المناهج التعليمية في السودان وتحفيز التفكير النقدي
من عمق المشهد
د. ست البنات حسن
حين يعود الطفل من المدرسة، حاملاً كراسته وما استطاعت أسرته أن توفره من أدوات، فإننا نرى في عودته انتصارًا للحياة، وخطوة نحو استعادة شيء من الاستقرار الذي افتقدته البيوت. غير أن وراء هذا المشهد سؤالًا يستحق أن نتوقف عنده: ماذا نريد لهذا الطفل أن يجد داخل الفصل؟ هل نكتفي بأن يستعيد ما فاته من دروس، أم نمنحه أيضًا فرصة ليتعلم كيف يفهم ويسأل ويميز، وكيف يبني رأيه دون أن يصبح صدى لما يسمعه؟
لقد وضعت الحرب التعليم في السودان أمام تحديات قاسية، تتجاوز المباني والكتب إلى انقطاع التعلم وتشتت الأسر وفقدان الأمان. وتؤكد اليونيسف أن ملايين الأطفال السودانيين تأثر تعليمهم بالنزاع، وأن استعادة فرص التعلم تتطلب بيئة آمنة ودعمًا للمعلمين والمجتمعات المحلية. ولهذا فإن الحديث عن المناهج ينبغي أن ينطلق من واقع الطفل والمعلم، لا من تصورات مثالية بعيدة عن ظروفهما.( اليونيسف. التعليم في السودان)
وقد يبدو الحديث عن التفكير النقدي، في مثل هذه الظروف، ترفًا مؤجلًا إلى حين إصلاح المدارس وتوفير المقاعد. لكن الطفل الذي يعيش وسط الروايات المتضاربة، ويسمع أحكامًا جاهزة عن الناس والمناطق والجماعات، يحتاج إلى أدوات للفهم بقدر حاجته إلى الكتاب. وليس المطلوب أن نحمّله تعقيدات السياسة والحرب، وإنما أن نعلمه، بما يناسب عمره، أن يسأل عن صحة الخبر، وألا يعمم خطأ فرد على جماعة، وأن يفرق بين ما رآه بنفسه وما سمعه من الآخرين.
يبدأ التفكير النقدي من هذه المساحة البسيطة: أن يعرف المتعلم لماذا يصدق معلومة، وعلى أي أساس يتبنى رأيًا، ومتى يحتاج إلى مزيد من المعرفة قبل إصدار الحكم. وهو لا يعني الاعتراض الدائم، ولا البحث عن العيوب في كل شيء، ولا التعامل مع كل الآراء باعتبارها متساوية في الصحة. فقد يكون الموقف النقدي الرشيد هو قبول تفسير تسنده الأدلة، وقد يكون رفض ادعاء شائع، وقد يكون التوقف والقول: لا أعرف بعد.
ومن هنا تصبح مراجعة المناهج التعليمية في السودان مسألة تتصل بنوعية الإنسان الذي نريد إعداده للمستقبل. فالمنهج لا يظهر في صفحات الكتاب وحدها؛ إنه يظهر أيضًا في طريقة شرح الدرس، وفي السؤال الذي يطرحه المعلم، وفي الإجابة التي يمنح عليها الدرجة، وفي الكيفية التي يستقبل بها الفصل رأيًا مختلفًا.
ولا يستقيم أن نحكم على المناهج السودانية كلها بأنها لا تنتج إلا الحفظ، أو أن نتجاهل معلمين استطاعوا بإمكانات محدودة أن يجعلوا فصولهم مساحات للفهم والحوار. مثل هذا الحكم يحتاج إلى مراجعة فعلية للكتب والامتحانات وممارسات التدريس. لكن السؤال الذي ينبغي أن تقوده هذه المراجعة: ما مقدار الفرصة التي نتيحها للتلميذ كي يفسر ويقارن ويستدل، بدل أن ينحصر نجاحه في إعادة العبارة التي قرأها؟
وفي المقابل، لا يفيد أن نحول الحفظ إلى خصم للتفكير. فالطالب يحتاج إلى معرفة يستند إليها، وإلى لغة يستطيع التعبير بها، وإلى حقائق وقواعد يتذكرها. المشكلة تبدأ حين يصبح استرجاع المعلومة نهاية التعلم، فلا يُسأل الطالب عن معناها أو حدودها أو موضع استخدامها. قد يحفظ تعريف التلوث، لكنه لا يستطيع تفسير تلوث مورد الماء في قريته؛ وقد يستظهر معنى التعاون، ثم يعجز عن ممارسة الحوار في عمل جماعي صغير..
