الظاهرة الاجتماعية ونظامها المعرفي في القرآن العظيم

26

 

الظاهرة الاجتماعية ونظامها المعرفي في القرآن العظيم

 

تبويب الكتاب

الفصل الأول: الظاهرة الاجتماعية: من المفهوم الوصفي إلى النظام المعرفي

الفصل الثاني: النظام المعرفي للظاهرة الاجتماعية في القرآن العظيم

الفصل الثالث: الإنسان والاجتماع في القرآن العظيم

الفصل الرابع: شبكة المفاهيم القرآنية المؤسسة للظاهرة الاجتماعية

الفصل الخامس: السنن الاجتماعية والآليات السننية في النظام المعرفي القرآني

الفصل السادس: من الظاهرة الاجتماعية إلى النموذج الاجتماعي القرآني

الفصل السابع: تطبيقات في بناء الظاهرة الاجتماعية من المضمون القرآني

الفصل الثامن: إعادة بناء مفهوم الظاهرة الاجتماعية: من الواقعة الاجتماعية إلى الفعل الاستخلافي العمراني السنني

الفصل التاسع: وحدة التحليل السوسيولوجي في ضوء النظام المعرفي القرآني

الفصل العاشر: النظام المعرفي القرآني والنظرية الاجتماعية: من الاستيعاب إلى إعادة البناء

الفصل الحادي عشر: من علم الظاهرة الاجتماعية إلى علم الفعل الاجتماعي والعمران

الفصل الثاني عشر: الظواهر الاجتماعية المركبة في القرآن: من شبكة المفاهيم إلى التفسير

الفصل الثالث عشر: منهج البحث في الظاهرة الاجتماعية في ضوء النظام المعرفي القرآني

الفصل الرابع عشر: الإضافة العلمية للمشروع: من تأصيل علم الاجتماع إلى إعادة بناء الظاهرة الاجتماعية

الفصل الخامس عشر: نحو برنامج بحث سوسيولوجي قرآني: من بناء النظام إلى إنتاج العلم

 

مقدمة

ظل مفهوم الظاهرة الاجتماعية في علم الاجتماع مرتبطًا، منذ تشكل العلم الحديث، بمحاولة تحديد ما الذي يجعل من بعض الوقائع والأفعال والأنماط البشرية ظواهر اجتماعية جديرة بالدراسة العلمية. وقد كان إميل دوركايم من أبرز من أسهموا في تأسيس هذا التصور، حين جعل الوقائع الاجتماعية موضوعًا متميزًا لعلم الاجتماع، ونظر إليها بوصفها أنماطًا من الفعل والتفكير والشعور توجد خارج الفرد وتمارس عليه قدرًا من الإلزام.

وقد أسهم هذا التصور في تأسيس استقلال علم الاجتماع عن التفسيرات الفردية والنفسية للظواهر الاجتماعية، وأتاح بناء جهاز مفاهيمي ومنهجي واسع لدراسة المجتمع. غير أن نجاح هذا التصور في وصف جانب من الواقع الاجتماعي لا يعني أن تعريف الظاهرة الاجتماعية قد استنفد إمكاناته المعرفية، أو أن الواقع الاجتماعي القائم هو المصدر الوحيد الذي ينبغي أن تُبنى منه مفاهيم الظواهر الاجتماعية وتفسيراتها.

ومن هنا ينطلق هذا الكتاب من سؤال مختلف:

هل ينبغي أن يكون الواقع الاجتماعي القائم هو نقطة البدء الوحيدة في بناء مفهوم الظاهرة الاجتماعية؟ أم يمكن أن يوجد مصدر معرفي آخر يسبق الواقع في تحديد ما ينبغي أن تكون عليه الظاهرة الاجتماعية، ثم يجعل الواقع مجالًا لاكتشاف تحققها أو انحرافها عن سننها؟

يأتي القرآن العظيم هنا بوصفه مصدرًا للعلم والهداية، لا بوصفه مادة تُخضع لمقولات علم الاجتماع الجاهزة. ومن ثم فإن المقصود ليس البحث عن “علم اجتماع في القرآن” بالمعنى الذي يعني إسقاط المفاهيم السوسيولوجية الحديثة على النص القرآني، وإنما الكشف عن الكيفية التي يقدم بها القرآن نظامًا معرفيًا يمكن من خلاله إعادة بناء المفاهيم الاجتماعية من أصولها.

