الدولة في القرآن: منظومة مؤسسات لا فردًا مُمكَّنًا لماذا يقدم القرآن نموذج الدولة قبل أن يقدم نموذج الحاكم؟
رؤية قرانية
أ.د طارق الصادق عبد السلام
الدولة في القرآن: منظومة مؤسسات لا فردًا مُمكَّنًا
لماذا يقدم القرآن نموذج الدولة قبل أن يقدم نموذج الحاكم؟
من أكثر التصورات رسوخًا في الثقافة السياسية العربية والإسلامية ربط نجاح الدولة بشخص الحاكم؛ فإذا كان صالحًا صلحت الدولة، وإذا فسد فسدت. ولذلك انشغل كثير من الفكر السياسي عبر التاريخ بصفات الإمام أو الخليفة أكثر من انشغاله ببناء مؤسسات الدولة.
لكن القرآن يقدم تصورًا مختلفًا.
فمن خلال مشروع التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني، تكشف سورة النمل أن الدولة ليست فردًا عظيمًا، وإنما منظومة متكاملة من المؤسسات والأدوار والوظائف، يعمل كل جزء فيها في انسجام مع الآخر لتحقيق رسالة الاستخلاف.
فإذا تأملنا قصة سليمان عليه السلام وجدنا أن القرآن لم يصوره قائدًا يعمل وحده، بل عرض أمامنا دولة كاملة.
هناك القيادة التي تحدد الرؤية والاتجاه.
وهناك جهاز المعلومات الذي مثله الهدهد، ينقل الأخبار من خارج حدود الدولة، ويقدم معلومات استراتيجية كان لها أثر في صنع القرار.
وهناك القوات المنظمة التي وصفها القرآن بقوله:
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾
فالتركيز هنا ليس على كثرة الجنود، وإنما على حسن تنظيمهم.
وهناك إدارة الاتصال الدبلوماسي التي بدأت برسالة إلى ملكة سبأ قبل استخدام القوة.
وهناك إدارة القرار التي لم تبن موقفها على خبر واحد حتى تحققته.
وهناك المنظومة القيمية التي ظلت تحكم كل هذه الأجهزة، حتى لا تتحول الدولة إلى آلة قوة مجردة.
إن هذه التفاصيل ليست سردًا تاريخيًا، وإنما رسم دقيق لبنية الدولة كما يريدها القرآن.
ولعل هذا هو الفارق الجوهري بين الدولة في الرؤية القرآنية، والدولة في كثير من التصورات التقليدية.
فالقرآن لا يبني الدولة حول الفرد، مهما بلغت مكانته، وإنما يبنيها حول المؤسسة.
ولهذا لم يكن غياب سليمان يعني غياب الدولة، لأن الدولة لم تكن قائمة على شخصه وحده، بل على نظام متكامل يقوم كل جزء فيه بوظيفته.
وهنا تظهر إحدى القضايا التي تحتاج إلى مراجعة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
فقد ارتبط نجاح كثير من الحركات الإسلامية، بل وكثير من الدول، بكاريزما القائد، حتى أصبح المشروع كله يتأثر بوجود شخص أو غيابه.
لكن القرآن يوجه الأنظار إلى ما هو أبعد من الأشخاص.
إنه يريد بناء مؤسسات تستطيع أن تستمر، وأن تتعلم، وأن تصحح أخطاءها، وأن تؤدي رسالتها مهما تغيرت القيادات.
ولعل التجربة السودانية تقدم مثالًا مهمًا في هذا الباب.
فقد انشغل كثير من النقاش العام بأسماء القادة، وبالصراعات السياسية، بينما كان السؤال الأعمق ينبغي أن يكون: هل بُنيت مؤسسات الدولة على قواعد تضمن استمرارها وعدالتها وكفاءتها؟
فالسنن الإلهية لا تجعل بقاء الدول مرهونًا بوجود قائد صالح فحسب، وإنما بوجود مؤسسات صالحة، وأنظمة عادلة، وآليات رقابة ومحاسبة، وتداول للخبرة، واستمرار في الأداء.
إن القائد مهما بلغت حكمته لا يستطيع أن يرى كل شيء، ولا أن يدير كل شيء، ولا أن يتخذ كل قرار بمفرده.
ولهذا كانت المؤسسة في الرؤية القرآنية امتدادًا للعقل الجماعي للأمة، لا منافسًا للقائد ولا بديلًا عنه.
ومن هنا فإن بناء الدولة يبدأ ببناء المؤسسات، لا ببناء الزعامات.
ويبدأ بتوزيع الاختصاصات، لا بتركيزها.
ويبدأ بإيجاد نظم للمراجعة والتقويم، لا بالاكتفاء بصلاح الأفراد.
وهذا يقودنا إلى قانون عمراني بالغ الأهمية:
كلما تحولت الدولة إلى مشروع فرد، أصبحت قوتها مرتبطة بعمر ذلك الفرد، وكلما تحولت إلى منظومة مؤسسات، أصبحت أكثر قدرة على البقاء، والتجدد، وتصحيح مسارها.
ولعل هذا يفسر لماذا اهتم القرآن بعرض تفاصيل إدارة الدولة في قصة سليمان أكثر من اهتمامه بوصف شخصيته؛ لأن المقصود ليس تمجيد القائد، وإنما تعليم الأمة كيف تُبنى الدولة.
إن الأمة التي تبحث دائمًا عن “الرجل المنقذ” تؤجل حل مشكلتها، أما الأمة التي تبني مؤسساتها على العلم، والعدل، والشورى، والكفاءة، فإنها تقترب من النموذج الذي يرسمه القرآن للعمران والاستخلاف.
إن بناء المؤسسات ليس فكرة إدارية مستوردة، بل هو جزء أصيل من فلسفة الدولة في القرآن الكريم، وهو أحد المفاتيح الكبرى لفهم الفرق بين التمكين السياسي والاستخلاف الحضاري.
وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يهدف إلى إعادة اكتشاف النموذج القرآني في بناء الدولة والمجتمع، واستخراج القوانين الكلية التي تحكم قيام الحضارات واستمرارها، بما يفتح أفقًا جديدًا أمام الفكر السياسي الإسلامي يتجاوز جدل الأشخاص إلى بناء السنن والمؤسسات