غير أن تطوير الكتاب وحده لا يكفي. فإذا دعا المنهج إلى التفكير، ثم جاءت الامتحانات تكافئ النقل الحرفي وحده، فسيتجه جهد الطالب والمعلم إلى ما يضمن الدرجة. ولذلك ينبغي أن تتغير أدوات التقويم مع تغير أهداف التعلم، بحيث تقيس المعرفة الأساسية، وتمنح مساحة لتفسير الإجابة، وقراءة المعلومات، وحل المشكلات. وهذا الترابط بين المنهج والتدريس والتقويم تؤكد عليه أدبيات المكتب الدولي للتربية التابع لليونسكو.: التقويم وعلاقته بالتعلم والمنهج .
وفي قلب هذا التحول يقف المعلم. ومن غير العادل أن نطالبه بإدارة حوار ثري داخل فصل مزدحم، وإنجاز مقرر طويل، ومراعاة الفروق بين الطلاب، ثم نتركه دون تدريب أو أدوات أو استقرار مهني. إن إصلاح المناهج يحتاج إلى احترام خبرة المعلم وإشراكه في التجريب والتقييم، وتوفير نماذج عملية يستطيع استخدامها في ظروف المدرسة الفعلية .
وللأسرة دور لا يقل أثرًا. فالطفل الذي يسمع في البيت أن السؤال سوء أدب، وأن الكبير لا يخطئ، يجد صعوبة في تصديق أن المدرسة تريد منه رأيًا مستقلًا..
وفي السودان، تكتسب هذه التربية قيمة اجتماعية خاصة. فتعدد البيئات والثقافات واللغات يستدعي منهجًا يساعد الأطفال على معرفة وطنهم بوجوهه المختلفة، ويمنع تحويل الاختلاف إلى أحكام عن التفوق أو النقص. ويمكن أن يتعلم التلميذ من قصص الحياة والعمل والتراث في مناطق متعددة، وأن يرى في زميله المختلف شريكًا في الوطن، دون أن نطلب من الجميع التخلي عن خصوصياتهم.
كذلك ينبغي ألا يرتبط التفكير النقدي بمدرسة تمتلك أجهزة حديثة واتصالًا دائمًا بالإنترنت. فالتقنية قد توسع فرص البحث، لكنها لا تضمن جودة التفكير. ويمكن لصورة مطبوعة أو قصة قصيرة أو ملاحظة من البيئة المحلية أن تفتح نقاشًا مفيدًا. الأهم هو نوع السؤال، والمساحة التي نمنحها للطالب كي يفكر، والتوجيه الذي يساعده على مراجعة استنتاجه ..
ولأن الإصلاح الجاد يحتاج إلى ما يتجاوز إعلان النوايا، فإن الطريق العملي يبدأ بمراجعة عينات من الكتب والامتحانات، والاستماع إلى المعلمين والطلاب، ثم تجربة تعديلات محددة في مدارس متنوعة قبل تعميمها. ويجب أن نسأل عن أثرها: هل تحسن فهم الطلاب؟ هل أصبحوا أقدر على تفسير إجاباتهم؟ هل شارك من كانوا يلتزمون الصمت؟ وهل أمكن تنفيذها دون أعباء تتجاوز قدرة المدرسة والأسرة؟
لن تحل المناهج وحدها أزمات السودان، ولا يجوز تحميل المدرسة مسؤولية ما تصنعه السياسة والاقتصاد وظروف الحرب. لكنها تستطيع أن تسهم في إعداد مواطن أقل قابلية للتضليل، وأكثر استعدادًا للحوار وتحمل المسؤولية. وهذه مساهمة تستحق أن تكون في صميم إعادة البناء.
إن عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة ليست سوى الخطوة الأولى نحو المستقبل، غير أن ما يُغرس في نفوسهم داخل تلك الفصول هو الذي يرسم ملامح هذا المستقبل ويحدد مآلاته. التعليم الحق لا يُقاس بمقدار ما يحفظه الطفل من تفاصيل المناهج ، بل بما يكتسبه من قيم ومهارات فكرية تصنع شخصيته؛ حين يتعلم كيف يسأل بأدب، ويستدل بأمانة، ويختلف بإنصاف، ويملك الشجاعة لمراجعة ذاته وفكره. تلك هي الرسالة الخالدة للمدرسة: أن تمنح الإنسان بصيرة يفهم بها العالم من حوله، وإرادة واعية يشارك بها في بناء مجتمعه وإصلاحه ..