وعلى هذا الأساس، لا تبدأ الظاهرة الاجتماعية في هذا التصور من السلوك البشري القائم لكي يُجرَّد منه مفهومها، وإنما تبدأ من النص القرآني القطعي الدلالة حيث يكون النص أصلًا في بناء المفهوم، ثم ينتقل البحث من المفهوم إلى النسق، ومن النسق إلى السنة، ومن السنة إلى الآلية السننية، ومن ثم إلى النموذج الذي يمكن اختباره في الواقع.

وهذا التحول ينقلنا من سؤال:

كيف يحدث السلوك الاجتماعي؟

إلى سؤال أعمق:

ما النظام الذي ينبغي أن يحكم الفعل الاجتماعي حتى يكون منسجمًا مع طبيعة الإنسان ومهمته الاستخلافية ومجال العمران والسنن التي تحكم الاجتماع البشري؟

إن الفرق بين السؤالين ليس فرقًا في الصياغة، وإنما هو فرق في نقطة الانطلاق المعرفية. ففي حين ينطلق الاتجاه الوضعي، في صورته الكلاسيكية، من ملاحظة الواقع واستخلاص انتظاماته، ينطلق التصور القرآني من مصدر معرفي سابق على الواقع، ثم يجعل الواقع مجالًا للفهم والتنزيل والاختبار والكشف عن درجة تحقق السنن أو مخالفتها.

وبذلك لا تكون الظاهرة الاجتماعية مجرد وصف لما هو كائن، وإنما تصبح كذلك أداة لفهم العلاقة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون في ضوء نظام معرفي محدد.

وهنا تبرز أهمية مفاهيم الاستخلاف والعمران والسنن الإلهية. فالإنسان في القرآن ليس فردًا منعزلًا عن غاية وجوده، والمجتمع ليس مجرد تجمع بشري تحكمه أعراف وقواعد مكتسبة، والعمران ليس مجرد نتيجة عفوية لتفاعل الأفراد والجماعات؛ وإنما تنتظم هذه المجالات جميعًا داخل منظومة أوسع تجعل الفعل الإنساني جزءًا من مسؤولية الاستخلاف، وتجعل العمران مجالًا لهذا الفعل، وتجعل السنن الإلهية إطارًا حاكمًا لعلاقات الإنسان بنفسه وبغيره وبالعالم الذي يعيش فيه.

وعليه، فإن الظاهرة الاجتماعية في هذا التصور لا تُفهم باعتبارها قوة خارجية تقهر الإنسان فحسب، ولا باعتبارها مجرد نمط متكرر من أنماط السلوك؛ وإنما تُفهم باعتبارها بناءً اجتماعيًا يتشكل من فعل الإنسان داخل شروط وسنن موضوعية، ويتجه بحسب منظومة من القيم والمقاصد والمعايير التي تحدد وجهة العمران الإنساني.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى التمييز بين مستويين:

الأول: الظاهرة الاجتماعية بوصفها واقعًا قائمًا، بما يتضمنه من أنماط سلوك وعلاقات ومؤسسات وتمثلات وقواعد اجتماعية.

والثاني: الظاهرة الاجتماعية بوصفها بناءً معرفيًا معياريًا، أي بوصفها نموذجًا يمكن أن يُستخرج من النظام المعرفي القرآني، ثم تُدرس درجة تحققه في الواقع.

ولا يعني هذا التمييز إلغاء المستوى الأول أو التقليل من أهميته؛ فالواقع هو مجال الفعل الاجتماعي ومجال الاختبار والملاحظة والكشف. وإنما يعني أن الواقع لا يحتكر وحده حق تعريف الظاهرة وتحديد معيار صلاحها.

ومن هنا تتحدد وظيفة علم الاجتماع في هذا البناء بصورة مختلفة؛ فهو لا يقتصر على وصف ما يحدث في المجتمع وتفسير انتظاماته، وإنما يسهم كذلك في الكشف عن المسافة بين النموذج المعياري الذي يستمد أصوله من النظام المعرفي القرآني وبين الواقع الاجتماعي المتحقق، وفي تفسير أسباب التوافق أو الاختلال، وشروط الإصلاح وإعادة البناء.

وهكذا يصبح المجتمع مجالًا للفهم، وميدانًا للاختبار، وفضاءً للفعل الاستخلافي.

إن هذا الكتاب لا يهدف إلى تقديم بديل لفظي للمفاهيم السوسيولوجية الحديثة، وإنما يسعى إلى اختبار إمكانية أعمق: إعادة بناء مفهوم الظاهرة الاجتماعية من داخل النظام المعرفي القرآني، بحيث تنتقل الدراسة من مجرد قراءة الظواهر القائمة إلى بناء المفاهيم والنماذج التي تمكن من فهمها وتقويم مسارها وتفسير آلياتها السننية.

