المعلومات وصناعة القرار في القرآن لماذا جعل القرآن التثبت أول خطوة في إدارة الدولة؟

52

 

 

مدخل قرآني لمشكلات المجتمع السوداني

سلسلة مقالات التحليل المضموني لسورة النمل

المقال الخامس

إذا أردنا أن نحدد أحد أكبر أسباب فشل القرارات في الدول المعاصرة، فلن يكون نقص الموارد ولا ضعف الإمكانات، وإنما ضعف المعلومات. فالقرار لا يكون أفضل من المعلومات التي بُني عليها.

ولهذا فإن كثيرًا من الدول لا تسقط بسبب ضعف القوة، وإنما بسبب سوء التقدير.

ومن اللافت أن القرآن، قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، قدّم نموذجًا بالغ الدقة لإدارة المعلومات، وذلك في قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام.

ومن خلال مشروع التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني، يتبين أن الهدهد لم يكن مجرد طائر في قصة رمزية، بل كان يمثل وظيفة مؤسسية داخل الدولة

لقد عاد بخبر استراتيجي يتعلق بدولة أخرى، فقال: ﴿إِنِّي وَجَدتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ…﴾

ثم عرض معلوماته بطريقة دقيقة؛ فلم يكتف بوصف الأشخاص، بل وصف نظام الحكم، والقدرات الاقتصادية، والانحراف العقدي، وهي عناصر تكوّن ما نسميه اليوم “التقدير الاستراتيجي للموقف”.

لكن الأهم من ذلك كله هو رد فعل سليمان. فلم يصدق الخبر لمجرد أن ناقله موثوق. ولم يرفضه لأنه جاء من تابع. بل قال:

﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

إنها قاعدة قرآنية عظيمة في صناعة القرار. فالخبر لا يتحول إلى قرار حتى يمر بمرحلة التحقق.

.ومن هنا يتضح أن الدولة القرآنية ليست دولة ردود أفعال، وإنما دولة معلومات.

ولذلك فإن أول خطوة في إدارة الأزمات ليست إصدار الأوامر، وإنما التأكد من صحة البيانات.

ولعل هذا من أكثر ما تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم. ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الشائعات تنتشر أسرع من الحقائق، وأصبح كثير من القرارات الفردية والجماعية يُبنى على أخبار لم تُتح لها فرصة التحقق. بل إن بعض الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية بدأت من معلومة خاطئة، أو تقرير ناقص، أو تحليل متعجل وقد كشفت التجربة السودانية، كما كشفت غيرها، أن غياب المؤسسات المهنية لجمع المعلومات وتحليلها، أو تهميش الخبرة العلمية في صناعة القرار، يؤدي إلى قرارات تتراكم آثارها السلبية على الدولة والمجتمع وليس المقصود هنا الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما منظومة المعرفة كلها؛ من مراكز البحوث، والإحصاء، والجامعات، والخبراء، وأجهزة التخطيط، وآليات المتابعة والتقييم , فالقرآن يعلمنا أن القرار الرشيد يبدأ قبل لحظة القرار بوقت طويل. يبدأ بجمع المعلومات .

ثم بتحليلها. ثم بالتحقق منها. ثم بعد ذلك يأتي القرار. ومن هنا فإن المعلومة ليست عنصرًا مساعدًا في الإدارة، بل هي جزء من أمانة الحكم. ولهذا لم يعاتب سليمان الهدهد لأنه غاب، وإنما ناقش مضمون ما جاء به. إن قيمة الموظف في الدولة ليست في حضوره الجسدي، وإنما في قيمة ما يضيفه إلى صناعة القرار. وهذا يقودنا إلى مراجعة ثقافة إدارية شائعة في كثير من مؤسساتنا، حيث يغلب الاهتمام بالتقارير الشكلية، بينما يقل الاهتمام بجودة المعلومات، وصدقها، وقدرتها على تفسير الواقع واستشراف المستقبل. ومن هنا يمكن أن نستخلص أحد القوانين الكلية في النظرية العمرانية الاستخلافية:

كل قرار يسبق اكتمال المعرفة يحمل في داخله بذور الخطأ، وكل دولة تجعل التحقق من المعلومات جزءًا من ثقافتها المؤسسية، تكون أقدر على تجنب الأزمات قبل وقوعها.

إن سورة النمل تعلمنا أن الطريق إلى القرار الصحيح لا يبدأ بالقوة، ولا بالحماسة، ولا بسرعة التنفيذ، وإنما يبدأ بالسؤال الذي طرحه سليمان: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

ولو جعلت مؤسساتنا هذا السؤال منهجًا دائمًا، لتغيرت طريقة إدارة كثير من شؤوننا العامة.

وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يسعى إلى استخراج السنن والقوانين المعرفية التي تحكم بناء الدولة والمجتمع من خلال القراءة المضمونية المتكاملة للقرآن الكريم، ليقدم الوحي مرجعية في صناعة القرار كما هو مرجعية في بناء العقيدة والعبادة.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.