خطرات ما قبل القهوة: مَن قال إن اليوم يبدأ من الشرق؟

6

 

 

 

 

أ. د طارق الصادق عبد السلام 
سهرت اكتب في كتاب النظام المعرفي القراني الى ما بعد صلاة الفجر ونمت ٧:٣٠ ص وشاء الله ان اصحو ٩:٣٠ ص اي بعد ساعتين.
خاطرة باغتتني لحظة الصحو، قبل أن أتحرك من السرير إلى السواك وفنجان القهوة:
بما أن الأرض كروية، وتدور حول الشمس، والشمس نفسها تجري؛ فلماذا نقول إن أهل الشرق يسبقون أهل الغرب إلى اليوم الجديد؟ أليس في مقدور أهل أمريكا أن يقولوا: نحن الشرق وأنتم الغرب، وأن يحسبوا أن اليوم يبدأ عندهم؟
والحقيقة أن لهم أن يقولوا: “أنتم غربنا”، كما نقول نحن: “أنتم غربنا”؛ لأن الشرق والغرب على سطح الأرض الكروي جهتان نسبيتان بحسب موضع الناظر ومسار حركته، وليستا مكانين مطلقين في الكون. فإذا سافرت شرقًا بما يكفي وصلت إلى أمريكا، وإذا سافرت غربًا وصلت إليها كذلك!
أما تعاقب الليل والنهار فحقيقة كونية ناشئة عن دوران الأرض حول محورها، واختلاف مواقعها في مواجهة الشمس. لكن جعل خط معين بدايةً لليوم ونهايةً لليوم السابق، وتقسيم الأرض إلى مناطق زمنية، واعتبار بلادٍ بعينها أول الداخلين في التاريخ الجديد؛ فليس حكمًا كونيًا تفرضه سنّة لا تتبدل، وإنما هو اصطلاح بشري تواضع عليه الناس لتنظيم حياتهم ومواصلاتهم ومعاملاتهم.
وهذا ما يسمى خط التاريخ الدولي (وخطّ التاريخ الدولي خطٌّ اصطلاحي يفصل بين تاريخين متعاقبين؛ تبلور أساسه سنة 1884م عقب اعتماد غرينتش خطَّ طول الصفر، ويمتد من القطب الشمالي إلى الجنوبي عبر المحيط الهادئ، متبعًا تقريبًا خط طول 180 درجة المقابل لغرينتش، مع انحرافات شرقية وغربية لتجنب تقسيم الدول والجزر، وليس له مسار طبيعي ثابت أو موضع دقيق واحد تفرضه الظواهر الكونية،
والأدق تاريخيًا انه “تبلور أساسه سنة 1884م” لا “وُضع نهائيًا”؛ لأن مؤتمر واشنطن اعتمد خط غرينتش واليوم العالمي، لكنه لم يرسم المسار التفصيلي الحالي لخط التاريخ؛ فقد تشكّل لاحقًا وتغير بحسب قرارات الدول واعتباراتها السياسية والاقتصادية. الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي⁠، مرصد غرينتش الملكي⁠).
وعلى ذلك لو اتفق البشر على نقل خط التاريخ الدولي إلى موضع آخر، لتغيّر المكان الذي يبدأ منه التاريخ المدني الجديد، من غير أن يتغير شيء في حركة الأرض أو تعاقب الليل والنهار.
وهنا يظهر فرق معرفي مهم بين ثلاثة أشياء كثيرًا ما تختلط:
الظاهرة التي خلقها الله، وقياس الإنسان لها، والنظام الاصطلاحي الذي بناه لتنظيمها.
فالإنسان لم يخلق الزمن، ولم ينشئ الليل والنهار، وإنما قاس حركتهما وسمّى وحداتهما ورتّب عليها نظامه الاجتماعي. ومن الخطأ أن نحول الاصطلاح البشري المتغير إلى حقيقة كونية مطلقة، كما أنه من الخطأ المقابل أن نحول الحقيقة الكونية إلى مجرد بناء اجتماعي!
ومن هذه الخاطرة الزمنية انتقل السؤال إلى قضية أعمق: هل تساعدنا هذه التفرقة في فهم العلاقة بين العبادة التوقيفية ومجال الاجتهاد البشري؟
ولكن مع احتراز ضروري: التشابه هنا في بنية التمييز، لا في المصدر؛ لأن نظام التوقيت المدني اصطلاح بشري ابتداءً، أما العبادة فمصدرها وغايتها ومرجعيتها من عند الله تعالى.
فالعبادة بمعناها الخاص، كالصلاة والصيام والحج، توقيفية في أصلها وبنيتها وما حدده الوحي من أوقاتها ومقاديرها وهيئاتها. لا يملك الإنسان أن ينشئ من عنده عبادة محضة، أو يغير عدد ركعات الصلاة، أو يعيد تشكيل الصيام والحج بدعوى التطور ومواكبة العصر؛ لأن حق التشريع التعبدي لله وحده:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾.
لكن العبادة بمعناها القرآني الواسع لا تنحصر في الشعائر، بل تمتد لتشمل حركة الإنسان كلها متى كان العمل مشروعًا، والقصد لله، والوسيلة منضبطة، والأثر محققًا للخير والعدل والعمران:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فالعمل، والعلم، والإنتاج، وإقامة العدل، ورعاية الأسرة، والإصلاح الاجتماعي، وإعمار الأرض؛ يمكن أن تدخل جميعها في فضاء العبادة. ولكن ليس صحيحًا أن كل فعل دنيوي يصبح عبادة بمجرد حسن النية؛ فالنية الحسنة لا تجعل الوسيلة المحرمة مشروعة، ولا تحول الفساد إلى عمران، ولا تعفي الفعل من ميزان الحق والباطل.
وبين التوقيف في الشعائر والاتساع في مفهوم العبادة، فتح الله للإنسان فضاءً اجتهاديًا واسعًا ليؤدي وظيفته الاستخلافية: يبتكر الوسائل، ويبني المؤسسات، وينظم التعليم والاقتصاد والإدارة والمدن والمواصلات، ويطور آليات الشورى والرقابة، ويستخدم العلم والتقنية لتحقيق المقاصد، ما لم يصادم نصًا أو يهدم مقصدًا كليًا.
وتظهر الصلة بين الأمرين في مواقيت الصلاة نفسها:
حركة الشمس وتعاقب الليل والنهار سنن كونية، وربط الصلوات بأوقات مخصوصة تشريع توقيفي، أما صناعة الساعة، ووضع الجداول، واستخدام التطبيقات، وحساب المواقيت فلكيًا، وتنظيم المناطق الزمنية، فهي وسائل بشرية اجتهادية.
فالاصطلاح البشري لا ينشئ الحكم الشرعي، ولكنه يساعد على تنزيله. والاجتهاد لا يملك تغيير العبادة التوقيفية، لكنه يملك تطوير وسائل أدائها وتنظيم شؤون الحياة المتصلة بها.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة جامعة:

ما حدده الوحي أصلًا وكيفيةً ومقدارًا فهو توقيفي لا ينشئه الاجتهاد؛ وما قرره مقصدًا أو مبدأً وترك وسائله وصوره مفتوحة فهو مجال للاجتهاد البشري المنضبط؛ وما تركه لشؤون العمران فهو في دائرة الإباحة والاجتهاد ما لم يصادم نصًا أو مقصدًا كليًا.

والمشكلة تبدأ حين نخلط هذه المستويات: فنحوّل الوسيلة البشرية إلى حكم مقدس لا يقبل التغيير، أو نحول الحكم التوقيفي إلى وسيلة تاريخية قابلة لإعادة التشكيل؛ فنقدّس ما تركه الله للاجتهاد، ونجتهد فيما أمرنا فيه بالاتباع!
إن التوقيف يحفظ للدين مصدره وهويته، واتساع مفهوم العبادة يصل الدين بالحياة والعمران، والاجتهاد يمنح الإنسان مجالًا لممارسة وظيفته الاستخلافية.
فالإنسان في النظام المعرفي القرآني ليس مشرّعًا مستقلًا عن الله، ولا كائنًا معطل العقل والإرادة؛ وإنما هو:
عبدٌ متلقٍ حيث يجب التلقي، ومجتهدٌ مسؤول حيث يكون الاجتهاد، ومستخلفٌ مكلّف في فضاء العمران.
وقصارى القول التعاقب سنّة كونية، وتعيين بداية اليوم اصطلاح بشري؛ والتعبد مرجعيته إلهية، وشعائره توقيفية، ووسائله العمرانية اجتهادية. والحكمة ليست في خلط هذه الدوائر، وإنما في معرفة ما لله فيه حكمٌ لا يُبدّل، وما للإنسان فيه اجتهادٌ لا ينبغي أن يُعطّل.
هذه كلها خطرات الصحو قبل مغادرة السرير إلى السواك والقهوة!

فماذا لو تأخرت القهوة أكثر؟
ربما أعدنا تقسيم الكرة الأرضية، ثم كتبنا فصلًا جديدًا في النظام المعرفي القرآني!

Leave A Reply

Your email address will not be published.