وهذا هو المدخل الذي سيقودنا في الصفحات التالية إلى إعادة النظر في مفهوم الظاهرة الاجتماعية، ومصادر بنائها، وعلاقتها بالإنسان والمجتمع، ثم إلى الكشف عن الأسس القرآنية التي يمكن أن تقوم عليها معرفة اجتماعية تتجاوز حدود الوصف إلى التفسير والبناء، وتنتقل من دراسة المجتمع بوصفه واقعًا مفروضًا إلى دراسته بوصفه مجالًا للفعل الاستخلافي والعمران السنني.

وقصارى القول: إن السؤال الذي يحكم هذا الكتاب ليس: هل تحدث الظاهرة الاجتماعية في القرآن؟ وإنما: كيف يمكن للقرآن أن يعيد بناء مفهوم الظاهرة الاجتماعية ونظامها المعرفي، بحيث يصبح الإنسان فاعلًا استخلافيًا، ويصبح العمران مجالًا لفعلِه، وتصبح السنن إطارًا لفهم انتظام الظواهر الاجتماعية وتفسير تحولاتها؟

 

الخاتمة

نحو أفق معرفي وعمراني متجدد

إن هذا الكتاب حاول أن ينقل دراسة الظاهرة الاجتماعية من سؤال ما الذي يحدث في المجتمع؟ إلى سؤال أكثر تركيبًا:

كيف يتشكل الفعل الاجتماعي؟ وكيف تنتظم علاقاته؟ وما السنن التي تحكم حركته؟ وما الآليات التي تجعله ينتج نتائجه؟ وإلى أي مآلات عمرانية يقود؟

وبذلك يصبح الإنسان فاعلًا لا مجرد حامل للظاهرة، ويصبح الاجتماع مجالًا للفعل والعلاقة، والعمران مجالًا للمآل، والسنن مجالًا للتفسير، والآلية السننية جسرًا بين الانتظام والتفسير، والنموذج خطوة بين التجريد والواقع.

ومن هذه النقطة يبدأ العمل الأكبر:

أن يتحول النظام المعرفي القرآني من بناء معرفي إلى برنامج بحث، ومن برنامج بحث إلى تراكم علمي، ومن التراكم العلمي إلى علم قادر على فهم الاجتماع الإنساني والإسهام في إصلاحه وعمرانه.

وهنا ينتهي الكتاب، لا لأن الأسئلة قد انتهت، وإنما لأن مرحلة التأسيس قد أدت وظيفتها، وأصبح المجال مفتوحًا للبحث والتطبيق والاختبار والتراكم.

انطلق هذا الكتاب من مساءلة جذرية لنقطة الابتداء في التفكير السوسيولوجي: هل يُشتق مفهوم الظاهرة الاجتماعية حصراً من توصيف الواقع القائم وتجريد انتظاماته المادية، أم أن في مكنة الوحي الإلهي أن يقدم نظاماً معرفياً أصيلاً يسبق الواقع في تحديد المعيار ويوجه حركته نحو مقتضيات الاستخلاف والعمران؟ 

لقد أثبت المسار التحليلي الممتد عبر فصول هذا السفر أن التأسيس الوضعي الكلاسيكي للظاهرة الاجتماعية—برغم أهميته التاريخية في استقلال العلم وفك الارتباط بالتفسيرات النفسية الفردية—قد فرض على الاجتماع البشري حتمية بنيوية جعلت من الإنسان مجرد متلقٍّ سلبي لضغوط الإلزام الاجتماعي وأدوات القهر الخارجي. 

وفي المقابل، كشف الاستنطاق المنهجي للنص القرآني عن منظومة معرفية متكاملة تتجاوز الثنائيات الوضعية الحادة (الفرد والمجتمع، الفاعل والبنية، الكائن وما ينبغي أن يكون)، متأسسة على أركان جوهرية: 

