ماعليها من أموال للدولة.
( 2)
الشركة السودانية للموارد المعدنية رغم أنها تتمدّد في بناية ضخمة بعدد سبعة طوابق وهي من إنجازات السيد أردول الذي وضع بصمته وذهب يعافر في السياسة ويبتعد عن البرهان ولكنه فجأة يعود ويبلع لسانه ماقاله بالأمس وبعيداً عن السياسة فإن المدير الحالي الذي لايعرف له انتماء سياسي معلن على الأقل الا أنه يقول معظم منسوبي الموارد المعدنية كانوا من المقاتلين في المدرعات وفي وادي سيدنا كل ماتحقّق بفضل عدد ٩٢٠ موظفاً من أبناء السودان المخلصين وقدمت الشركة عدد كبير من الشهداء في معركة الكرامة ووجود موظفي الشركة في الخرطوم ساهم في إعادة تأهيل برج المعادن خلال ثلاثة أشهر فقط تمت صيانة البرج الذي غطي( عورة الحكومة) بين القوسين لم يرد على لسان طاهر لكن واقع حال والآن سبعة وزارات تستضاف مؤقتاً في برج المعادن حتى تعود الوزارات
وتحدث الطاهر عن ولاية واعدة جداً بالذهب وهي جنوب كردفان التي دخلت الإنتاج بنحو ٤٥ طن من الذهب هذا العام وهناك ٦٩ سوقاً للذهب.
وفي حديثي لطاهر عن ضرورة دخول بنك السودان كمشتري للذهب السوداني بسعر بورصة دبي وتسليم الدهابة حقوقهم بأسرع مايمكن حتى لا يذهب الذهب عن طريق التهريب قال محمد طاهر إن بنك السودان أبدى مرونة شديدة في الأيام الأخيرة ومحافظ البنك المركزي آمنة ظلت حريصة على شراء بنك السودان الذهب من بورتسودان وأبو حمد والعبيدية وعطبرة واعتبر المدير العام ان الأيام القادمة ستشهد زيادة كبيرة في إنتاج الذهب ومن نصيب الحكومة، وقبل منتصف الليل انفض اللقاء ولاتزال هناك أسئلة من الصحافيين تنتظر الإجابة من الشركة ومن وزارة المعادن ومن المالية.
(3)
بات في حكم الموكد أن ترتيبات تجري الآن في الساحة لفترة انتقالية جديدة بإرادة أهل السودان والقوى السياسية بعيداً عن رغبات واملاءات الخارج وشروطه والفترة الانتقالية المرتقبة تعود فيها البلاد الي النظام الرئاسي الجمهوري بتنصيب الفريق البرهان رئيساً للجمهورية هل الأولى أم الرابعة أم الثالثة باعتبار نميري كان هو الجمهورية الأولى والبشير هو الجمهورية الثانية والبرهان هو الجمهورية الثالثة ولكن ربما يعتبر البرهان ومهندسي الجمهورية الجديدة إن التاريخ يبدأ من حيث هم يقفون الآن
والاجتماعات العديدة التي عقدها البرهان وحده مع القوى السياسية قد بلورت بشكل كلي ملامح المرحلة القادمة بتعديل أو إلغاء الوثيقة الدستورية برضاء وموافقة موقعيها وهم الحركة الشعبية بقيادة عقار وحركة تحرير السودان بقيادة مناوي والمنشقين عنها أو منها غير مهم مثل مجموعة عبدالله يحي ورصاص وحركة العدل والمساواة ومسار الشمال والوسط والشرق الذي يتزعمه ترك وهو عراب جمهورية البرهان التي لم تبدي أي جهة معارضتها لها بما في ذلك صمود شريطة أن يتم إطعامها من كيكة السلطة التي لن يتذوق طعمها المؤتمر الوطني وحده في المرحلة الثانية من الفترة الانتقالية التي لم تعلن أي جهة عن مدتها إلا بعض الواجهات التي تقول ان البرهان سيتم تفويضه لعشرة سنوات قادمة لحكم السودان بعدها تجري انتخابات لتبلغ سنوات الانتقال ١٧ سنة.
والبرهان متفق عليه لقيادة البلاد في الفترة القادمة ويبصم الجميع على جمهوريته الجديدة إذا كان البرهان من خلال رئاسته للجمهورية يستطيع القضاء على التمرّد وتحقيق انتصار كبير جداً في الميدان يحول دون عودة المليشيا للساحة السياسية بروح المنتصر.
المطلوب الثاني من الفريق البرهان إقامة دولة القانون والعدل والمساواة لا دولة القبض على المعارضين والاصلاحيين والزج بهم في السجون فقط لشعور السلطة بأنهم يشكلون خطراً على وجودها.
ثانياً أن يشرك كل أهل السودان في الحكم ويعود الولاة منتخبين أو معينين بإرادة أهل الولاية لا صداقة الرئيس وزملاء دفعته في الجيش وانتخاب المجالس التشريعية في الولايات أو تعيينها وكذلك مجالس المحليات والبرلمان القومي وأن ينوب عن الرئيس نائب من دارفور وآخر من الجزيرة والشرق وكردفان والنيل الأزرق ويعين رئيس مجلس الوزراء لمدة أربعة سنوات وتشكيل حكومة بلا محاصصات قبلية وجهوية ولكنها تمثل كل البلاد وإذا تحقق ذلك فإن البرهان لن ينازعه في حكمه إلا القاهر الجبار وسيجد الدعم والسند من الجميع وستعود الطيور المهاجرة وتنتهي حقبة صراع طويل حول السلطة ولكن من يقول للشعب السوداني الحقيقة.