  • إعادة موضعة الفاعل الإنساني: فالإنسان في الرؤية القرآنية ليس كائناً مشيأً ولا مستلباً، بل فاعل مستخلف مكلف ومسؤول، يقع فعله بين طرفين متكاملين: الاختيار الإرادي والمسؤولية من جهة، والانتظام داخل شروط وسنن موضوعية لا تحابي أحداً من جهة أخرى. 
  • تأسيس المفهوم الشبكي والنسق: تبين أن المفاهيم الاجتماعية في القرآن (التعارف، التعاون، الاختلاف، التدافع، العدل، والظلم) لا تعمل جُزراً منعزلة، بل تنتظم داخل شبكات علائقية مترابطة تُفرز أنساقاً تحدد اتجاه الفعل الاجتماعي ومآلاته. 
  • الارتقاء من القاعدة إلى “الآلية السننية”: لم تقف القراءة القرآنية عند التقرير الوعظي لوجود السنن، بل فتحت الباب السوسيولوجي لاكتشاف “الآلية” التي تنتقل بها التحولات من مكنونات الأنفس واختيارات الفاعلين إلى مستويات العلاقات والتنظيم ومآلات التغيير أو الاستبداد أو التفكك. 
  • دمج المآل العمراني في صلب التفسير: حيث لا تنفصل الظاهرة الاجتماعية عن غائيتها؛ فالفعل الإنساني إما أن يتجه نحو الإصلاح وإقامة شروط العمران والشهادة الحضارية، وإما أن ينحرف نحو الفساد وهدم نسيج الاجتماع. 

إن هذا البناء لا يزعم اكتمال “علم اجتماع إسلامي” بمجرد وضع دفتي هذا الكتاب، فالعلوم لا تولد من ادعاءات نظرية ناجزة، وإنما تتشكل عبر تراكم طويل من الأسئلة، وتأسيس النماذج، وصياغة الفرضيات، والنزول بها إلى ميدان الاختبار والتحقق الواقعي. 

إنما تكمن القيمة التأسيسية لهذا العمل في كونه يفتح الباب للانتقال من “التأصيل بوصفه إلحاقاً” إلى “التأصيل بوصفه إنتاجاً للمعرفة”؛ من خلال سلم منهجي صلب: 

النص- المفهوم- المفهوم الشبكي-النسق-السنة-الآلية السننية- النموذج-الواقع والاختبار-بناء العلم

وبذلك يلتحم هذا الكتاب مع مشروعه الشقيق: “علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني”؛ ليكون بمثابة حجر الزاوية الذي يعيد صياغة مفهوم الظاهرة الاجتماعية ووحدتها التحليلية، ويؤسس لمدرسة معرفية قادرة على مواكبة مشكلات المجتمعات الإنسانية، وتفسير أزماتها، وترشيد حركتها نحو عمران عادل ومستقر. 

وحسب هذا الجهد أن يكون قد مهّد السبيل، ورسم معالم الطريق، ووضع لبنة رصينة في صرح العلوم الاجتماعية الاستخلافية؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لم يكن السؤال الذي انطلق منه هذا الكتاب سؤالًا عن وجود مفاهيم اجتماعية في القرآن العظيم، ولا عن إمكان العثور في آياته على شواهد تؤيد ما استقر في علم الاجتماع من مفاهيم ونظريات؛ وإنما كان السؤال أعمق من ذلك:

كيف يمكن للنظام المعرفي القرآني أن يعيد بناء مفهوم الظاهرة الاجتماعية، وأن يفتح طريقًا جديدًا لدراستها وفهمها وتفسيرها؟

قادنا هذا السؤال إلى إعادة النظر في نقطة البداية التي تشكل منها مفهوم الظاهرة الاجتماعية في علم الاجتماع الحديث، دون إنكار ما راكمه هذا العلم من معرفة، ودون اختزال تاريخه في مدرسة واحدة أو نظرية واحدة.

وقد ظهر أن التصور الدوركايمي للواقعة الاجتماعية كان لحظة تأسيسية مهمة في استقلال علم الاجتماع، ولا سيما في تأكيده أن الاجتماع الإنساني لا يمكن اختزاله في مجموع الأفراد. غير أن جعل الخارجية والإلزام محورًا مركزيًا في تعريف الواقعة الاجتماعية لا يستنفد إمكانات تفسير الإنسان بوصفه فاعلًا قادرًا على الاختيار والمبادرة وإعادة إنتاج الواقع أو تغييره.

ومن هنا انتقل البحث من النظر إلى الإنسان بوصفه واقعًا تحت تأثير المجتمع فحسب، إلى النظر إليه بوصفه فاعلًا استخلافيًا مسؤولًا يعمل داخل شروط اجتماعية موضوعية، ويتفاعل مع الآخرين، وينشئ العلاقات والتنظيمات، ويشارك في إنتاج النتائج والمآلات.

وبذلك لم يعد الاجتماع الإنساني مجرد مجال لوقوع الظواهر، بل أصبح مجالًا للفعل الإنساني المسؤول.

كما لم يعد العمران مجرد نتيجة بعيدة عن الظاهرة الاجتماعية، وإنما أصبح مجالًا تظهر فيه آثار الأفعال والعلاقات والتنظيمات، ويتبين فيه اتجاهها نحو الإصلاح أو الفساد.

وفي الوقت نفسه لم تعد السنن مجرد قواعد عامة تذكر في سياق الوعظ أو الاعتبار، وإنما أصبحت، في البناء الذي يقترحه هذا المشروع، مجالًا للبحث عن الانتظام الموضوعي لحركة الظواهر الاجتماعية، بينما تمثل الآلية السننية محاولة للكشف عن كيفية اشتغال ذلك الانتظام داخل الظاهرة، من خلال شروطها وفاعليها وعلاقاتها ومساراتها ونتائجها.

ومن هنا تبلور المسار المعرفي والمنهجي الذي انتهى إليه الكتاب:

النص → المفهوم → المفهوم الشبكي → النسق → السنة → الآلية السننية → النموذج → الاختبار في الواقع.

وهذا المسار هو الذي نقل البحث من المفهوم المفرد إلى شبكة المفاهيم، ومن الشبكة إلى النسق، ومن النسق إلى تفسير الحركة، ومن التفسير إلى إمكان بناء نموذج قابل للاختبار.

وقد كان مفهوم الرؤية الكلية القرآنية عنصرًا حاسمًا في هذا البناء؛ إذ لا يمكن التعامل مع المفهوم القرآني بوصفه وحدة منفصلة عن تصور القرآن للإنسان والاجتماع والاستخلاف والعمران. فالمفهوم لا يستمد قيمته التفسيرية من وجود لفظه وحده، وإنما من موقعه داخل شبكة العلاقات التي ينتظم بها.

ومن هنا كان الانتقال من المفهوم المفرد إلى المفهوم الشبكي ضرورة منهجية، لا مجرد تطوير اصطلاحي.

كما أظهر البحث أن التأصيل لا ينبغي أن يتحول إلى عملية بحث عن آيات تؤيد نتائج جاهزة، ولا إلى استبدال مصطلحات بأخرى، وإنما هو عملية بناء معرفي تبدأ من الأصل القرآني، وتستخدم العقل في الفهم والتحليل والاستنباط، وتستفيد من المعرفة الإنسانية المنظمة بوصفها خبرة بشرية قابلة للفحص والنقد وإعادة التوظيف، وتجعل الواقع مجالًا للتنزيل والاكتشاف والاختبار.

وعلى هذا الأساس أعاد الكتاب تعريف الظاهرة الاجتماعية بوصفها:

نمطًا متشكلًا من الفعل أو العلاقة أو التنظيم الإنساني، ينشأ بفعل فاعلين مسؤولين داخل الاجتماع، وينتظم ضمن شروط وسنن موضوعية، وتتحدد آثاره ومآلاته من خلال علاقته بالاستخلاف والعمران والإصلاح والفساد، ويمكن تفسيره من خلال الكشف عن الآليات السننية التي تحكم تشكله وحركته، واختبار تحققها في الواقع.

ولا تعني هذه الصياغة أن التعريف قد بلغ صورته النهائية؛ فهو بناء علمي بشري قابل للمراجعة والتطوير. وإنما تعني أن مفهوم الظاهرة الاجتماعية انتقل، داخل هذا المشروع، من كونه مجرد واقعة اجتماعية قائمة إلى كونه عملية فعلية-علاقية سننية قابلة للفهم والتفسير والنمذجة والاختبار.

ومن هنا تغيرت كذلك وحدة التحليل.

فبدل أن تكون نقطة البداية فردًا منعزلًا أو مجتمعًا مجردًا، أصبحت الوحدة المركزية:

فاعل → فعل → علاقة → تنظيم → نتيجة → مآل.

وهذا التحول يفتح إمكانًا جديدًا لدراسة العلاقة بين الفاعل والبنية؛ فالإنسان يتأثر بالشروط الاجتماعية، لكنه لا يذوب فيها، كما أن قدرته على الفعل لا تعني تحرره من السنن والشروط الموضوعية.

ومن ثم فإن الحرية والمسؤولية والسنن لا تظهر في هذا التصور بوصفها مفاهيم متعارضة، وإنما بوصفها مستويات مختلفة في تفسير الفعل الاجتماعي.

كما انتهى البحث إلى أن النظام المعرفي القرآني لا يقدم “نظرية اجتماعية جاهزة” بالمعنى الاصطلاحي للنظرية العلمية الحديثة، وإنما يوفر أصلًا معرفيًا ومنظومة مفاهيم وعلاقات وسنن يمكن من خلالها بناء نماذج تفسيرية، ثم اختبارها وتطويرها.

وهذه التفرقة مهمة؛ لأنها تحافظ في الوقت نفسه على خصوصية الوحي وعلى طبيعة المعرفة العلمية البشرية.

فما يستخرج من النص ويفهم منه ويعاد تنظيمه في صورة نموذج أو فرضية هو عمل بشري اجتهادي، ولذلك يبقى قابلًا للنقد والمراجعة والاختبار، ولا ينسب إلى القرآن ما هو من اجتهاد الباحث.

ومن هنا أيضًا فإن قيمة المشروع لا تقاس بمدى قدرته على إثبات أن كل ما قاله علم الاجتماع موجود في القرآن، وإنما تقاس بقدرته على إنتاج أسئلة ومفاهيم ونماذج تفسيرية جديدة انطلاقًا من النظام المعرفي القرآني.

ولهذا لا يتوقف المشروع عند إعادة تعريف الظاهرة الاجتماعية، بل يفتح طريقًا نحو إعادة النظر في العلم الذي يدرسها.

وهذا هو المجال الذي عالجه المشروع في كتاب “علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني”؛ حيث ينتقل البحث من إعادة بناء الظاهرة إلى إعادة بناء علم الاجتماع نفسه في ضوء النظام المعرفي القرآني.

ثم يمكن أن يمتد هذا البناء إلى المجال التطبيقي والمهني، حيث تتحول المعرفة المتعلقة بالإنسان والفعل والعلاقات والإصلاح والعمران والسنن إلى أساس لنماذج مهنية جديدة، وهو المجال الذي يتجه إليه كتاب “علم الإرشاد الاستخلافي العمراني السنني: نحو نموذج مهني مستمد من النظام المعرفي القرآني”.

وبذلك تتكامل حلقات المشروع:

النظام المعرفي القرآني
→ يؤسس للأصل المعرفي والمنهجي.

الظاهرة الاجتماعية ونظامها المعرفي في القرآن العظيم
→ يعيد بناء مفهوم الظاهرة ووحدتها التحليلية ومسار دراستها.

علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني
→ يعيد بناء العلم الذي يدرس الاجتماع الإنساني.

علم الإرشاد الاستخلافي العمراني السنني
→ ينقل هذا البناء إلى المجال المهني والتطبيقي.

غير أن هذه السلسلة لا تعني أن المشروع قد اكتمل بصورة نهائية؛ بل تعني أن البنية الأساسية أصبحت قابلة لأن تتحول إلى برنامج بحثي.

وهنا تكمن أهمية الفصل الأخير؛ إذ إن إنتاج العلم لا يتحقق بمجرد صياغة المفاهيم، وإنما يحتاج إلى دراسات متعددة، وقواعد بيانات، وتحليل مضمون، ودراسات ميدانية ومقارنة، ونماذج وفرضيات، ثم اختبارات متكررة تسمح بتأكيدها أو تعديلها أو تجاوزها.

ولذلك فإن القيمة الحقيقية لما قدمه هذا الكتاب ستظهر في ما يمكن أن ينتج عنه من بحوث لاحقة، لا في ما يمكن أن يدعيه لنفسه من اكتمال.

إن المشروع، في نهايته الحالية، لا يقول للباحث:

هذه هي النظرية الاجتماعية القرآنية النهائية.

وإنما يقول:

هذا طريق يمكن أن يبدأ منه بناء علم اجتماعي جديد.

طريق يبدأ من الوحي بوصفه أصلًا معرفيًا، ويمر عبر الفهم العقلي المنظم، ويكشف المفاهيم وعلاقاتها وأنساقها وسننها وآلياتها، ثم يبني النماذج، ويعود بها إلى الواقع للاختبار والنقد والتطوير.

وهنا تتحدد المسافة بين التأصيل بوصفه إلحاقًا والتأصيل بوصفه إنتاجًا للمعرفة.

فالأول يبحث عن حضور ما هو موجود في علم الاجتماع داخل النص، أما الثاني فيسأل عن إمكان أن يعيد النص تشكيل السؤال والمفهوم والمنهج والنموذج.

وهذا هو الرهان الأكبر للمشروع.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.